فكانت الفرصة مواتية لإبراز نماذج من دعواتهم في استقطاب البارزين في العالم، بعد أن اطمأنوا إلى توفر أسماء من رضعوا من لبانهم وتشبعوا بفكرهم؛ تثقيفا وقراءة وتعليما وولاء؛ لاعتقادهم بأن مثل هؤلاء من خيرة من يذيع وجهات نظرهم، ويدافع عن مقاصدهم بدراية أو تقليد.
وقد قيل: الجهل داء قاتل، ثم ينساق خلفهم المقلدون، ونستطيع أن نضع نماذج لتلك الدعوات بما جد في الآونة الأخيرة من عصرنا الحاضر، حتى يستعد المسلمون لمجابهتها، وإعداد العدة المناسبة لمثيلاتها؛ ليكون ذلك مهيئا للنفوس في تخطي ما يهدف إليه أعداء الإسلام، من أمور بعيدة المرمى، نحو ديننا وسلامة عقيدتنا، وتنقية فكرنا مما يخالفه، والمداخل إلى ذلك:
١ - اللقاء الإبراهيمي الذي تبناه المسلم الفرنسي جارودي حيث عقد بقرطبة ما بين ١٢ - ١٥/ ١٢ / ١٩٨٧م، وقد سبق هذا عدة لقاءات وتلاه وسيتلوه اجتماعات أخرى، والمفهوم عن هذا اللقاء حسب إطاره الأصلي بأنه مجرد حوار إسلامي مسيحي، لكن الظاهرة التي أدركها بعض الحضور
[ ٢٣ / ٢١١ ]
والمهتمين أنه قد دعي إليه بعض اليهود، وهذا مكسب عظيم لهم ليستغلوا الموقف، ويقولوا: إن خلافنا مع العرب خلاف سياسي لا ديني عقدي، والله جل ثناؤه قد أبان في كتابه الكريم بأنهم أشد أعداء للمسلمين من المشركين عبدة الأوثان فقال جل وعلا: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (١).
والذي يجب معرفته أن هذا اللقاء لم يكن جديدا، كما دعا إليه الجارودي، ولكنه قديم دعا إليه مفكرو اليهود والنصارى، يلمس هذا في مثل آراء كثير من الفرنسيين وغيرهم ممن تحمسوا لهذا اللقاء؛ ليدسوا من خلاله ما يعن لهم من فكر مثل: -
- لويس سينيون الذي دعا إلى ربط الأديان التوحيدية الثلاثة بنفس الشبكة، وذلك من خلال وصلها بالإيمان الإبراهيمي.
- ميشال حايك في كتاباته العديدة، وضمن ثلاثة كتب له نشرت باللغة الفرنسية عام ١٩٦٤م - ١٩٧٢م - ١٩٧٨م.
- مكسيم رودنسون أستاذ العلوم التاريخية والسلالات في جامعة باريس في كتابه العرب المنشور في باريس عام ١٩٧٩م الموافق لعام ١٤٠٠هـ حيث أكد على هذه النظرية.
يقدس اليهود نظرية الإسماعيلية وإدخالها في كتبهم، إذ صارت كلمة إسماعيلي مرادفة لكلمة عربي؛ لأن العرب ينحدرون من إسماعيل بن إبراهيم وأمه هاجر المطرودة من سارة أم إسحاق جد اليهود - حسب عبارتهم.
- اهتمام اليهود ودعوتهم للتقارب العرقي مع العرب؛ لأنهم أبناء عم فإبراهيم يجمعهم نسبا، ويقولون: كلنا نؤمن بإبراهيم مع ما في هذا من مغالطة بتكذيبهم أنبياء الله بعده وعداوتهم معهم حتى بلغ بهم الأمر إلى إيذائهم، أو قتلهم كما قصه القرآن الكريم علينا.
_________________
(١) سورة المائدة الآية ٨٢
[ ٢٣ / ٢١٢ ]
٢ - دعا البابا قبل عشر سنوات إلى اجتماع عقد في روما للتقارب بين الأديان وانبثق عن ذلك مؤتمرات للمناظرة بين المسلمين والنصارى، حيث عقد المؤتمر الثاني في قرطبة عام ١٩٧٩م الموافق لعام ١٤٠٠ هـ.
وقد نتج عن ذلك حوار بين المسلمين والنصارى في كل مكان من أوروبا، وبدأ في السنوات الأخيرة يدب إلى أمريكا وفي الجامعات بالذات إلا أن الملاحظ في ذلك الحوار تعدي حرية الفكر التي يؤمن بها بعض القوم بعد ضعف الكنيسة، حيث تسرب رجال الدين المتعصبون في الديانة النصرانية لفرض معتقدهم.
وقد استغل اليهود هذا المدخل الفكري لبث سمومهم، مما يعارض المصلحة الإسلامية في الحوار المقنع؛ لأن هؤلاء وهؤلاء ينطلقون مما أبانته الآية الكريمة بطمس العقيدة الإسلامية، والنظرة الشمولية في الفكر والعبادات وحماية الفرد والجماعة، والتعتيم على العدالة الإسلامية التي تتوق إليها النفوس البشرية بعدما استشرى الظلم عندهم وصار الحق لا يأخذه إلا القوي.
