بما أنه قد تبين لنا أنه قد وقعت أخطاء في كتاب المفتاح نتيجة الخلل في ترقيم الموطأ فلا يبعد أن يطرأ هذا الخلل في ترقيم أحاديث مسلم أيضا لأن الذي رقم أحاديث الكتابين رجل واحد وهو صاحب كتاب مفتاح كنوز السنة مما يحدو بنا إلى تتبع هذا الأمر وإعادة النظر في ترقيمه لأحاديث صحيح مسلم، وقد قمت بتتبع نماذج من ترقيمه لأحاديث الكتاب من خلال ٤٠ صفحة من الكتاب فتبين الاضطراب في ترقيمه أيضا.
وقبل أن أذكر الأدلة على ذلك أحب أن أقدم تعريفا موجزا عن منهج الإمام مسلم في صحيحه من حيث سرده لأحاديث الكتاب فقط.
ومسلكه في ذلك أنه يحشر في كل باب أحاديثه من طرق متعددة، لذلك قد ينفرد بعض الطرق بزيادة لا توجد في الطريق الأولى، وقد يوجد نقص في طريق آخر عن الطريق الأول، وقد يسرد أحيانا إسنادا متابعا لطريق قبله ومتنه مثله سواء بسواء.
أما موقف صاحب المفتاح من ترقيم أحاديث الكتاب فإنه يرقم الحديث
[ ٣٤ / ٢٩٠ ]
الأول في الباب غالبا فإذا جاء بعده طريق فيه زيادة فإنه يرقمه أحيانا ويهمله أخرى، والأصل أن يرقمه ولا يهمله.
وإذا ورد إسناد في متنه نقص رقمه أحيانا وأهمل الطريق ذات الزيادة، والأصل عكس ذلك. وإذا ورد إسناد متابع لما قبله دون زيادة أو نقص رقمه أحيانا وأهمله أخرى، والأصل عدم ترقيمه.
وأحيانا يرقم حديثا واحدا عن صحابي واحد اختلف الطريق إليه فرقم الطريقين والأصل الاكتفاء برقم واحد.
وهذا اضطراب واضح، والمعلوم أن كل حديث مرقم فمعنى ذلك أنه سوف يخرجه في المفتاح والمعجم.
أما الأدلة على هذا الاضطراب فهي كالتالي:
١ - صفحة (٧٦) كتاب الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي ونفيه عن المتلبس بالمعصية، رقم ما لا يحتاج إلى ترقيم حيث رقم طريقا جاءت بنقص عن الطريق الأولى، انظر رقم ١٠٠ مقارنا مع ١٠١ و١٠٢، و١٠٣، ثم جاء إلى زيادات جيدة من طرق أخرى بعد ١٠٣ فلم يرقمها، ثم جاء إلى رواية بعدها فيها زيادة يسيرة جدا فرقمها بـ ١٠٤ ثم جاء إلى رواية بعدها هي مجرد مغايرة في الطريق فرقمها بـ ١٠٥.
٢ - صفحة (٧٩) كتاب الإيمان، باب بيان حال إيمان من قال لأخيه المسلم: يا كافر. هذا الباب ضم أثرين فقط وكلاهما عن ابن عمر لكن الطريق إليه مختلف وكذا الألفاظ.
ولفظ الطريق الأول: إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما.
ولفظ الطريق الثاني: أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه.
[ ٣٤ / ٢٩١ ]
فرقم الطريق الأول وأهمل الثاني، ولو عكس لكان أولى.
٣ - صفحة (٨٤) كتاب الإيمان، باب بيان كفر من قال: مطرنا بالنوء. بعد حديث ١٢٦ أهمل زيادة أوردها مسلم من طريق آخر وهي زيادة لا بأس بها.
٤ - صفحة (١٠٠) كتاب الإيمان، باب تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية.
رقم بـ ١٦٦ طرقا متغايرة دون زيادة أو نقص في متونها بل هي مذكورة دون ذكر متونها.
٥ - صفحة (١٠١) كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم النميمة رقم بـ ١٦٩ - ١٧٠ حديثا ورد من حديث حذيفة بن اليمان لكن اختلف الطريق إليه ولفظ الطريقين واحد سواء بسواء.
٦ - صفحة (١٠٤) كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه. . أهمل مغايرات في الطرق فقط وهذا هو الأصل ورقم زيادة جيدة بـ ١٧٦ وهو الأصل، ثم أهمل بعد ١٧٦ زيادة جيدة.
٧ - صفحة (١١٠) كتاب الإيمان، باب مخافة المؤمن أن يحبط عمله رقم بـ ١٨٨ وهو مجرد مغايرات في الطرق.
٨ - صفحة (١١١) كتاب الإيمان، باب هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية. رقم بـ ١٩١ إسنادا متابعا لما قبله دون زيادة أو نقص وإنما مجرد طريق فقط.
٩ - صفحة (١١٤) كتاب الإيمان، باب حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده بعد رقم ١٩٥ أهمل زيادة في الحديث وردت من طريق آخر.
١٠ - صفحة (١١٦) كتاب الإيمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس. . رقم بـ ٢٠٢ طريقا لم يأت بزيادة أو نقص وإنما تقديم وتأخير يسير
[ ٣٤ / ٢٩٢ ]
ثم لم يرقم المغايرات في الطرق بعده على الأصل.
فهذه الأمثلة القليلة تعطينا صورة مصغرة عن الاضطراب في الترقيم في صحيح مسلم وما ندري ما الذي قصده صاحب المفتاح من ترقيمه هذا؟ هل هو الإحالة إلى متون الكتاب وأسانيده جميعا؟ أم إلى أصل الأحاديث فقط؟ وما هي القاعدة التي مشى عليها في أحد الأمرين؟ ثم إن كان قد قصد تخريج جميع متون وأسانيد الكتاب فلماذا رقم البعض وأهمل البعض الآخر من المتون والأسانيد؟
وإن كان قصد تخريج الأصول فقط فلا حاجة أصلا إلى ترقيم الأسانيد المتعددة والألفاظ المختلفة!
بعد هذا أحب أن أنبه إلى أن عد الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي لأحاديث صحيح مسلم غير المكرر منها فيه نظر، إذ أنه بلغ بها إلى ٣٠٣٣ حديثا، علما أن الإمام النووي الفقيه والمحدث ومن كبار علماء سلفنا الصالح وأئمتهم وهو الذي شرح صحيح مسلم وبوبه قد بلغ بأحاديث صحيح مسلم غير المكرر منها أيضا بلغ بها نحوا من ٤٠٠٠ حديث صرح بذلك في التقريب، نعم هناك تفاوت بين العلماء في أسلوب عد الأحاديث ولكن أيهما يقدم هنا في معرفة ذلك الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي أم الإمام النووي علما أن عدهما لأحاديث مسلم بغير المكرر منها؟
[ ٣٤ / ٢٩٣ ]