مكث ﷺ في مكة ثلاث عشرة سنة، يدعو فيها إلى توحيد الله والإخلاص لله، وترك عبادة ما سواه جل وعلا.
ويعد مضي عشر سنين فرض الله عليه الصلوات الخمس، قبل أن يهاجر أسري به إلى بيت المقدس ثم عرج به إلى السماء، وتجاوز السماوات السبع جميعا، ورفع إلى مستوى فوق ذلك ﵊، وكلمه الله جل وعلا، وأوحى إليه الصلوات الخمس، فنزل بها ﵊، وعلمها الناس، وقام بها المسلمون في مكة، ثم هاجر ﵊ إلى المدينة وفرض الله عليه بقية أمور الدين من زكاة وصيام وحج وغير ذلك.
فالواجب على جميع المكلفين من الجن والإنس، والعرب والعجم، والذكور والإناث، والحكام والمحكومين، والأغنياء والفقراء، الواجب عليهم جميعا في وقته، وبعد وقته، وفي وقتنا هذا وإلى يوم القيامة، الواجب على
[ ٣٥ / ١٢ ]
الجميع أن يعبدوا الله وحده، وأن ينقادوا لشرعه، وأن يتبعوا ما جاء به نبيه محمد ﷺ، قولا وعملا، وعقيدة.
هذا واجب الجميع نحو دينهم، يجب عليهم أن يعبدوا الله ويطيعوا أوامره ويتركوا نواهيه، فالعبادة هي طاعة الأوامر إخلاصا لله ومحبة له وتعظيما له، من صلاة وزكاة وحج، وبر بالوالدين، وصلة للرحم، وجهاد في سبيل الله بالنفس والمال، وصدق في الحديث، وغير هذا مع ترك كل ما حرم الله من الشرك بالله، وهو أعظم الذنوب، فالشرك الذي هو صرف العبادة، أو بعضها لغير الله أعظم الذنوب، وهو الشرك الأكبر: كدعاء الملائكة أو الأنبياء، أو الجن أو أصحاب القبور فيستغيث بهم " أو ينذر لهم، أو يذبح لهم، وهذا ينافي قول لا إله إلا الله. فإن قول لا إله إلا الله، معناها لا معبود بحق إلا الله، وهي كلمة التوحيد، وهي أصل الدين وأساس الملة، فدعاء الأموات والأصنام وغيرهم. والاستغاثة بهم، والنذر لهم ينقض هذه الكلمة وينافيها. وهو الشرك الأكبر، والذي يأتي الأموات ويدعوهم، ويستغيث بهم، وينذر لهم أو يسألهم النصر على الأعداء، أو شفاء المرضى، أو يدعو الملائكة أو الرسل، أو يدعو الجن ويستغيث بهم، أو ينذر لهم ويذبح لهم، كل هذا من الشرك بالله، وكل هذا يناقض قول: لا إله إلا الله، ويخالف قوله سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١) ويناقض قوله سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٢).
وبهذا يعلم كل مسلم أن ما يفعله بعض الجهال عند بعض القبور، فيأتي إلى القبر، ويقول يا سيدي فلان اشف مرضي، أو انصرني على عدوي، أو أنت تعلم ما نحن فيه انصرنا، أو ما أشبه ذلك.
_________________
(١) سورة الفاتحة الآية ٥
(٢) سورة البينة الآية ٥
[ ٣٥ / ١٣ ]
هذا من الشرك الأكبر، وهذا هو دين الجاهلية، نسأل الله السلامة والعافية.
ولا بد أيضا مع توحيد الله، والإخلاص له، والحذر من الكفر به، لا بد من الشهادة بأن محمدا رسول الله. هاتان الشهادتان هما أصل الدين، وأساس الملة. فعلى كل مكلف أن يؤمن بأن محمدا رسول الله، هو عبده ورسوله إلى الثقلين الإنس والجن، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي العربي المكي ثم المدني، أرسله الله حقا إلى جميع الثقلين يجب الإيمان به بالقلب واللسان والعمل، فيؤمن المكلف بأن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي، هو رسول الله حقا إلى جميع الناس، وهو خاتم الأنبياء، إيمانا صادقا، لا نفاق فيه، ويحققه بالعمل بطاعة الأوامر، وترك النواهي، بطاعة أوامر الله من صلاة وزكاة، وصوم وحج وغير ذلك، وترك محارم الله من الشرك بالله، والزنا والسرقة، وشرب المسكرات، وعقوق الوالدين، وقطيعة الرحم وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، إلى غير ذلك مما حرم الله، تحقق هاتين الشهادتين يا عبد الله، بطاعة الأوامر، وترك النواهي هذا حق الله عليك أيها العبد، أما حق الرسول عليك، فعليك أن تعبد الله وحده بطاعة الأوامر، وترك النواهي والإيمان بأنه ربك، وإلهك الحق، وأنه إله الجميع، وأنه سبحانه خالق الكون. ومصرف أحوال الجميع، وأنه ذو الأسماء الحسنى، والصفات العلا، كل هذا داخل في الإيمان بالله وحده، فهو سبحانه رب الجميع وخالقهم ومصرف أحوال العباد فهو سبحانه: الخلاق الرزاق مدبر الأمور، مصرف الأشياء، ليس للعباد خالق سواه، ولا مدبر سواه، فهو النافع الضار، المانع المعطي، الخالق لكل شيء، القادر على كل شيء، الرزاق للعباد، بيده تصريف الأمور كلها، ﷾.