٣ - وفي العام الماضي ١٤٠٧هـ تأسست جماعة عالمية للمؤمنين بالله، من منطلق مفهوم النصارى في شهر مارس سنة ١٩٨٧م، وأعطت نفسها شعارا هو: " المؤمنون متحدون " وقد كان هذا الشعار ثمرة لدعوة البابا عندما دعا في قرية أسيس في ٢٧/ ١٠ / ١٩٨٦م إلى صلاة مشتركة، قدم نفسه فيها للعالم بأنه القائد الروحي للأديان جميعا، وأنه حامل رسالة السلام للبشرية جمعاء. . وقد كان له ما أراد، فقد لبى حضورها عدد من المسلمين واليهود والبوذيين وغيرهم، وقد توسع شعارهم هذا، فنشأ عن هذه الدعوة ضمن ذلك اللقاء: -
- نادي الشباب المتدين الذي أنشئ صيف عام ١٩٨٧م ١٤٠٧ هـ.
[ ٢٣ / ٢١٣ ]
- الناس متحدون تكونت بعد ذلك بمدة قصيرة في أبريل عام ١٩٨٧م الموافق رمضان سنة ١٤٠٧هـ.
- المؤمنون متحدون: الجماعة العالمية للمؤمنين بالله في ٢١ مارس سنة ١٩٨٧م الموافق شعبان سنة ١٤٠٧هـ.
- إلى جانب نداوت ولقاءات في الحوار بين الديانات، ويكسب بحمد الله جواد الإسلام الرهان في الجولة، وتعلو حجته كما في اللقاء مع القساوسة في السودان في محرم سنة ١٤٠١ هـ، وحوار أحمد ديدات مع القس المتعصب سويجارت، ففي الأولى أسلم ١٥ قسا وبإسلامهم أسلم ٥٠٠ نصراني، وبالثاني ظهرت مكانة الإسلام وقوة حجته.
- الدعوة لإقامة معبد للأديان في سيناء.
- الدعوة لاجتماع المجمع المسكوني القادم في بيت لحم بالأرض المحتلة عام ٢٠٠٠م.
- إقامة الصلاة في مسجد قرطبة في عام ١٣٩٤هـ ودعي لاحتفال بذلك لتأكيد علاقات الأخوة والمحبة بين أبناء الديانتين: الإسلام والمسيحية.
وقد رد على هذا سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز بمقال نشر في مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في تلك السنة تحت عنوان: لا أخوة بين المسلمين والكافرين، ولا دين حق غير دين الإسلام.
وقد سبق هذا كما سيتلوه دعوات أخرى تنطلق من نظرتهم في الاستعلاء، وأن الهيمنة يجب أن تتحرك مما بعثوه هم، وحسب تفسيرهم أيضا؛ لكسب الرأي العام في السمعة والمكانة، ويأبون الوصول للحقيقة التي وضحها رسول الله ﷺ في مثل قوله: «نحن معاشر الأنبياء ديننا واحد» رواه البخاري في صحيحه، ذلك أن دين الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ شريعة لأمته، هو دين الإسلام الذي جاءت به جميع الأنبياء،
[ ٢٣ / ٢١٤ ]
وعلى جميع الثقلين الانصياع لشريعته الكاملة الناسخة لما قبلها والعامة فيما ينفع الناس بمعاشهم ومصادرهم، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (١).
فاليهود يريدون خلف هذه الدعوات كسر الطوق الذي فرض عزلتهم في العقيدة؛ لكي يجتمعوا مع المسلمين وقادة المؤسسات الإسلامية بهدف هدم جدار العقيدة، الذي يتحصن المسلمون وراءه شعوبا وجماعات في جهادهم ضد أعدائهم، ذلك أن عزتهم ونصرهم لا يكونان إلا بتوفيق الله، ثم باسم الإسلام عقيدة وعملا، كما قال عمر بن الخطاب ﵁ (٤٠ ق هـ - ٢٣هـ): " نحن قوم أعزنا الله بالإسلام ومتى ابتغينا العز بغيره أذلنا الله ".
ومن هذا تدرك محاولة أعداء دين الله في كل زمان بما يناسبه، وضع الشراك للمسلمين لتصيد عثرات منهم، في محاولة لصرفهم عن غايتهم التي خلقوا من أجلها، وللمباعدة بينهم وبين عقيدتهم التي رفعهم الله بها؛ ليكونوا خير أمة أخرجت للناس، ذلك أن الخيرية التي قال الله عنها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٢)،. لم تكن خاصة لشعب بذاته ولا لطائفة بعينها، ولكن هذا لمن رضي بشريعة الله دينا، واتبع هدي محمد ﷺ وأدى حق ذلك، حسب الوصف لهذه الخيرية، كما توضحه باقي الآية الكريمة: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٣)، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إبانة أهداف اليهود والنصارى ونواياهم ضد الإسلام، وفضح أساليبهم ودعاواهم، وألا يشترك معهم في حوارهم
_________________
(١) سورة المائدة الآية ٤٨
(٢) سورة آل عمران الآية ١١٠
(٣) سورة آل عمران الآية ١١٠
[ ٢٣ / ٢١٥ ]
وندواتهم، إلا من يؤمن عليه من التأثر والانحراف، ويرجى نفعه وتأثيره في الآخرين، وذلك بالمجادلة الحسنة، والبحوث الوافية الغامضة، والدعوة برفق في توضيح حقائق الإسلام، المقرونة بالوقائع، والمعالجة للأوضاع، وبالأسلوب المقنع المريح، حتى يدركوا حقيقة العقيدة المرتبطة بالله، والتي هي محور العمل الإسلامي.
ذلك أن الآية التي أوضحت خيرية هذه الأمة خاطبت عقول أهل الكتاب بما ينفعهم، عندما تتحرك جذوة الخير في نفوسهم، وتنصاع لأمر الله استجابة ورضا بما شرع لعباده على وجه الأرض، حيث يقول جل وعلا: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١) ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ (٢).
_________________
(١) سورة آل عمران الآية ١١٠
(٢) سورة آل عمران الآية ١١١
[ ٢٣ / ٢١٦ ]