لكنهم كالنار تحت الرماد عندما يجدون مجالا للتحرك تنبعث الشرارة،
[ ٢٣ / ٢٠٣ ]
ففي عام ٤٨٨ هـ اغنتم البابا أربان الثاني اجتماعا في مجمع كلير مونت عاصمة إقليم أوفرن بفرنسا لأن نقطة ضعف من المسلمين قد حانت، فألقى خطابا أثار حماسة النصارى لحرب المسلمين في سبيل توحيد الكنيستين الشرقية والغربية تحت سيطرته، ودعا للحروب الصليبية ضد المسلمين، ووعد من يحارب بالمحافظة على أموالهم ورعاية أولادهم، علاوة على ما ينتظرهم من مال وشهرة، وصار يطوف البلاد على حماره حاملا الصليب محرضا ومحمسا حتى استجابوا له (١).
ثم تظهر حقائقهم، عن واقع أعمالهم ضد الإسلام والمسلمين، عندما تلوح لهم بارقة النصر، فقد ذكر ابن الأثير (٥٥٥ - ٦٣٠ هـ) في حوادث عام ٤٩٢هـ في وصف المذبحة التي أحدثها الصليبيون في بيت المقدس عند دخولهم إياه بعد حصار طويل، أمورا شنيعة منها قوله: " وقتل الإفرنج بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفا، منهم جماعة كبيرة من أئمة المسلمين وعلمائهم وعبادهم وزهادهم، ممن فارق الأوطان، وجاور بذلك الموضع الشريف " (٢).
وحتى لا يكون القارئ متأثرا بمحاولة كثير من كتاب الغرب حول الدعوة لإعادة كتابة التاريخ الإسلامي، وما فيه من مبالغات وتزويدات، حيث يعتبرون ذكر مثل هذا الرقم من التزويدات، نثبت في هذا المكان ما أورده الكاتب ول ديورانت في موسوعته التي ترجم منها إلى اللغة العربية حتى الآن ٤٢ جزءا، وما نقله عن القس رميند الأجيلي الذي حضر هذه المذبحة بقوله: " وشاهدنا أشياء عجيبة إذ قطعت رءوس عدد كبير من المسلمين، وقتل غيرهم رميا بالسهام، أو أرغموا على أن يلقوا بأنفسهم من فوق الأبراج، وظل بعضهم الآخر يعذبون عدة أيام ثم أحرقوا بالنار، وكنت ترى
_________________
(١) راجع كتاب الدولة الإسلامية تاريخها وآثارها ص ٢٤٨، والحروب الصليبية الأولى ص ١٩.
(٢) الكامل في التاريخ ١٠: ٢٨٢.
[ ٢٣ / ٢٠٤ ]
في الشوارع أكوام الرءوس والأيدي والأقدام، وكان الإنسان أينما سار فوق جواده يسير بين جثث الرجال والخيل "، ثم نقل عن شاهد آخر قوله: " إن النساء كن يقتلن بالسيوف والحراب، والأطفال الرضع يختطفون بأرجلهم من أثداء أمهاتهم، ويقذف بهم من فوق الجسور، أو تهشم رءوسهم بدقها بالعمد، وذبح سبعون ألفا من المسلمين الذين بقوا بالمدينة " (١).
وقد حرص النصارى في حروبهم الصليبية التي استمرت في بلاد الشام قرابة مائتي عام، حاولوا الامتداد فيها إلى الحرمين الشريفين حرصا على تمكين عقيدتهم، والدعوة لها على أنها هي الهدى، ومحاولة قسر الناس عليها، وإبادة من يخالفها، حتى قيض الله حربا على يد صلاح الدين الأيوبي (٥٣٢ - ٥٨٩ هـ) غيرت مجرى التاريخ في عام ٥٨٣هـ، أعلت قدر الإسلام والمسلمين في ذلك الصراع، فمعركة " حطين " تعتبر من المعارك الفاصلة في التاريخ، وقد وصفها المقدسي في كتابه الروضتين قائلا: " غير أن هذه النوبة المباركة كانت للفتح المقدسي مقدمة، ولمعاقد النصر وقواعده مبرمة محكمة (٢)، فتنفس المسلمون الصعداء بعد أن ارتفعت راية الإسلام عالية، معلنة رفع الظلم الواقع على المسلمين ودينهم، وليثأر المسلمون من خصومهم، حيث انفتح لهم أوسع أبواب النصر في الحروب الصليبية، وذلك بإخراج النصارى عن حكم بيت المقدس، والهيمنة عليه، وقد وصف ذلك بالنصر وما جرى في بيت المقدس من فتح، وعدالة في معاملة النصارى، ابن الأثير في تاريخه وصفا ضافيا، مشيرا لذلك اليوم الحافل بالفرحة العامة للمسلمين بدخول القدس، وهو
_________________
(١) انظر قصة الحضارة جـ ٤: م٤ ص ٢٥ عصر الإيمان وبالطبعة العربية ترجمة جامعة الدول العربية ١٥: ٢٥.
(٢) الروضتين ٢: ٧٥.
[ ٢٣ / ٢٠٥ ]
يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب عام ٥٨٣هـ، حيث طهر صلاح الدين المسجد الثالث مسرى رسول الله ﷺ من صلبانهم، ثم صلى في المسجد الأقصى بمن معه الجمعة التالية بعد انقطاع في ٤ شعبان سنة ٥٨٣هـ، وأظهر تسامح قواد المسلمين عندما ينتصرون، فقد عفا عن البطريك الكبير، وغيره من قادتهم ونسائهم ومنحهم أموالهم يخرجون بها، عدا " ريتشارد قلب الأسد " الذي حلف أن يذبحه بيده تأثرا لجرأته على غزو المدينة المنورة، حيث وصل في حملته إلى ينبع؛ ليعطيهم درسا عمليا عن مكانة الإسلام في تربية أبنائه على الغضب لله ولدينه، وللمحافظة على العهود ورعايتها (١).
_________________
(١) راجع الكامل في التاريخ ١١: ٥٢٩ - ٥٥٣.
[ ٢٣ / ٢٠٦ ]