كان الشعراء في عهد الخلفاء من بني أمية يمدحونهم وينالون عطاءهم ونوالهم، وكان الخلفاء يغرفون لهم غرفا ويكيلون لهم كيلا؛ لأنهم يعلمون خطرهم ونفاذ كلامهم في الناس، ولكن عمر بن عبد العزيز والشعراء لا يخاف أحدا ولا يخشى إلا الله، ولا يعطي لأحد إلا ما يستحقه من بيت المال فوقف الشعراء (١) على بابه أياما طوالا لا يأذن لهم حتى شفع لهم عدي بن أرطأة، وقال يا أمير المؤمنين:
إن الشعراء ببابك وأقوالهم باقية، وإن رسول الله قد مدح وأعطى وفيه أسوة لكل مسلم. قال: صدقت، فمن الباب منهم؟ قال: عمر بن أبي ربيعة. فقال عمر: لا قرب الله قرابته ولا حيا وجهه أليس هو القائل:
_________________
(١) العقد الفريد ج ١ ص ٢٠٨ ثمرات الأوراق ج ١ ص٧١.
[ ٢٣ / ٣٣٩ ]
ويا ليت سلمى في القبور ضجيعتي هنالك أو في جنة أو جهنم
والله لا يدخل علي أبدا، فمن بالباب غيره؟ قال: جميل بن معمر العذري. قال: أليس هو القائل:
أظل نهاري لا أراها وتلتقي مع الليل روحي في المنام وروحها
والله لا يدخل علي أبدا، فمن بالباب غيره؟ قال: كثير بن عزة. قال: أليس هو القائل:
رهبان مكة والذين عهدتهم يبكون من حذر الفراق قعودا
لو يسمعون كما سمعت حديثها خروا لعزة ركعا وسجودا
أبعده الله، والله لا يدخل علي أبدا، فمن بالباب غيره؟ قال: الأحوص الأنصاري. قال: لا دخل علي أبدا، أليس هو القائل:
الله بيني وبين سيدها يفر عني بها وأتبعه
فمن بالباب غيره؟ قال الفرزدق: قال: أليس هو القائل:
هما ولتاني من ثمانين قامة كما انقض باز أقتم الريش كاسره
والله لا يدخل علي أبدا، فمن بالباب غيره؟ فقال: الأخطل. قال: أليس هو القائل:
ولست بصائم رمضان عمري ولست بآكل لحم الأضاحي
ولست بقائم كالعبد يدعو قبيل الصبح حي على الفلاح
أبعده الله، فوالله لا دخل علي أبدا، ولا وطئ لي بساطا، فمن بالباب غيره؟ قال جرير: قال: أليس هو القائل:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا وقت الزيارة فارجعي بسلام
فإن كان لا بد فهذا. فأذن له: فدخل جرير وهو يقول:
إن الذي بعث النبي محمدا جعل الخلافة في إمام عادل
[ ٢٣ / ٣٤٠ ]
فلما مثل بين يديه، قال له عمر: اتق الله ولا تقل إلا حقا. فأنشأ يقول:
كم باليمامة من شعثاء أرملة ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر
نال الخلافة أو كانت له قدرا كما أتى ربه موسى على قدر
هذي الأرامل قد قضيت حاجتها فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر
قال: يا جرير: ما أرى لك فيما هاهنا حقا. قال: يا أمير المؤمنين إني ابن سبيل ومنقطع. فقال له: ويحك يا جرير: قد ولينا هذا الأمر ولا نملك إلا ثلاثمائة درهم؛ فمائة أخذها عبد الله، ومائة أخذتها أم عبد الله، يا غلام أعطه المائة الباقية. فأخذها جرير: وقال: والله يا أمير المؤمنين لهي أحب مال اكتسبته. ثم خرج فقال له الشعراء: ما وراءك؟ قال: ما يسوؤكم، خرجت من عند الخليفة يعطي الفقراء ويمنع الشعراء، وإني عنه لراض. وأنشد:
رأيت رقى الشيطان لا تستفزه وقد كان شيطاني من الجن راقيا
[ ٢٣ / ٣٤١ ]