ومما يبشر بالخير أن في كل مكان بحمد الله، يقظة عظيمة، وصحوة ظاهرة، ورغبة في التعلم والتفقه في الدين، في هذه البلاد وفي أوروبا وفي
[ ٣٥ / ٢٧ ]
أمريكا وفي آسيا وفي أفريقيا. ففي كل بحمد الله حركة إسلامية، أو نشاط إسلامي، نسأل الله أن يسدد رأيهم، وأن يعينهم على كل خير، ونسأل الله أن يصلح القائمين على كل نشاط إسلامي، كما نسأله تعالى أن يمنحهم القادة الصالحين، والعلماء الموفقين، حتى يقودوا هذه الحركات الطيبة إلى الهدى وإلى الأمام، على الوجه الذي يرضي الله ﷾.
وعلى كل منا أن يعتني بهذا الأمر، ويساهم فيه بقدر طاقته في تعليم الناس وتوجيههم إلى الخير بالرفق والحكمة والأسلوب الحسن والإخلاص لله ﷾، وعلى كل منا أن ينصح لله ولعباده عملا بقول النبي ﷺ: «الدين النصيحة. قيل لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم (١)» رواه مسلم في صحيحه.
فكل واحد منا من الرجال والنساء عليه النصيحة لله، ولعباده، ومن النصيحة لله وللعباد تعليم الجاهل، وإرشاد الضال، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، بالحكمة والكلام الطيب، والأسلوب الحسن، لا بالعنف والشدة، إلا من ظلم كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٢).
والظالم المعتدي له شأن آخر من جهة ولاة الأمور، لكن أنت أيها الناصح تدعو إلى الله بالتي هي أحسن، فتعلم وتوجه، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، بالحكمة والكلام الطيب، وبالأسلوب الحسن، عملا بالآية السابقة، وبقوله ﷿: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣) وقوله ﷿: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٤) الآية.
_________________
(١) صحيح مسلم الإيمان (٥٥)، سنن النسائي البيعة (٤١٩٧)، سنن أبو داود الأدب (٤٩٤٤)، مسند أحمد بن حنبل (٤/ ١٠٢).
(٢) سورة العنكبوت الآية ٤٦
(٣) سورة النحل الآية ١٢٥
(٤) سورة آل عمران الآية ١٥٩
[ ٣٥ / ٢٨ ]
ومن النصيحة لله ولعباده الدعاء لولاة أمور المسلمين، وحكامهم بالتوفيق والهداية والصلاح في النية والعمل، وأن يمنحهم الله البطانة الصالحة، التي تعينهم على الخير، وتذكرهم به.
وهذا حق على كل مسلم في كل مكان، في هذه البلاد وفي غيرها، الدعوة لولاة الأمر بالتوفيق والهداية، وحسن الاستقامة، وصلاح البطانة، وأن يعينهم الله على كل خير، وأن يسدد خطاهم ويمنحهم التوفيق لما فيه صلاح العباد والبلاد.
فكل مسلم يدعو لولاة أمور المسلمين بأن يصلحهم الله وأن يردهم للصواب، وأن يهديهم. لما يرضيه سبحانه هكذا يجب عليك يا عبد الله أن تدعو لولاة الأمور، بأن يهديهم الله ويردهم للصواب، إذا كانوا على غير الهدى، تدعو الله لهم بالهداية والصلاح، حتى يستقيموا على أمر الله، وحتى يحكموا شريعة الله ففي تحكيم شريعة الله صلاح الجميع في كل مكان، وفي تحكيم شريعة الله، واتباع كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ، صلاح الدنيا والآخرة، لأن الله إذا عرف من عبده نية صالحة وعزيمة صادقة، سدد رأيه وأعانه على كل عمل يرضيه، في أي مكان لأن في اتباع الشريعة، وتعظيم أمر الله ورسوله صلاح أمر الدنيا والآخرة.
