صفحة فارغة
[ ٢٣ / ٢٦٤ ]
حكمة مشروعية
الاحتساب وحكمه، ووظيفته
وأنواعه ودرجاته وطرقه
للدكتور محمد عثمان صالح
(أ) حكمة مشروعية الاحتساب وحكمه:
شرع الله الاحتساب لحكمة عظيمة، وفائدة لا تخفى على ذوي العقول السليمة، فهم يرون بلا عناء أن للاحتساب أهميته البالغة، ودوره الخطير في إيجاد البناء الاجتماعي القوي المتماسك. لهذا جعله الله منهاج الفلاح، والصلاح للمؤمنين. كما جعله ميزة لخير الأمم، ومناط تفضيلها على العالمين - كما جعله الترياق لكل سموم المعاصي التي قد تهجم على جسد الأمة وتفسد عافيتها.
وقد أجمع العلماء الذين بحثوا في حكم الاحتساب وحكمة مشروعيته على وجوبه. لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الأمة في مجملها وبأدلة من القرآن والسنة المطهرة، وإجماع العلماء.
أما في القرآن الكريم فنجد الأمر به في قوله تعالى:
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (١) فالعرف الذي يؤمر به هو المعروف والعبرة بعموم اللفظ. والدليل الثاني من القرآن قوله تعالى:
_________________
(١) سورة الأعراف الآية ١٩٩
[ ٢٣ / ٢٦٥ ]
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١).
فالأمر في الآية ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ (٢) أمر للوجوب الكفائي خوطب به سائر الأمة. قال بعض المفسرين: "من" في " ولتكن منكم" للتبعيض لأن ما ذكر فرض كفاية. . . وقيل: زائدة (أي لتكونوا أمة) (٣). وقال ابن كثير - ﵀ - معناه: " أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبا على كل فرد بحسبه. . . (٤)
أما من السنة فالأدلة كثيرة منها قوله ﷺ: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان (٥)».
وفي رواية أخرى «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل (٦)» ومنها قوله ﷺ: «لا ينبغي لامرئ شهد مقاما فيه حق إلا تكلم به، فإنه لن يقدم أجله، ولن يحرمه رزقا هو له (٧)».
أما الإجماع فقد اتفقت كلمة الأمة كلها قديما وحديثا على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل إن من العلماء من جعله أصلا من الأصول التي بدونها لا يكون إيمان (٨).
_________________
(١) سورة آل عمران الآية ١٠٤
(٢) سورة آل عمران الآية ١٠٤
(٣) تفسير الجلالين عند تفسير آية ١٠٤ آل عمران.
(٤) مختصر تفسير ابن كثير للصابوني، ج ١ ص ٣٠٦.
(٥) صحيح مسلم الإيمان (٤٩)، سنن الترمذي الفتن (٢١٧٢)، سنن النسائي الإيمان وشرائعه (٥٠٠٩)، سنن أبو داود الصلاة (١١٤٠)، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (١٢٧٥)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ٥٤).
(٦) رواه مسلم والترمذي وغيرهما.
(٧) رواه الطبراني والبيهقي.
(٨) الحسبة في الإسلام ص ٦٤.
[ ٢٣ / ٢٦٦ ]
فالاحتساب بإجماع أهل الإسلام فرض لازم من الفروض التي إذا تركتها الأمة أثمت، وظلمت، واستحقت عقاب الله لها بشتى ضروب المحن في الدنيا، وبشتى صنوف العذاب في الآخرة. أما إذا قام به من يكفي في ذلك فقد سلمت الأمة، ونجت وتم بناؤها الاجتماعي. فهو إذن فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين ولكنه في أحوال أخرى يكون فرض عين وتفصيلا لهذا الحكم يقول بعض الباحثين:
" إذا كانت الحسبة فريضة في الجملة فإنما ذلك بالنظر إليها لا إلى ما تتعلق به من أقوال وأفعال. إذ يطرأ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أحكام مختلفة تبعا لمرتبة ذاك المعروف وذاك المنكر ".
وأضيف إلى هذا منزلة من يقوم به ومكانته. . . الخ. فالمعروف المأمور به قد يكون فرضا. وقد يكون سنة، أو مستحبا. وعندئذ يكون حكم الأمر به تابعا لحكمه ذاته. والمنهي عنه يكون حراما أحيانا. ويكون مكروها تحريميا أو تنزيهيا أحيانا أخرى، وعند ذلك يحكم على النهي بحسب حكم المنهي عنه ذاته، هذا في الحالات الفردية، أما لو ترك المسنون كله في المجتمع، أو ارتكب المكروه عامة في المجتمع فعندئذ يكون حكم الاحتساب فرضا على ذلك، إحياء للسنة، وإماتة للبدعة، وتصحيحا لما قد يسود في المجتمع من مفهوم خاطئ مخالف لشرع الله. وإضافة إلى هذا أقول: قد يكون الاحتساب فرض عين على من شاهد منكرا محرما دون سواه من الناس ومن ذلك النساء اللاتي يطلعن على بعض الأمور التي لا يطلع عليها سواهن فلا بد أن يأمرن وينهين بالحسنى، ومن ذلك المحتسب المعين أو المولى من قبل السلطة فيتعين عليه الأمر والنهي إذا وصل إلى علمه ما يوجب ذلك، ومن ذلك الرفيق في السفر أو العمل أو الدراسة. فعلى الفرد من هؤلاء يتعين الاحتساب.
[ ٢٣ / ٢٦٧ ]