ثم أخيرا بعد غرسهم دولة اليهود في قلب العالم الإسلامي بوعد بلفور في فلسطين، ومساعدتهم بتأسيسها منذ عام ١٩٤٨م ١٣٦٧هـ، بهذا وبغيره فإننا نلمس صدق الدلالة القرآنية في غضب اليهود والنصارى من دين الإسلام، وجهودهم لتحويل الناس عنه بطرق مختلفة، تتباين في كل عصر بحسب ما يراه المخططون كفيلا، بنفرة الناس من الإسلام وإبعادهم عن تعاليمه، والدعوة إلى أن دياناتهم هي الحق.
يقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ [١٣٠٧ - ١٣٧٦ هـ] في تفسيره عند مروره بالآية الكريمة: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (١)
_________________
(١) سورة البقرة الآية ١٢٠
[ ٢٣ / ٢٠٨ ]
الآية: يخبر تعالى رسوله أنه لا يرضى منه اليهود ولا النصارى إلا باتباعه دينهم؛ لأنهم دعاة إلى الدين الذي هم عليه، ويزعمون أنه هو الهدى، فقل لهم: ﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ﴾ (١) الذي أرسلت به: ﴿هُوَ الْهُدَى﴾ (٢) وأما ما أنتم عليه فهو الهوى بدليل قوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (٣)
فهذا فيه النهي العظيم عن اتباع اليهود والنصارى والتشبه بهم فيما يختص به دينهم، والخطاب وإن كان لرسول الله ﷺ، فإن أمته داخلة في ذلك؛ لأن الاعتبار بعموم المعنى لا بخصوص المخاطب، كما أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (٤)، فاليهود والنصارى سيظلون يحاربون دين الإسلام وأهله، ويكيدون لهم بغايات متعددة، وطرق متشعبة، ولن يرضوا عنهم إلا أن يحيدوا عن طريقه السليم، ولا يشرفهم كما قال أحد المبشرين أن يدخلوا النصرانية، بل يهمهم أن يكون المسلمون لهم تبعا، وأن يشككوهم في دينهم؛ لأن النصارى واليهود غير ملتزمين بعقائدهم الأصلية، وفي هذا اتباع للهوى الذي يريده هؤلاء القوم بصرف المسلمين عن عقيدتهم التي أرادها الله لهم حسدا من عند أنفسهم، حتى يتساووا في الظلم؛ لما في هذا المنهج من محاربة لله، ولشرعه.
فاليهود من سماتهم دائما الفساد والإفساد، ونفوسهم مجبولة على هذا وتبعهم النصارى في ذلك المعتقد، متفقين في التصدي لمحمد ﷺ ودعوته التي جاء بها من عند الله، مع اختلاف الأكاذيب، وتعمد التشويه فيما قاموا به من دراسة للدين الإسلامي وكتبه وتاريخه، والدس بأساليب متنوعة.
ومع هذا فيجب ألا يغرب عن البال اختلافهم فيما بينهم، وتباين
_________________
(١) سورة البقرة الآية ١٢٠
(٢) سورة البقرة الآية ١٢٠
(٣) سورة البقرة الآية ١٢٠
(٤) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ١: ١٣٣ - ١٣٤.
[ ٢٣ / ٢٠٩ ]
طرقهم العقدية كما قال جل وعلا عنهم في محكم التنزيل: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ (١).
ولم يعرف لهم في التاريخ القديم أو الحديث اتفاق إلا في معاداة الإسلام؛ لأن الصراع في العقيدة التي بموجبها العلاقة بالله جل وعلا هي المحك والذي بموجبه تتجلى بواطن النفس ودخائل أعمالها.
يقول سيد قطب في الظلال: تلك هي العلة الأصيلة، ليس الذي ينفعهم هو البرهان، وليس الذي ينقصهم هو الاقتناع بأنك يا محمد على الحق، وأن الذي جاءك من ربك الحق، ولو قدمت إليهم ما قدمت، ولو توددت إليهم ما توددت لن يرضيهم من هذا كله شيء إلا أن تتبع ملتهم، وتترك ما معك من الحق، إنها العقدة الدائمة التي نرى مصداقها في كل زمان ومكان، إنها هي العقيدة، هذه هي حقيقة المعركة التي يشنها اليهود والنصارى في كل أرض، وفي كل وقت ضد الجماعة المسلمة، إنها معركة العقيدة هي المشبوبة بين المعسكر الإسلامي، وهذين المعسكرين اللذين قد يتخاصمان فيما بينهما، وقد تتخاصم شيع الملة الواحدة فيما بينها، ولكنها تلتقي دائما في المعركة ضد الإسلام والمسلمين.
إنها معركة العقيدة في صميمها وحقيقتها، ولكن المعسكرين العريقين في العداوة للإسلام والمسلمين يلونانها بألوان شتى، ويرفعان عليها أعلاما شتى، في خبث ومكر وتورية، إنهم قد جربوا حماسة المسلمين لدينهم وعقيدتهم حين واجهوهم تحت راية العقيدة، ومن ثم استدار الأعداء العريقون فغيروا أعلامهم (٢).
فاليهود وإن قفرت منهم معابدهم، والنصارى وإن تساهلوا في ارتياد
_________________
(١) سورة البقرة الآية ١١٣
(٢) في ظلال القرآن ١: ١٤٢.
[ ٢٣ / ٢١٠ ]
كنائسهم، سيبقى انتماؤهم العقدي يربطهم بالطريقة التي كانوا عليها هم وآباؤهم. ولن يرضوا التخلي عنه، أو المناقشة من أجل الوصول للحقيقة المجردة من الهوى بل يسعون جاهدين في تثبيت معتقداتهم في الأمم الأخرى، وصرف المستنيرين منهم عن المنافذ المؤدية لإدراك الحقيقة، لأن انصرافهم لدراسة الإسلام والقناعة بتعاليمه أشد عليهم من دفاع المسلمين.
فهم يتبنون أفكارا وآراء تستحوذ على أذهان البسطاء، وتموه على الباحثين عن الحق، وذلك بأهمية قادتهم - أحبارا ورهبانا - في الريادة الفكرية والدينية، مستغلين تأثر كثير من المسلمين ظاهريا، ببهرج حضارة الغرب علميا وعسكريا وصناعيا، وغير ذلك، حسبما فعلته وسائلهم الإعلامية في نفوس كثير من الناس.
[ ٢٣ / ٢١١ ]