بقلم / د / محمد بن سعد الشويعر
الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، ونصلي ونسلم على من أرسله ربه رحمة للناس، وهاديا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وعلى آله وصحابته الذين نشر الله على أيديهم الحق في أرجاء المعمورة تحت ظلال السيوف، وبنور العلم، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد: -
فقد ذكر ابن كثير ﵀ في تفسيره عندما مر بهذه الآية الكريمة:
﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ (١) الآية. ما يلي: قال ابن جرير: يعني بقوله جل وعلا: وليست اليهود يا محمد ولا النصارى براضية عنك أبدا، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم، وأقبل على رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق (٢).
فاليهود والنصارى في الدرجة الأولى، وأصحاب الملل الأخرى لهم تبع، لن ترضى نفوسهم المريضة، وأهواؤهم المتشبعة، وقلوبهم الحاقدة
_________________
(١) سورة البقرة الآية ١٢٠
(٢) تفسير القرآن العظيم لابن كثير ١: ١٦٣.
[ ٢٣ / ٢٠١ ]
على الإسلام أو المسلمين حتى يسيروا خلفهم تقليدا ومتابعة؛ لأنهم يريدون الاستعلاء والتسلط بباطلهم، وطمس أنوار الحق الساطعة من عند الله.
وإذا كانوا لن يرضوا في رسول الله ﷺ، وهو صفوة الخلق وأعلاهم منزلة، حيث وقفوا ضد دعوته بالمرصاد عنادا ومكابرة وصدا، فإن أمته ﷺ لا تستغرب ما تلقى في كل عصر ومكان من اليهود وأعوانهم من أمور تنبئ عن حقدهم على الإسلام وأهله، ترصد ذلك الأحداث التاريخية، وتكشفه ضغائن النفوس.
وفي كل مرة يأتي هدفهم بغاية، أو يسوقونه خلف مقصد: فمرة باسم الأرض والغلات، وأخرى باسم الاقتصاد والمصالح، وثالثة باسم العلم والنظريات، ورابعة تحت مظلات الفكر والمؤتمرات والصداقة، وغير هذا من مسميات متعددة، وغايات ومقاصد متباينة، إلا أنهم لم يظهروا جلية الأمر باسم العقيدة، مع أنها هي المقصد الحقيقي، فهم يخشون عند إعلانها من إثارة الحماسة العقدية في نفوس المسلمين، وتحريكها في جوانحهم؛ لأن الواقع التاريخي والحقيقة المعروفة من الأحداث المرصودة، كما أوضحه لهم كبير المبشرين (المنصرين) الإنجليز في الثلث الأول من هذا القرن الميلادي صموئيل زويمر: بأن المسلمين لا يقبلون من يجابههم باسم المناوأة لدينهم، رغم جهل أكثرهم به، إذا كان المتحدث غربيا، فهم يثورون لذلك حمية، ويتصدون لمقاتلة ذلك المتعرض له بحماسة واستماتة، ولا نستطيع الصمود أمامهما.
ولهذا سيظل اليهود في الدرجة الأولى، ثم النصارى جاهدين في محاربة هذا الدين، كائدين لأبنائه بسبل وغايات مختلفة، فهم متعصبون لعقائدهم، شديدو الحرص على جذب الناس إليها، ويبذلون في هذا السبيل أموالا وجهودا، ولا يتورعون عن سفك الدماء، وتخريب البيوت والديار؛ لتحقيق هدفهم الأسمى، وهو صد الناس عن دين الله، وإماتة
[ ٢٣ / ٢٠٢ ]
جذوته في النفوس، بالتشكيك في تعاليمه، وصلاحها لكل عصر ويسلكون في هذا السبيل طرقا، وينتهجون أساليب، منها الكذب والافتراء على رسول الله ﷺ، والنيل من سيرته، وتفسير أمور كثيرة في التشريع الإسلامي، والتاريخ المواكب لنشره بما يحلو لهم من التلبيس، ووضع الأمور في غير مواضعها، كما اعترف بذلك الدكتور " بجيل كروث " في المؤتمر الذي عقد في عام ١٩٧٩م في قرطبة بأسبانيا، باسم المؤتمر الثاني للمناظرة بين المسلمين والنصارى عندما قال: " لا يوجد صاحب دعوة تعرض للتجريح والإهانة ظلما على مدى التاريخ مثل محمد ".
وكما يلمس ذلك الضغن منهم كل من يقرأ كتب الاستشراق، ويتعمق في دعوات المبشرين وتقاريرهم، مع أن الجميع ومن قبلهم علماء اليهود وأحبارهم في عهد رسول الله ﷺ يعرفون حقيقة الرسالة المحمدية، وما جاء به محمد ﷺ من الحق، كما أخبر الله عن سالفيهم عند معاندتهم لرسول الله ﷺ في قوله ﷿: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١) وانطلاقا من عقيدتهم هذه فإن أعمال يهود في المدينة وفي خيبر مع رسول الله ﷺ معروفة حسبما أبان الله عنهم، ووفق ما رصد في السيرة النبوية الكريمة، ثم جاءت المجابهة في محاولة جيوشهم الوقوف بشدة في وجه الزحف الإسلامي على ديار الشام منذ موقعة مؤتة في عام ٨ هـ، ثم حاولوا الكيد للمسلمين في عهد الخلفاء الراشدين فالأمويين والعباسيين بكل ما أوتوا من قوة وتدبير، ولكن الله أبطل كيدهم، وأظهر دينه وأعز جنده، فاتسعت دائرة الإسلام، وأصبحت ديار الشام قاعدة إسلامية تخرج منها الجيوش لنصرة دين الله، ودعوة الناس إليه.
_________________
(١) سورة البقرة الآية ١٤٦
[ ٢٣ / ٢٠٣ ]