صفحة فارغة
[ ٣٥ / ٦ ]
الافتتاحية
واجب المسلمين
تجاه دينهم ودنياهم
سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (٣) ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٤). أما بعد:
فأسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن يوفقنا جميعا لما يرضيه، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا جميعا، وأشكره سبحانه على ما من به من العمل في سبيل الله. وفي طاعته جل وعلا، والتواصي بالحق، وأسأله جل وعلا أن يعيننا جميعا على ما فيه رضاه، ويعيذنا جميعا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. أما عن الفتاوى واستنباطها من كتاب الله؟ ومن سنة رسول الله ﷺ، فأقول: إن هذا هو الواجب على أهل العلم، وهو الذي نفعله
_________________
(١) سورة آل عمران الآية ١٠٢
(٢) سورة النساء الآية ١
(٣) سورة الأحزاب الآية ٧٠
(٤) سورة الأحزاب الآية ٧١
[ ٣٥ / ٧ ]
ونهدف إليه، ونحرص على تطبيق فتاوانا عليه، ولكنني لست معصوما، فقد يقع الخطأ مني، ومن غيري من أهل العلم، ولكني لا آلو جهدا في تطبيق ما يصدر مني على كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ، ولا آلو جهدا في استنباط ما دل عليه كتاب الله. وسنة رسوله ﷺ في كل ما يصدر مني، من قليل أو كثير. هذا هو جهدي، وأسأل الله أن يجعل ذلك موفقا ومصيبا للحق.
وأما ما يتعلق بسؤال أهل العلم، والاستفتاء منهم، فهذا أمر معلوم قد شرعه الله لعباده فإن الله جل وعلا أمر بسؤال أهل العلم، وأسأل الله أن يجعلنا وسائر إخواننا من أهل العلم النافع، والعمل الصالح. فقال سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) وروي عنه ﷺ أنه قال في قوم أفتوا بغير علم: «ألا سألوا إذ لم يعلموا إنما شفاء العي السؤال (٢)». فالواجب على طالب العلم، وعلى كل مسلم أشكل عليه أمر من أمور دينه أن يسأل عنه، ذوي الاختصاص من أهل العلم، وأن يتبصر، وأن لا يقدم على أي عمل بجهل يقوده إلى الضلال. فعلى المسلمين أن يسألوا، وعلى أهل العلم أن يبينوا. فالعلماء هم ورثة الأنبياء، وهم خلفاء الرسل في بيان الحق، والدعوة إليه، والإفتاء به. وعلى جميع المسلمين أن يسألوا عما أشكل عليهم. وأن يستفتوا أهل العلم.
وأهل العلم هم علماء الكتاب والسنة، وهم الذين يرجعون في فتاواهم إلى كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ. هؤلاء هم أهل العلم وليس أهل العلم من يقلد الرجال ولا يبالي بالكتاب والسنة، إنما العلماء هم الذين يعظمون كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ، ويرجعون إليهما في كل شيء، هؤلاء هم أهل العلم.
وعلى طالب العلم أن يتأسى بهم، ويجتهد في سلوك طريقهم، وعلى عامة المسلمين أن يسألوهم عما أشكل عليهم في أمر دينهم ودنياهم، لأن الله جل وعلا بعث الرسل لإصلاح أمر الدين والدنيا جميعا، ولا سيما خاتمهم
_________________
(١) سورة الأنبياء الآية ٧
(٢) سنن أبو داود الطهارة (٣٣٦).
[ ٣٥ / ٨ ]
وإمامهم، وأفضلهم نبينا محمد ﷺ، فإن الله بعثه للناس عامة للجن والإنس، وجعل رسالته عامة، وفيها صلاح أمر الدنيا والآخرة، وفيها صلاح العباد والبلاد في كل شيء، فيها خلاصهم من كل شر، وفيها صلاحهم فيما يتعلق بدنياهم، وأمر معاشهم، وفيها صلاحهم فيما يتعلق بطاعة ربهم وعبادته، وأداء حقه، وترك ما نهى عنه، وفيها صلاحهم في كل ما يقربهم من الله، ويباعدهم من غضبه، ﷾، وفيها صلاحهم بتوجيه العباد وإرشادهم إلى ما ينفعهم، ويهديهم إلى الطريق السوي، ويبعدهم عن طريق النار، وطريق الهلاك والدمار. فالمسلمون عليهم واجبات تتعلق بدينهم، وبالاستقامة عليه كما شرع الله، وكما أمرهم الله. فإن الله خلقهم ليعبدوه، وأرسل الرسل بذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) وهذه هي العبادة التي أمرهم الله بها، في قوله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢). وفي قوله سبحانه وبحمده: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (٣) وفي قوله ﷿: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٤)، وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٥) وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٦).
