مما لا شك فيه أن الاعتصام بالكتاب والسنة فيه منجاة من الوقوع في البدع والضلال، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١)، وقد وضح ذلك النبي ﷺ فيما رواه ابن مسعود ﵁ قال: «خط لنا رسول الله ﷺ خطا، فقال: هذا سبيل الله. ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: وهذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه. ثم تلا: (٣)» فمن أعرض عن الكتاب والسنة تنازعته الطرق المضللة والبدع المحدثة، فالأسباب التي أدت إلى ظهور البدع تتلخص في الأمور التالية: الجهل بأحكام الدين، اتباع الهوى، التعصب للآراء والأشخاص، التشبه بالكفار وتقليدهم، ونتناول هذه الأسباب بشيء من التفصيل:
١ - الجهل بأحكام الدين: كلما امتد الزمن وبعد الناس عن آثار الرسالة
_________________
(١) سورة الأنعام الآية ١٥٣
(٢) رواه أحمد وابن حبان والحاكم وغيرهم.
(٣) سورة الأنعام الآية ١٥٣ (٢) ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
[ ٢٣ / ٣٥٥ ]
قل العلم، وفشا الجهل كما أخبر بذلك النبي ﷺ بقوله: «من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا (١)» وقوله: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا (٢)» فلا يقاوم البدع إلا العلم والعلماء، فإذا فقد العلم والعلماء أتيحت الفرصة للبدع أن تظهر وتنتشر ولأهلها أن ينشطوا.
٢ - اتباع الهوى - من أعرض عن الكتاب والسنة اتبع هواه، كما قال تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ (٤)، والبدع إنما هي نسيج الهوى المتبع.
٣ - التعصب للآراء والرجال يحول بين المرء واتباع الدليل ومعرفة الحق، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (٥)، وهذا هو شأن المتعصبين اليوم من بعض أتباع المذاهب والصوفية والقبوريين، إذا دعوا إلى اتباع الكتاب والسنة ونبذ ما هم عليه مما يخالفهما
_________________
(١) من حديث رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
(٢) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (١/ ١٨٠).
(٣) سورة القصص الآية ٥٠
(٤) سورة الجاثية الآية ٢٣
(٥) سورة البقرة الآية ١٧٠
[ ٢٣ / ٣٥٦ ]
احتجوا بمذاهبهم ومشائخهم وآبائهم وأجدادهم.
٤ - التشبه بالكفار هو من أشد ما يوقع في البدع، كما في حديث «أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله ﷺ: الله أكبر، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى:، لتركبن سنن من كان قبلكم (٢)». ففي هذا الحديث أن التشبيه بالكفار هو الذي حمل بني إسرائيل وبعض أصحاب محمد ﵊ أن يطلبوا هذا الطلب القبيح، وهو أن يجعل لهم آلهة يعبدونها ويتبركون بها من دون الله، وهذا هو نفس الواقع اليوم؛ فإن غالب الناس من المسلمين قلدوا الكفار في عمل البدع والشركيات، كأعياد الموالد وإقامة الأيام والأسابيع لأعمال مخصصة، والاحتفال بالمناسبات الدينية والذكريات وإقامة التماثيل والنصب التذكارية وإقامة المآتم وبدع الجنائز والبناء على القبور وغير ذلك.
_________________
(١) رواه الترمذي وصححه.
(٢) سورة الأعراف الآية ١٣٨ (١) ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾
[ ٢٣ / ٣٥٧ ]