فكل مسلم في دولته عليه أن يسأل الله لها التوفيق والهداية، وينصح لها، ويعينها على الخير، ويسأل الله لها التوفيق والسداد، ولا يسأم ولا يضعف عليه أن يستعمل الحكمة والأسلوب الحسن، والكلام الطيب، لعل الله يجعله مباركا في دعوته ونصيحته، فيكون سببا لهداية من أراد الله له الهداية، من أمير أو حاكم أو غيرهما، ممن له شأن في الأمة، لأن هداية المسئول وهداية من له شأن في الأمة، ينفع الله بها العباد والبلاد ويقتدي به الكثير من الأمة، يقول النبي ﷺ: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله (١)». وصح عنه ﷺ أنه قال لعلي ﵁ لما بعثه إلى خيبر لدعوة اليهود: «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم (٢)». .
_________________
(١) صحيح مسلم الإمارة (١٨٩٣)، سنن الترمذي العلم (٢٦٧١)، سنن أبو داود الأدب (٥١٢٩)، مسند أحمد بن حنبل (٤/ ١٢٠).
(٢) صحيح البخاري المغازي (٤٢١٠)، صحيح مسلم فضائل الصحابة (٢٤٠٦)، سنن أبو داود العلم (٣٦٦١)، مسند أحمد بن حنبل (٥/ ٣٣٣).
[ ٣٥ / ٢٩ ]
وهذه نعمة عظيمة، لا تتم إلا بالصدق والإخلاص والصبر، والحذر من الأسلوب الشديد العنيف، الذي ينفر الناس من الحق، ويسبب الفتن والشرور، بل على الداعي إلى الله، والناصح لدين الله أن يتحرى الأساليب المناسبة التي تعين على قبول الحق، وعلى الرضا به وتنفيذه، وعلى المسلم أيضا أن يجتهد فيما يصلح دنياه، كما يجتهد في صلاح دينه، وصلاح أهل بيته، فأهل البيت لهم حق عليك كبير، بأن تجتهد في إصلاحهم وتوجيههم إلى الخير، لقول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (١).
فعليك أن تجتهد في إصلاح أهل بيتك، وهم زوجتك وأولادك الذكور والإناث، وإخوانك فجميع أهل البيت تجتهد في تعليمهم وتوجيههم وإرشادهم وتحذيرهم مما حرم الله، لأنك مسئول عنهم لقول النبي ﷺ: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته (٢)» فالإمام راع ومسئول عن رعيته، الرجل راع في أهل بيته ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته ثم قال ﷺ: «ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته (٣)».
فعلينا أن نجتهد في صلاحهم، من جهة الإخلاص لله في جميع الأعمال، والصدق في متابعة رسول الله ﷺ، والإيمان به، ومن جهة الصلاة وغيرها مما أمر الله به سبحانه، ومن جهة البعد عن محارم الله.
فعلى كل واحد من الرجال والنساء النصح في أداء ما يجب عليه، المرأة عليها أن تجتهد. والرجل كذلك، إذ صلاح البيوت من أهم الأمور، قال الله لنبيه محمد ﷺ: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (٤) وقال سبحانه عن نبيه إسماعيل: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ (٥) ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ (٦).
_________________
(١) سورة التحريم الآية ٦
(٢) صحيح البخاري الجمعة (٨٩٣)، صحيح مسلم الإمارة (١٨٢٩)، سنن الترمذي الجهاد (١٧٠٥)، سنن أبو داود الخراج والإمارة والفيء (٢٩٢٨)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ١٢١).
(٣) صحيح البخاري في الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس (٢٤٠٩)، صحيح مسلم الإمارة (١٨٢٩)، سنن الترمذي الجهاد (١٧٠٥)، سنن أبو داود الخراج والإمارة والفيء (٢٩٢٨)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ١٢١).
(٤) سورة طه الآية ١٣٢
(٥) سورة مريم الآية ٥٤
(٦) سورة مريم الآية ٥٥
[ ٣٥ / ٣٠ ]
فينبغي التأسي بالأنبياء والأخيار، والعناية بأهل البيت، لا تغفل عنهم يا عبد الله، من زوجة أو أم، أو أب أو جد، أو جدة أو إخوة، أو أولاد. عليك أن تجتهد في صلاحهم، وأن تأمر بنيك وبناتك بالصلاة لسبع، وتضربهم عليها لعشر ضربا خفيفا يعينهم على طاعة الله، ويعودهم أداء الصلاة في وقتها حتى يستقيموا على دين الله ويعرفوا الحق كما صحت بذلك السنة عن رسول الله ﷺ.