وهذا يسمى توحيد الربوبية، وهو وحده لا يدخل في الإسلام، بل لا بد مع ذلك من الإيمان بأنه هو المستحق للعبادة، فلا يستحقها سواه، وهذا هو
[ ٣٥ / ١٤ ]
معنى لا اله إلا الله. أي لا معبود حق إلا الله. وهذا هو توحيد العبادة، وهو تخصيصه سبحانه بالعبادة، وإفراده بها من دعاء وخوف، ورجاء وتوكل، وصلاة وصوم. وغير ذلك، مع الإيمان بتوحيد الأسماء والصفات، وهو الإيمان بأنه سبحانه هو الكامل في ذاته، وأسمائه وصفاته وأفعاله، له الكمال المطلق في ذاته وأسمائه وصفاته، لا شريك له، ولا شبيه له، ولا كفؤ له ﷾. وهذا هو توحيد الأسماء والصفات كما تقدم. قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٢) ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٣) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٥).
فعلى جميع المكلفين من الثقلين، الإيمان بأسماء الله وصفاته الواردة في القرآن الكريم، كالعزيز الحكيم، والسميع والبصير، والخلاق والرزاق، والرحمن الرحيم، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته ﷾، وعلى الجميع أيضا الإيمان بما ثبت في السنة، سنة النبي ﷺ، من أسماء الله " وصفاته، ثم إمرارها كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تمثيل ولا تأويل، ولا زيادة ولا نقصان، بل نؤمن بها ونقرها ونمرها كما جاءت "، لا نحرف ولا نغير، ولا نزيد ولا ننقص، ولا نئول شيئا من صفات الله، بل هي حق كلها يجب إثباتها لله، على الوجه اللائق بالله، مع الإيمان القطعي بأنه سبحانه لا يشبه خلقه في شيء من صفاته جل وعلا، كما أنه لا يشبههم في ذاته، وهذا هو قول أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي ﷺ وأتباعهم بإحسان، وهو الذي أجمعت عليه الرسل، ونزلت به الكتب، التي أعظمها وأكملها القرآن الكريم، وهو الحق لا ريب فيه، فعليك يا عبد الله أن تؤمن
_________________
(١) سورة الإخلاص الآية ١
(٢) سورة الإخلاص الآية ٢
(٣) سورة الإخلاص الآية ٣
(٤) سورة الإخلاص الآية ٤
(٥) سورة الشورى الآية ١١
[ ٣٥ / ١٥ ]
به. وأن تعض عليه بالنواجذ ولا بد مع هذا كله، من الإيمان بالرسول محمد ﷺ واتباعه، مع الإيمان بجميع المرسلين، ولا بد أن تؤمن بكل ما أخبر الله به ورسوله، من الملائكة والكتب، وأمر الجنة والنار، والبعث والنشور، والحساب والجزاء، وعذاب القبر ونعيمه، والإيمان بالقدر خيره وشره.
لا بد من الإيمان بهذا كله من جميع المكلفين من الرجال والنساء، والأحرار والعبيد، والعرب والعجم، والأغنياء والفقراء، والحكام والمحكومين، والجن والإنس، على الجميع الإيمان بكل ما أخبر الله به، ورسوله.
هذا واجبهم نحو دينهم، وواجب عليهم جميعا أن يؤمنوا بكل ما أخبر الله به ورسوله مما كان في الدنيا من الرسل الماضين من آدم ومن بعده من الرسل، وما جاءوا به من الهدى، وأن الله جل وعلا بعثهم لدعوة الناس إلى الخير والهدى والتوحيد، وأنهم بلغوا الرسالة، وأدوا الأمانة عليهم الصلاة والسلام، ولا بد من الإيمان أيضا بكل ما مضى من أخبار الماضين، مما جرى على قوم نوح وعاد وثمود، وغيرهم ممن قص الله علينا أخبارهم.
فعليك يا عبد الله أن تؤمن بكل ما أخبر الله به ورسوله. في كتابه العزيز، وفيما جاءت به سنة رسوله ﷺ، لا بد من هذا الإيمان، ومن ذلك الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، كما تقدم فإن القبر إما روضة من رياض الجنة للمؤمن، أو حفرة من حفر النار للكافر.
أما العاصي فهو على خطر، وقد يناله في قبره ما شاء الله من العذاب، إلا من رحم الله، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه مر على قبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى، أما
[ ٣٥ / ١٦ ]
أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من البول (١)». الحديث. ومعنى لا يستتر من البول، أي لا يتنزه منه كما جاء ذلك في رواية أخرى. فعذبا في قبريهما بهاتين المعصيتين، وهذا عذاب معجل.
