الفتوى رقم ١١٧
س: مضمون السؤال أن المدعو عيسى جبريل يرغب في معرفة الكثير مما أنزل الله تعالى على نبينا محمد ﷺ، ويرجو التكرم بإفادته: هل الورد الذي يقوم به التيجانيون والتيجانية صحيح في الإسلام؟ فقد سمع كثيرا من المدارس الإسلامية تعارضه، والتيجانيون يستعملونه بعد صلاة المغرب؛ فهم ينشرون
[ ٣٥ / ٦٦ ]
قطعة قماش بيضاء في المسجد، ويجلسون حولها، ويتلون لا إله إلا الله، وكلمتين أخريين معها مائة مرة، ويرجو مساعدته في إيضاح الحق.
الحمد الله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه. وبعد:
جـ: حثت الشريعة الإسلامية على ذكر الله تعالى، ورغبت في ذلك كثيرا، وبينت أنه يحيي النفوس، وتطمئن به القلوب، وتنشرح به الصدور، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (١) ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (٢) وقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (٣)، وقال النبي ﷺ: «مثل الذي يذكر ربه، والذي لا يذكر - مثل الحي والميت (٤)» رواه البخاري.
وكما جاء في كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ الأمر بالذكر والترغيب فيه مجملا، جاء فيهما مفصلا فبين القرآن أن ذكر الله يكون بالقلب إجلالا لله وإعظاما له وهيبة ووقارا، أو خوفا منه ورغبة إليه خفية وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال، وبين أن الصلاة أعظم ذكر لله؛ قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٥) ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ (٦)، وقال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٧)، وفي الصلاة القراءة والتكبير والتهليل، والتسبيح والتحميد، والدعاء، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (٨)، وبينت السنة، قولية وعملية، أنواع الأذكار وأوقاتها وكيفيتها؛ فبينت أذكار الصباح والمساء، والشدة والبلاء، وعند النوم
_________________
(١) سورة الأحزاب الآية ٤١
(٢) سورة الأحزاب الآية ٤٢
(٣) سورة الرعد الآية ٢٨
(٤) البخاري برقم ٦٤٠٧، ومسلم برقم ٧٧٩.
(٥) سورة البقرة الآية ٢٣٨
(٦) سورة البقرة الآية ٢٣٩
(٧) سورة النساء الآية ١٠٣
(٨) سورة الأعراف الآية ٢٠٥
[ ٣٥ / ٦٧ ]
واليقظة، وعند الأسفار والعودة منها. إلخ، وعينت كلماتها وكيفياتها؛ ففي حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه (١)» فمن ذكر الله تعالى كما جاء في بيان الكتاب والسنة، من أنواع الذكر وأوقاتها وكيفياتها، فقد اتبع هدى الله تعالى وهدى رسوله ﵊، وكسب الأجر والمثوبة، ومن غير صيغ الأذكار، وحرف فيها أو بدل في كيفياتها، والتزم فيها كيفيات لم يلتزمها رسول الله ﷺ؛ فأطلق ما قيده أو قيد ما أطلقه، والتزم طريقة في أداء الأذكار لم تعهد زمن رسول الله ﷺ، ولا في زمن أصحابه، ولا القرون الثلاثة المشهود لها بالخير - فقد أساء وابتدع في الدين ما لم يأذن به الله، وحرم الأجر والثواب، وكان من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ومن ذلك ما التزمه بعض أصحاب الطرق كالتيجانية؛ من نشر قطعة قماش بيضاء يلتف حولها الذاكرون بلا إله إلا الله، ونحوها من الأذكار، بعد المغرب.
فالذكر مشروع، وكلمة لا إله إلا الله أفضل ما قاله النبيون، والذكر بها من أفضل الأذكار، ولكن التزام نشر الرقعة البيضاء والاجتماع حولها، وتخصيص ما بعد المغرب لذلك الذكر، وإيقاعه جماعيا - بدعة ابتدعوها لم يأذن بها الله ولا رسوله، وخير العمل ما كان اتباعا، وشره ما كان ابتداعا؛ لقول النبي ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة (٢)» وقوله: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٣)» ومن ذلك الاجتماع قبل الفجر أو بعده، أو بعد العشاء للتعبد بأوراد وضعوها من عند أنفسهم، أو لأذكار بهيئات مزرية وترنحات، هي إلى الألعاب والتمثيل أقرب، وبه أشبه، ومن ذلك ذكرهم بكلمة هو، وكلمة آه، وليستا من أسماء الله، بل الأولى ضمير الغائب، والثانية كلمة توجع؛ فالذكر بهما من البدع المنكرة.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو عضو نائب رئيس اللجنة الرئيس
عبد الله بن سليمان بن منيع عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان عبد الرزاق عفيفي إبراهيم بن محمد آل الشيخ
_________________
(١) صحيح البخاري الأذان (٦٦٠)، صحيح مسلم الزكاة (١٠٣١)، سنن الترمذي الزهد (٢٣٩١)، سنن النسائي آداب القضاة (٥٣٨٠)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ٤٣٩)، موطأ مالك الجامع (١٧٧٧).
(٢) سنن الترمذي العلم (٢٦٧٦)، سنن ابن ماجه المقدمة (٤٤)، مسند أحمد بن حنبل (٤/ ١٢٦)، سنن الدارمي المقدمة (٩٥).
(٣) صحيح البخاري الصلح (٢٦٩٧)، صحيح مسلم الأقضية (١٧١٨)، سنن أبو داود السنة (٤٦٠٦)، سنن ابن ماجه المقدمة (١٤)، مسند أحمد بن حنبل (٦/ ٢٥٦).
[ ٣٥ / ٦٨ ]