والله بعث رسوله محمدا ﷺ، كما بعث الرسل قبله، بعثه بالدعوة إلى هذه العبادة، وللدعوة إلى هذا الدين، بعثه إلى الثقلين الجن والإنس رحمة
_________________
(١) سورة الذاريات الآية ٥٦
(٢) سورة البقرة الآية ٢١
(٣) سورة النساء الآية ٣٦
(٤) سورة البينة الآية ٥
(٥) سورة النحل الآية ٣٦
(٦) سورة الأنبياء الآية ٢٥
[ ٣٥ / ٩ ]
للعالمين، كما قال سبحانه وبحمده: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١)، بعثه معلما ومرشدا وهاديا إلى طريق النجاة، معلما لهم كل ما فيه صلاحهم ونجاتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، وجعله خاتم الأنبياء. ليس بعده نبي ولا رسول، ومن ادعى النبوة بعده فهو كاذب كافر، بإجماع أهل العلم والإيمان، فمن ادعى أنه نبي أو أنه أوحي إليه بشيء كالقاديانية فهو كافر بالله، ضال مضل، مرتد عن دين الإسلام، إذا كان يدعي الإسلام، فهو ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين، كما قال جل وعلا: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٢).
وقد تواترت عنه ﵊ الأحاديث الصحيحة، بأنه خاتم الأنبياء، لا نبي بعده، فالواجب على جميع الثقلين اتباعه، والاستقامة على دينه، والتفقه في ذلك، والسير على ذلك حتى الموت، وهذه العبادة التي خلقوا لها، لا بد أن يتفقهوا فيها، ولا بد أن يعرفوها بالأدلة من الكتاب والسنة، فهم خلقوا ليعبدوا الله، وتفسير هذه العبادة يؤخذ عن الله، وعن رسوله ﷺ.
وقد فسرها الله في كتابه العظيم، وفسرها نبينا ﵊، فأصلها توحيد الله والإخلاص له، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٣).
هذا أصل هذه العبادة، فأصلها توحيد الله وتخصيصه بالعبادة قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٤) وبهذا أنزلت الكتب جميعها من الله ﷾، لبيان هذه العبادة، كما قال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (٥) ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ (٦).
_________________
(١) سورة الأنبياء الآية ١٠٧
(٢) سورة الأحزاب الآية ٤٠
(٣) سورة البينة الآية ٥
(٤) سورة الأنبياء الآية ٢٥
(٥) سورة هود الآية ١
(٦) سورة هود الآية ٢
[ ٣٥ / ١٠ ]
فالكتب المنزلة من السماء، وآخرها القرآن، كلها تدعو إلى توحيد الله والإخلاص له، وطاعة أوامره، وترك نواهيه.
والرسل كلهم جميعا كذلك يدعون إلى توحيد الله وطاعة أوامره، وترك نواهيه، واتباع شريعته والحذر مما نهى عنه ﷾.
فعلى جميع المكلفين من إنس وجن، وعرب وعجم، ورجال ونساء، عليهم جميعا أن يعبدوا الله وحده وأن ينقادوا لما جاء به نبيه محمد ﷺ، قولا وعملا، فعلا وتركا. فأصل الدين وأساسه هو شهادة أن لا إله ألا الله. وأن محمدا رسول الله.
وهذا هو أصل هذه العبادة وأساسها، أن يعبد الله وحده. دون كل ما سواه: بالدعاء والرجاء والخوف، والنذر والذبح، وسائر العبادات، كما قال ﷾: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢)، وقال ﷿: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٥)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (٦) ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٧).
فالعبادة حق الله لا تصلح لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، ولا لصنم ولا لجن ولا لوثن، ولا غير ذلك، بل هو حق الله عليك أن تعبده وحده بدعائك ورجائك، وخوفك وذبحك ونذرك وصلاتك، وصومك وحجك وصدقاتك، وغير ذلك، لأنه سبحانه هو المعبود بالحق، وما سواه معبود
_________________
(١) سورة الإسراء الآية ٢٣
(٢) سورة الفاتحة الآية ٥
(٣) سورة البينة الآية ٥
(٤) سورة الأنعام الآية ١٦٢
(٥) سورة الأنعام الآية ١٦٣
(٦) سورة الكوثر الآية ١
(٧) سورة الكوثر الآية ٢
[ ٣٥ / ١١ ]
بالباطل، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (١) وكان العرب وغيرهم من الأمم، إلا من رحم الله، وهم قليل حين بعث محمد ﷺ، كانوا على الشرك بالله، منهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الأنبياء. ومنهم من يعبد الأصنام المنحوتة على صورة فلان وفلان، ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار، ومنهم من يعبد القبور، ومنهم من يعبد النجوم، ويستغيث بها، وينذر لها إلى غير ذلك.
فبعث الله هذا النبي العظيم، ﷺ، يدعوهم إلى توحيد الله، وينذرهم من هذا الشرك الوخيم، فقام بذلك أكمل قيام ﵊. ودعا إلى الله وأرشد إلى دينه جل وعلا، الذي رضيه للناس، وعلم الناس توحيد الله.
_________________
(١) سورة الحج الآية ٦٢
[ ٣٥ / ١٢ ]