وهذا الحديث يبين لنا أن أمر المعاصي خطير، وأن الواجب على المؤمن أن يستقيم على دين الله، قولا وعملا وعقيدة، وأن يحافظ على ما أوجب الله عليه، وأن يحذر ما نهى الله عنه ﷾، وأن يؤمن بكل ما أخبر الله به ورسوله ﷺ، ومن ذلك ما يتعلق بأحوال القبر، وأحوال الناس في قبورهم، فالقبر إما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النار. والميت أول ما يوضع في قبره يسأله ملكان عن ربه، وعن دينه وعن نبيه. فالمؤمن يثبته الله فيقول: ربي الله، والإسلام ديني، ومحمد ﷺ نبيي، لأنه كان ثابتا في الدنيا على الحق، قبل أن يموت، فكان بصيرا بدينه، ثابتا عليه، فلهذا يثبته الله في القبر، وأما الكافر والمنافق إذا سئل فإنه يقول: هاه هاه، لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، فيضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الإنسان ولو سمعه الإنسان لصعق. وهكذا يحاسبهم الله، ويجازيهم بأعمالهم.
فالناس يبعثون ويجازون بأعمالهم بعد قيام الساعة، وقد دل الكتاب والسنة على أن إسرافيل ﵇، ينفخ في الصور، فيموت الناس الموجودون، ثم ينفخ فيه نفخة أخرى بعد ذلك، فيبعثهم الله، ويقومون من قبورهم، ومن كل مكان من البحار وغيرها، ويجمعهم الله ويجازيهم بأعمالهم، إن خيرا فخير وإن شرا فشر. هذا حق لا ريب فيه، فلا بد من الإيمان بهذا كله، والإعداد له العدة الصالحة، بتوحيد الله وطاعته، واتباع شريعته، والحذر من معصيته ﷾ ثم بعد هذا المحشر والقيام بين يدي رب العالمين، ومجازاة الناس بأعمالهم، جنهم وإنسهم ينصب الله الموازين، ويزن بها أعمال العباد، فهذا يرجح ميزانه وهو السعيد، وهذا يخف ميزانه وهو
_________________
(١) صحيح البخاري الوضوء (٢١٨، ٢١٨)، صحيح مسلم الطهارة (٢٩٢، ٢٩٢)، سنن الترمذي الطهارة (٧٠، ٧٠)، سنن النسائي الجنائز (٢٠٦٨، ٢٠٦٨)، سنن أبو داود الطهارة (٢٠، ٢٠)، سنن ابن ماجه الطهارة وسننها (٣٤٧، ٣٤٧)، مسند أحمد بن حنبل (١/ ٢٢٥، ١/ ٢٢٥)، سنن الدارمي الطهارة (٧٣٩، ٧٣٩).
[ ٣٥ / ١٧ ]
الهالك، وهذا يعطى كتابه بيمينه وهو السعيد، وهذا يعطى كتابه بشماله وهو الشقي، نسأل الله السلامة والعافية.
فهذا المقام العظيم. وهذا الأمر الجلل، لا بد من أن نستحضره، وأن نعد له عدته، فيوم القيامة يوم عظيم، وهو يوم الأهوال والشدائد، ومقداره خمسون ألف سنة، كما قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (١) ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ (٢) ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ (٣) ﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ (٤).
فلا بد من الإعداد لهذا اليوم، والإيمان بأنه حق.
فعليك يا عبد الله أن تعد له العدة الصالحة، بتوحيد الله وطاعته، واتباع شريعته، وتعظيم أمره، واجتناب نهيه، والتعاون على البر والتقوى مع إخوانك المسلمين، والتواصي بالحق والصبر عليه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإرشاد الضال، وتعليم الجاهل، إلى غير ذلك من وجوه الخير والنصح.
فعليك يا عبد الله، وعليك يا أمة الله، العناية بهذا الأمر والإعداد له، وعلى الجميع أن يتقوا الله، ويطيعوا أمره، ويتواصوا بالحق والصبر عليه، وأن يعلموا الجاهل، ويرشدوا الضال، وينصحوا لله، ولعباده، وأن يأمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر، كما قال تعالى في كتابه العظيم: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٥) ويقول سبحانه وبحمده:
_________________
(١) سورة المعارج الآية ٤
(٢) سورة المعارج الآية ٥
(٣) سورة المعارج الآية ٦
(٤) سورة المعارج الآية ٧
(٥) سورة التوبة الآية ٧١
[ ٣٥ / ١٨ ]
﴿وَالْعَصْرِ﴾ (١) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٢) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٣) ويقول ﷾ ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٤).
_________________
(١) سورة العصر الآية ١
(٢) سورة العصر الآية ٢
(٣) سورة العصر الآية ٣
(٤) سورة المائدة الآية ٢
[ ٣٥ / ١٩ ]