وردت عدة فتاوى للشيخ محمد رشيد رضا في المنار، كان هدفها التماس مخرج للمسلمين الذين يودعون أموالهم في البنوك في العالم الإسلامي، وأغلبها بنوك أجنبية، وكلها كانت يدا مبسوطة للمستعمر للتحكم الاقتصادي.
[ ٣٥ / ١١١ ]
فافترض الشيخ محمد رشيد أن الربا الذي كانت تمارسه قريش على صورة واحدة، هي صورة (إما أن تقضي وإما أن تربي)؛ حيث يوجد دين ناشئ عن بيع أو قرض إلى أجل، وعند حلول الأجل يطلب الدائن من المدين: إما الوفاء أو زيادة الدين، نظير تمديد الأجل، ثم افترض أن الربا الذي صرحت بتحريمه آيات سورة البقرة مقصود به هذه الصورة فقط من صور الربا.
ولما كانت نصوص الحديث الثابتة صريحة في إدخال صور أخرى، ومنها بيوع ربا الفضل؛ حيث يباع مال ربوي كالذهب والتمر بجنسه نقدا، بزيادة نظير الاختلاف في النوعية مثلا، ومنها بيع ربا النسيئة؛ حيث يباع المال الربوي بمثله نسيئة أي إلى أجل بزيادة نظير الأجل، ومن ضمنها ما يسمى في الوقت الحاضر القرض بفائدة، فافترض أن هذه الصور ورد النهي عنها، لا لأنها مقصودة بالنهي بالذات، وإنما لأنها ذريعة إلى الصورة الخاصة من الربا التي افترض أن القرآن ورد بالنهي عنها على نحو ما سبق.
ثم افترض أن النهي في الصور الأخرى يحتمل الكراهة، لا التحريم، أو أن المراد به خلاف الأولى، وأن الراوي فهم أن المراد التحريم.
وبناء على ما سبق رأى أنه يمكن إخراج القروض البنكية بفائدة من مفهوم الربا المحرم؛ فيجوز للمسلم -ولاسيما في ظروف الفتوى- أن يأخذ فائدة عن أمواله التي يودعها في البنك، واضح أن هذه المحاولة تحصر الربا المحرم في منطقة ضيقة جدا من المفهوم المعروف عند الناس للربا، حيث تتحدد هذه المنطقة بصورة من صور الفوائد التأخيرية الاتفاقية، وهي الصورة التي يتم فيها الاتفاق على الربا، عند حلول أجل الدين؛ فهي تخرج من الربا المحرم بالنص كل صور الفوائد التعويضية، سواء كانت فائدة بسيطة أو فائدة مركبة، وسواء كانت فائدة قليلة أو فائدة فاحشة؛ أي أنها تخرج -فيما عدا الصورة المشار إليها- كل الصور التي تحرمها التشريعات العلمانية الحديثة، بما فيها التقنينات العربية، والتي تعتبرها هذه التشريعات والتقنينات من صميم الربا، وتعاقب عليها كأي جريمة جنائية.
[ ٣٥ / ١١٢ ]
إن أستاذين كبيرين من أساتذة القانون العربي لم يستطيعا أن يقبلا هذه المحاولة، على أساس أنها تقصر التحريم على صورة مزعومة لربا الجاهلية المحرم؛ فحسب تعبير الدكتور عبد الرزاق السنهوري: " غني عن البيان أن القول بأن ربا الفضل وربا النسيئة إنما نهي عنهما في الحديث الشريف نهي كراهة لا نهي تحريم لا يتفق مع ما أجمعت عليه المذاهب "، " الذي انعقد عليه الإجماع أن كل ذلك ربا محرم، لا ربا مكروه فحسب ".
وحسب تعبير الدكتور زكي الدين بدوي: (قول الشيخ محمد رشيد إن النهي عن بيع الأصناف الواردة في الحديث كان تورعا، لإفادة أن بيعها خلاف الأولى، أو كان للكراهية فقط لا للتحريم فدعوى تتعارض مع ظواهر نصوص الأحاديث، والمأثور عن الصحابة؛ فظاهر الأحاديث يفيد التحريم؛ إذ يطلق على هذه البيوع لفظ ربا، ومعلوم إثمه، وما خص به من شديد الوعيد) " دلالة الأحاديث عليها لا تختلف فيها الإفهام ".
ويضاف إلى اعتراضات الأستاذين المشار إليهما ما يأتي.
١ - لو فرض أن لفظ (الربا) في آيات سورة البقرة (مجملة) فإن القاعدة الأصولية أنه يرجع في تبيين المجمل في القرآن إلى نصوص القرآن، وإلى صحيح السنة النبوية؛ فآية سورة النساء تبين أن مفهوم هذه اللفظة (الربا) الذي اعتاد اليهود على ممارسته، وهو إقراض النقود لأجل بفائدة، وثبوت هذا لا ينازع فيه إلا مكابر، كما أن الأحاديث الثابتة ثبوتا قطعيا، والصريحة في دلالتها لا تجعل مجالا للشك في دخول القرض لأجل بفائدة في مفهوم الربا.
٢ - أن الربا بهذا المفهوم هو المعروف عند الناس، عند نزول الوحي، فلا يجوز صرف معناه عن هذا المفهوم إلا بدليل، ولم تقدم المحاولة دليلا قويا أو ضعيفا ثابتا أو غير ثابت على ذلك.
٣ - أن صرف اللفظ إلى هذا المفهوم الضيق يخرج ربا النسيئة عن مفهوم الربا المحرم، وهذا مخالف لإجماع الأمة، من عصر الرسول صلى الله
[ ٣٥ / ١١٣ ]
عليه وسلم، حتى عصر الشيخ محمد رشيد؛ إذ لم يوجد فضلا عن أن ينقل خلاف في تحريم ربا النسيئة ولا سيما ربا النسيئة في الأثمان - القرض لأجل بفائدة.
٤ - تمييز الشيخ محمد رشيد بين الصور الخاصة من الربا التي قصر عليها التحريم بأنها منهي عنها لذاتها، وصور ربا النسيئة الأخرى بأنها منهي عنها لغيرها؛ أي لكونها ذريعة إلى الصورة الأولى تمييز تحكمي لا دليل عليه.
٥ - يكفي في وضوح أن الافتراض الذي أسست عليه المحاولة هو تصور وهمي لا حقيقة له معرفة أن هذا الافتراض يقضي بأن الإسلام يجيز عددا من صور ربا النسيئة التي استقر في الضمير الإنساني كراهيتها، واعتبارها سلوكا غير أخلاقي، بل إن التشريعات العلمانية تحرمها وتجرمها وتعاقب عليها.
[ ٣٥ / ١١٤ ]