فكل واحد منا عليه ذلك الدور، وكل امرأة عليها ذلك، فعلى المرأة والرجل جميعا التعاون على البر والتقوى في صلاح البيوت، وتحذير الأولاد مما يضرهم، فيعلمون ما أوجب الله عليهم ذكورا وإناثا، وينهون عما حرم الله عليهم، كالتخلف عن الصلوات، وشرب المسكر، وتعاطي المخدرات والتدخين، وحلق اللحى أو تقصيرها، وإسبال الثياب، والنميمة والغيبة، وسماع الأغاني والملاهي، وغير ذلك من المعاصي.
هذا مما يجب عليك نحو ولدك وأختك، وغيرهما من أهل البيت.
فالتعاون واجب على البر والتقوى، لأن الله يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (١).
ويقول سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٢) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٣) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٤).
هؤلاء الرابحون من الرجال والنساء في سابق الزمان، وفي الزمان الحاضر، وفيما يأتي من الزمان، وهم الذين آمنوا بالله ورسوله إيمانا صادقا، ثم نفذوا الإيمان وحققوه بالأعمال الصالحة، بفعل ما أوجب الله، وترك ما حرم الله، ثم تواصوا بالحق، فدعوا إلى الله، وعلموا الناس وأرشدوهم وتواصوا بالصبر.
هؤلاء هم الناجون، وهم الرابحون وهم السعداء في الدنيا والآخرة،
_________________
(١) سورة المائدة الآية ٢
(٢) سورة العصر الآية ١
(٣) سورة العصر الآية ٢
(٤) سورة العصر الآية ٣
[ ٣٥ / ٣١ ]
وهكذا قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (١)، يعني أنهم أحبة فيما بينهم، لا يغتاب بعضهم بعضا، ولا ينم بعضهم على بعض، ولا يخونه في الأمانة، ولا يؤذيه ولا يظلمه، ولا يشهد عليه بالزور، إلى غير ذلك من الأعمال والأقوال، التي تنافي الولاية والمحبة.
فهم إخوة أحباب. متعاونون على كل خير ثم قال سبحانه وبحمده: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٢)، والمعنى أنهم لا يسكتون عن إنكار المنكر، ولا يداهنون بل كل منهم يأمر أخاه بالمعروف، وينهاه عن المنكر، بالكلام الطيب والأسلوب الحسن، ثم قال سبحانه: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٣).
هكذا المؤمنون الصادقون والمؤمنات الصادقات، هذا شأنهم، يستقيمون على دين الله، ويتباعدون عن محارم الله، ويقفون عند حدود الله، ويرشدون الناس إلى الخير، وينصحونهم بعبارات حسنة، وأسلوب جيد، مع الإخلاص لله، والصبر والمصابرة.
وهكذا المؤمن يسعى في أمور دنياه، لا يكون كلا على الناس، يكتسب الكسب الحلال، ويبيع ويشتري، ويفعل كل ما يصلح أمر دنياه، فيتخذ المزرعة، كما كان الأنصار ﵃، ويبيع ويشتري كما كان المهاجرون ﵃، لا يكون عالة على الآخرين يسألهم ويشق عليهم، بل يجتهد في أن يغنيه الله عن الناس يتعاطى الأسباب المشروعة، والكسب الحلال، ويجتهد في طلب الرزق بالطرق المباحة والشرعية، من بيع وشراء، وزراعة وحرفة أخرى مباحة، كالحدادة والنجارة والخرازة والخياطة، أو يشتغل عند الناس في مزارعهم وفي بنائهم، وفي غير ذلك من الأعمال المباحة، فيستخدم هذا الجسم الذي أنعم الله عليه به في طاعة الله ورسوله، وفي كسب الحلال الذي يغنيه الله به عن الناس، ويشرع له أن يتعاطى الأدوية المباحة، التي يعينه الله بها على بقاء صحته وسلامة جوارحه.
_________________
(١) سورة التوبة الآية ٧١
(٢) سورة التوبة الآية ٧١
(٣) سورة التوبة الآية ٧١
[ ٣٥ / ٣٢ ]