وفي الجانب الآخر نجد أن فرديناند وزوجته ايزابيلا التي شاركته الحكم يعملان الأفعال الشنيعة في الأندلس لطمس حضارة الإسلام، وإجبار الناس على ترك دينهم، تحت أشد أنواع العقاب، وإحراق الكتب الإسلامية في ميدان غرناطة منذ تنازل لهم آخر ملوك الأندلس من المسلمين، محمد بن الأحمر - أبو عبد الله (٨٦٧ - ٩٤٠هـ) عن ضياعه وسائر أملاكه في غرناطة، وأن يعبر إلى المغرب في موعد أقصاه شهر أكتوبر من عام ١٤٩٣م الموافق لعام ٨٩٨ هـ.
واستمرت الكنيسة تواصل تحريضها في محاولة لطرد المسلمين من الأندلس، وإلزام من بقي بالتحول للنصرانية، ومتابعتهم في بيوتهم حتى لا يرتبطوا بالإسلام في المظهر واللباس والطعام والغسل، والنظافة والأسماء أما العبادة وقراءة القرآن فمن باب أولى، وكان العقاب شديدا على من يلاحظ
[ ٢٣ / ٢٠٦ ]
عليه شيء من ذلك، أو يمتنع من الذهاب للكنيسة، أو يتحدث أو يكتب اللغة العربية، وقد وصف المطران " جريرو " " الموريسكيين " وهذا هو الاسم الذي أطلقوه على المسلمين - في عام ١٥٦٥م الموافق لعام ٩٧٣هـ في كتاب باللغة الأسبانية، نقله عنه محمد عبد الله عنان بقوله: إنهم خضعوا للتنصير، ولكنهم لبثوا كفرة في سرائرهم، وهم يذهبون للقداس تفاديا للعقاب، ويعملون خفية في أيام الآحاد والأعياد، ويحتفلون يوم الجمعة، أعظم من احتفالهم بيوم الأحد، ويستحمون حتى في ديسمبر، ويقيمون الصلاة خفية، ويقدمون أولادهم للتنصير خضوعا للقانون، ثم يغسلونهم لمحو آثار التنصير، ويجرون ختان أولادهم، ويطلقون عليهم أسماء عربية، وتذهب عرائسهم إلى الكنيسة في ثياب أوربية، فإذا عدن إلى المنزل استبدلنها بثياب عربية، واحتفل بالزواج طبقا للرسوم العربية؟ ويعلق المؤلف على هذا القول بما نصه: والظاهر أن هذه الأقوال تنطوي على كثير من الصدق، ذاك أن الأمة الموريسكية المهيضة بقيت بالرغم مما يصيبها من شنيع العسف والإرهاق متعلقة بتراثها الروحي القديم، وبالرغم مما فرض على الموريسكيين من نبذ دينهم ولغتهم، فقد لبث الكثير منهم مسلمين في سرائرهم، يزاولون شعائرهم خفية، ويكتبون أحكام الإسلام والأدعية والمدائح النبوية بالقشتالية الأصلية أو بالقشتالية المكتوبة بأحرف عربية (١).
وقد ذكر المقري (٩٩٢ - ١٠٤١هـ): أن النصارى بالأندلس قد شددوا على المسلمين بها في التنصر، حتى أنهم أحرقوا منهم كثيرا بسبب ذلك، ومنعوهم من حمل السكين الصغير فضلا عن غيرها من الحديد، وقاموا في بعض الجبال على النصارى مرارا، ولم يقيض الله لهم ناصرا إلى أن كان إخراج النصارى إياهم عام ١٠١٧ هـ، فخرجت ألوف بفاس، وألوف أخر
_________________
(١) نهاية الأندلس ٣٧٨، ٣٧٩.
[ ٢٣ / ٢٠٧ ]
بتلمسان ووهران، وخرج جمهورهم بتونس، فتسلط عليهم الأعراب، ومن لا يخشى الله تعالى في الطرقات، ونهبوا أموالهم (١).
ويعلل الناصري في تاريخه الاستقصاء: أسباب جلاء المسلمين من الأندلس بأنه بعد استيلاء صاحب قشتالة على غرناطة سنة ٨٩٧ هـ وقد التزم أهلها طاعته، والبقاء تحت حكمه على شروط اشترطوها عليه، وأن عدو الله قد نقض تلك الشروط عروة عروة، وكان أهل الأندلس من أجل ذلك كثيرا ما يهاجرون من بلاد الكفر إلى بلاد الشام أثناء هذه المدة السالفة (٢).
فعندما نستعرض التاريخ وأحداثه في ديار المسلمين؛ الشام والأندلس في الحروب الصليبية، وحتى بعد سقوط آخر معقل للمسلمين بالأندلس، حيث أنشئوا ديوان التحقيق لمتابعة المسلمين والبطش بهم، ثم في أوروبا بعد تحالف دولها للقضاء على الدولة العثمانية؛ لأنها رمز لاجتماع المسلمين تحت مظلة واحدة، تلم شملهم، وتوحد صفوفهم، بالعقيدة الإسلامية.
_________________
(١) نفح الطيب ٢: ٦١٧.
(٢) الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى ٦: ١١.
[ ٢٣ / ٢٠٨ ]