كل بدعة في الدين فهي محرمة وضلالة؛ لقوله ﷺ: «وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة (١)»، وقوله ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٢)». وفي رواية: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٣)» فدل الحديث على أن كل محدث في الدين فهو بدعة. وكل بدعة ضلالة مردودة.
ومعنى ذلك أن البدع في العبادات والاعتقادات محرمة، ولكن التحريم يتفاوت بحسب نوعية البدعة، فمنها ما هو كفر صراح؛ كالطواف بالقبور تقربا إلى أصحابها، وتقديم الذبائح والنذور لها، ودعاء أصحابها والاستغاثة بهم.
وكمقالات غلاة الجهمية والمعتزلة، ومنها ما هو من وسائل الشرك؛ كالبناء على القبور والصلاة والدعاء عندها، ومنها ما هو فسق اعتقادي كبدعة الخوارج والقدرية والمرجئة في أقوالهم واعتقادهم المخالفة للأدلة الشرعية، ومنها ما هو معصية كبدعة التبتل والصيام قائما في الشمس، والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع (٤).
_________________
(١) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
(٢) صحيح البخاري الصلح (٢٦٩٧)، صحيح مسلم الأقضية (١٧١٨)، سنن أبو داود السنة (٤٦٠٦)، سنن ابن ماجه المقدمة (١٤)، مسند أحمد بن حنبل (٦/ ٢٥٦).
(٣) صحيح مسلم الأقضية (١٧١٨)، مسند أحمد بن حنبل (٦/ ١٨٠).
(٤) انظر الاعتصام للشاطبي (٢/ ٣٧).
[ ٢٣ / ٣٥١ ]
تنبيه:
من قسم البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة فهو غالط ومخطئ ومخالف لقوله ﷺ: «فإن كل بدعة ضلالة (١)»؛ لأن الرسول ﷺ حكم على البدع كلها بأنها ضلالة، وهذا يقول: ليس كل بدعة ضلالة، بل هناك بدعة حسنة. قال الحافظ ابن رجب في شرح الأربعين: فقوله ﷺ: «كل بدعة ضلالة (٢)» من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله ﷺ: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد (٣)»، فكل من أحدث شيئا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه.
وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة (٤). انتهى.
وليس لهؤلاء حجة على أن هناك بدعة حسنة إلا قول عمر ﵁ في صلاة التراويح: (نعمت البدعة هذه). وقالوا أيضا: إنها أحدثت أشياء لم يستنكرها السلف، مثل جمع القرآن في كتاب واحد. وكتابة الحديث وتدوينه.
والجواب عن ذلك أن هذه الأمور لها أصل في الشرع فليست محدثة - وقول عمر: (نعمت البدعة) يريد البدعة اللغوية لا الشرعية، فما كان له أصل في الشرع يرجع إليه إذا قيل إنه بدعة فهو بدعة لغة لا شرعا؛ لأن البدعة شرعا: ما ليس له أصل في الشرع يرجع إليه. وجمع القرآن في كتاب واحد له أصل في الشرع؛ لأن النبي ﷺ كان يأمر بكتابة القرآن، لكن كان مكتوبا متفرقا فجمعه الصحابة ﵃ في مصحف واحد حفظا له.
_________________
(١) صحيح مسلم الجمعة (٨٦٧)، سنن النسائي صلاة العيدين (١٥٧٨)، سنن ابن ماجه المقدمة (٤٥)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ٣١١)، سنن الدارمي المقدمة (٢٠٦).
(٢) صحيح مسلم الجمعة (٨٦٧)، سنن النسائي صلاة العيدين (١٥٧٨)، سنن ابن ماجه المقدمة (٤٥)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ٣١١)، سنن الدارمي المقدمة (٢٠٦).
(٣) صحيح البخاري الصلح (٢٦٩٧)، صحيح مسلم الأقضية (١٧١٨)، سنن أبو داود السنة (٤٦٠٦)، سنن ابن ماجه المقدمة (١٤)، مسند أحمد بن حنبل (٦/ ٢٥٦).
(٤) جامع العلوم والحكم ص ٢٣٣.
[ ٢٣ / ٣٥٢ ]
والتراويح قد صلاها النبي ﷺ بأصحابه ليالي، وتخلف عنهم في الأخير خشية أن تفرض عليهم، واستمر الصحابة ﵃ يصلونها أوزاعا متفرقين في حياة النبي ﷺ وبعد وفاته إلى أن جمعهم عمر بن الخطاب ﵁ خلف إمام واحد، كما كانوا خلف النبي ﷺ، وليس هذا بدعة في الدين، وكتابة الحديث أيضا لها أصل في الشرع، فقد أمر النبي ﷺ بكتابة بعض الأحاديث لبعض أصحابه لما طلب منه ذلك، وكان المحذور من كتابته بصفة عامة في عهده ﷺ خشية أن يختلط بالقرآن ما ليس منه، فلما توفي ﷺ انتفى هذا المحذور؛ لأن القرآن قد تكامل وضبط قبل وفاته ﷺ، فدون المسلمون السنة بعد ذلك حفظا لها من الضياع، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرا حيث حفظوا كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ من الضياع وعبث العابثين.
[ ٢٣ / ٣٥٣ ]