أحدها: أن الذي أثبت حياته يقول إنه ولد آدم لصلبه وهذا فاسد لوجهين: أحدهما: أن يكون عمره الآن ستة آلاف سنة فيما ذكر في كتاب يوحنا المؤرخ. ومثل هذا بعيد في العادات أن يقع في حق البشر.
الثاني: أنه لو كان ولده لصلبه أو الرابع من ولد ولده كما زعموا وأنه
[ ٢٣ / ٣٠٥ ]
كان وزير ذي القرنين فإن تلك الخلقة ليست على خلقتنا بل مفرط في الطول والعرض.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «خلق الله آدم طوله ستون ذراعا فلم يزل الخلق ينقص بعد (١)»، وما ذكر أحد ممن رأى الخضر أنه رآه على خلقة عظيمة وهو من أقدم الناس.
الوجه الثالث (٢): أنه لو كان الخضر قبل نوح لركب معه في السفينة ولم ينقل هذا أحد.
الوجه الرابع: أنه قد اتفق العلماء أن نوحا لما نزل من السفينة مات من كان معه ثم مات نسلهم ولم يبق غير نسل نوح. والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ (٣) وهذا يبطل قول من قال: إنه كان قبل نوح.
الوجه الخامس: أن هذا لو كان صحيحا أن بشرا من بني آدم يعيش من حين يولد إلى آخر الدهر ومولده قبل نوح: لكان هذا من أعظم الآيات والعجائب، وكان خبره في القرآن مذكورا في غير موضع لأنه من أعظم آيات الربوبية. وقد ذكر الله ﷾ من أحياه ألف سنه إلا خمسين عاما، وجعله آية فكيف بمن أحياه إلى آخر الدهر؟ ولهذا قال بعض أهل العلم ما ألقى هذا بين الناس إلا شيطان.
(وقد تقدم من قول الإمام إبراهيم الحربي).
الوجه السادس: أن القول بحياة الخضر قول على الله بلا علم وذلك حرام بنص القرآن أما المقدمة الثانية: فظاهرة. وأما الأولى: فإن حياته لو كانت ثابتة لدل عليها القرآن
_________________
(١) صحيح البخاري الاستئذان (٦٢٢٧)، صحيح مسلم الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٤١)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ٣١٥).
(٢) جاء في هامش المنار المنيف ص٧٤ سقط من الأصل الوجه الثاني.
(٣) سورة الصافات الآية ٧٧
[ ٢٣ / ٣٠٦ ]
أو السنة أو إجماع الأمة فهذا كتاب الله تعالى فأين حياة الخضر فيه؟ وهذه سنة رسول الله ﷺ فأين فيها ما يدل على ذلك بوجه؟ وهؤلاء علماء الأمة هل أجمعوا على حياته؟.
الوجه السابع: أن غاية ما يتمسك به من ذهب إلى حياته حكايات منقولة يخبر الرجل بها أنه رأى الخضر، فيالله العجب. هل للخضر علامة يعرفها بها من رآه؟ وكثير من هؤلاء يغتر بقوله: أنا الخضر. ومعلوم أنه لا يجوز تصديق قائل ذلك بلا برهان من الله. فأين للرائي أن المخبر له صادق لا يكذب؟.
الوجه الثامن: أن الخضر فارق موسى بن عمران كليم الرحمن ولم يصاحبه وقال له: " ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ (١) فكيف يرضى لنفسه بمفارقته لمثل موسى ثم يجتمع بجهلة العباد الخارجين عن الشريعة الذين لا يحضرون جمعة ولا جماعة ولا مجلس علم ولا يعرفون من الشريعة شيئا؟ وكل منهم يقول: قال الخضر وجاءني الخضر وأوصاني الخضر.
فيا عجبا له: يفارق كليم الله تعالى ويدور على صحبة الجهال ومن لا يعرف كيف يتوضأ ولا كيف يصلي؟.
الوجه التاسع: أن الأمة مجمعة على أن الذي يقول: أنا الخضر لو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: كذا وكذا لم يلتفت إلى قوله ولم يحتج به في الدين. إلا أن يقال: إنه لم يأت إلى رسول الله ﷺ ولا بايعه، أو يقول هذا الجاهل: إنه لم يرسل إليه وفي هذا من الكفر ما فيه.
الوجه العاشر: أنه لو كان حيا لكان جهاده الكفار ورباطه في سبيل الله ومقامه في الصف ساعة، وحضوره الجمعة والجماعة وتعليمه العلم
_________________
(١) سورة الكهف الآية ٧٨
[ ٢٣ / ٣٠٧ ]
أفضل له بكثير من سياحته بين الوحوش في القفار والفلوات وهل هذا إلا من أعظم الطعن عليه والعيب له؟ انتهى كلام ابن الجوزي في المنار المنيف.
[ ٢٣ / ٣٠٨ ]