بعد صلاة الفجر والمغرب
الشيخ / فريح بن صالح البهلال
سائل يقول: سألت بعض طلبة العلم عن مشروعية هذا الذكر في هذين الوقتين، فأجاب بأنه غير مشروع، وأنه لا يفعله. ولكني أرى كثيرا من المسلمين يداومون على فعله في دبر هاتين الصلاتين الفجر والمغرب، فهل فعلهم هذا صواب أم تقليد أعمى؟
الجواب: الحمد لله هذا الذكر مشروع بدليل قول الرسول ﷺ: «من قال قبل أن ينصرف ويثني رجليه من صلاة المغرب والصبح لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير عشرات مرات، كتب الله له بكل واحدة عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكانت له حرزا من كل مكروه، وحرزا من الشيطان الرجيم، ولم يحل للذنب أن يدركه إلا الشرك، وكان من أفضل الناس عملا إلا رجلا يفضله يقوله أفضل مما قال (١)»، أو كما قال ﷺ. رواه سبعة من صحابة رسول الله ﷺ: معاذ بن جبل وأبو ذر وأبو أيوب وأبو الدرداء وعمارة بن شبيب السبائي وأم سلمة وعبد الرحمن بن غنم - ﵃ - بطرق كثيرة. وغالبها حسنة وفيها الضعيفة. وإليك قول أهل العلم في بيان درجة كل طريق منها: -
_________________
(١) مسند أحمد بن حنبل (٤/ ٢٢٧).
[ ٢٣ / ٣٤٥ ]
فأما حديث معاذ بن جبل فرواه الطبراني في الكبير (٢٠/ ٦٥) رقم (١١٩) قال فيه الحافظ المنذري في الترغيب (١/ ٢٤٠): رواه ابن أبي الدنيا والطبراني بإسناد حسن " اهـ. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٠٩): رواه الطبراني: من طريق عاصم بن منصور، ولم أجد من وثقه ولا ضعفه، وبقية رجاله ثقات " اهـ.
قلت: هو في التقريب قال عنه الحافظ: مقبول.
وأما حديث أبي ذر فأخرجه الترمذي (٥/ ٥١٥) رقم (٣٤٧٤)، وقال المباركفوري في تحفة الأحوذي (٩/ ٤٤٤): وأخرجه النسائي والطبراني في الأوسط.
وقال الترمذي: حديث حسن غريب صحيح.
قلت: وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير. وهو تساهل منه؛ لأن رجاله كلهم ثقات ما عدا شهر بن حوشب، صدوق له أوهام، وهذا لا يقتضي ضعف الحديث بل يكون حسنا. والله أعلم.
قال عبد القادر الأرناؤوط في تخريج جامع الأصول (٤/ ٢٣٠)، قد حسنه الحافظ ابن حجر في تخريج الأذكار بعد ذكر طرقه، ولذلك قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب اهـ.
وأما حديث أبي أيوب فأخرجه أحمد (٥/ ٤١٥) وابن حبان في صحيحه / مورد الظمآن ص (٥٨٢) رقم (٢٣٤١) وقال المنذري في الترغيب (١/ ٢٣٩): وأخرجه النسائي. اهـ.
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٠٧): " رواه أحمد والطبراني باختصار، وفي إسناده أحمد بن محمد بن إسحاق وهو مدلس. وفي إسناد الطبراني محمد بن أبي ليلى وهو ثقة سيء الحفظ. وبقية رجالهما ثقات " اهـ.
[ ٢٣ / ٣٤٦ ]
وأما حديث أبي الدرداء فقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٠٨): رواه الطبراني في الكبير والأوسط. وفيه موسى بن محمد بن عطاء البلقاوي، وهو متروك اهـ.
قلت: وله شواهد كثيرة كما تقدم ويأتي، يكون بها حسنا لغيره.
وأما حديث عمارة بن شبيب السبائي فقال الحافظ المنذري في الترغيب (١/ ٢٣٩): رواه النسائي والترمذي وقال: حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث ليث بن سعد ولا نعرف لعمارة سماعا من النبي ﷺ اهـ. قلت: هو في الترمذي (٥/ ٥٤٤) رقم ٣٥٣٤، وقال: حسن غريب.
وأما حديث أم سلمة فأخرجه أحمد (٦/ ٢٩٨) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٠٨): " رواه أحمد والطبراني بنحوه أخصر منه. وإسنادهما حسن " اهـ.
وأما حديث عبد الرحمن بن غنم فأخرجه أحمد أيضا (٤/ ٢٢٧)، وقال الحافظ المنذري في الترغيب (١/ ٢٤١): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير شهر بن حوشب، وعبد الرحمن بن غنم مختلف في صحبته.
وقد روي هذا الحديث عن جماعة من الصحابة اهـ.
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٠٨): " رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير شهر بن حوشب، وحديثه حسن " اهـ.
قلت: والاختلاف في صحبة عبد الرحمن بن غنم لا يقدح في الحديث. وذلك أنه إن لم يكن صحابيا فهو من كبار ثقات التابعين. قاله الحافظ ابن حجر في التقريب عن العجلي.
الحاصل، أن طرق هذا الحديث عن هؤلاء الصحابة ﵃ كلها حسان ما عدا طريق حديث أبي الدرداء فضعيفة. ومن القواعد المقررة
[ ٢٣ / ٣٤٧ ]
في علم الحديث أن طريق الحديث الحسن إذا تعددت يكون بها صحيحا لغيره، ويكون الحديث حجة يعمل به، وعلى هذا يكون عمل المسلمين من قول هذا الذكر الشريف في دبر صلاة الفجر وصلاة المغرب هو الصواب؛ لأنه مبني على أصل ثابت، وقول المفتي سامحه الله أنه غير مشروع قد جانب الصواب، وقال قولا بلا علم. والعلم عند الله تعالى.
واعلم أن للحديث ألفاظا وروايات غير ما ذكرت كلفظ: «من قال في دبر صلاة الفجر وهو ثاني رجليه قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله (١)». . الخ، كما في حديث أبي ذر عند الترمذي. وكلفظ: «له الملك وله الحمد، بيده الخير وهو على كل شيء قدير (٢)». . الخ وغيرها.
هذا والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
فريح بن صالح البهلال.
_________________
(١) سنن الترمذي الدعوات (٣٤٧٤).
(٢) سنن الترمذي الدعوات (٣٤٢٨)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٣٥)، مسند أحمد بن حنبل (١/ ٤٧)، سنن الدارمي الاستئذان (٢٦٩٢).
[ ٢٣ / ٣٤٨ ]