اختلف أهل العلم في ذلك فذهب قوم إلى القول بالطهارة، وممن قال
[ ٣٥ / ٣٥ ]
بذلك أبو حنيفة ومحمد وأكثر الحنفية والمالكية، وسواء عندهم ما هو نجس لعينه، وما هو نجس لمعنى فيه، ووافقهم الشافعية في النجس لمعنى فيه، كجلد الميتة. وأما الحنابلة فمنهم من يقول بالطهارة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو مذهب الظاهرية، وفيما يلي ذكر نصوصهم في ذلك وأدلتهم مع المناقشة.
جاء في البحر الرائق: من الأمور التي يكون بها التطهير انقلاب العين - ومضى إلى أن قال - وإن كان في غيره - أي الخسر - كالخنزير والميتة تقع في المملحة فتصير ملحا يؤكل، والسرجين والعذرة تحترق فتصير رمادا تطهر عند محمد (١). وقال أيضا وضم إلى محمد أبا حنيفة في المحيط وكثير من المشائخ اختاروا قول محمد، وفي الخلاصة وعليه الفتوى وفي فتح القدير أنه المختار (٢).
والمالكية يذهبون إلى أن ما استحال إلى صلاح فهو طاهر وأن ما استحال إلى فساد كان نجسا، جاء في الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه من الطاهر لبن الآدمي ولو كافرا، لاستحالته إلى الصلاح (٣).
ثم جاء في موضع آخر إذا تغير القيء، وهو الخارج من الطعام بعد استقراره في المعدة، كان نجسا وعلة نجاسته الاستحالة إلى فساد، فإن لم يتغير كان طاهرا (٤).
واعتبر المالكية كذلك أن المسك طاهر، ففي الحطاب الحكم بطهارة المسك؛ لأنها استحالة عن جميع صفات الدم، وخرجت عن اسمه إلى صفات وإلى اسم يختص به، وطهرت بذلك، كما يستحيل الدم وسائر ما يتغذى به الحيوان من النجاسات إلى اللحم، فيكون طاهرا. انتهى (٥).
وفرق الشافعية بين ما هو نجس لعينه، وما هو نجس لمعنى فيه؛ فأما الأشياء
_________________
(١) البحر الرائق ص١/ ٢٣٩.
(٢) البحر الرائق ص١/ ٢٣٩.
(٣) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ص٥٠.
(٤) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ١/ ٥٧.
(٥) مواهب الجليل ١/ ٩٧.
[ ٣٥ / ٣٦ ]
النجسة لمعنى فيها فإنها طاهرة قال في المهذب: ولا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة إلا شيئان أحدهما جلد الميتة إذا دبغ والثاني الخمر (١).
وقال ابن قدامة: ويتخرج أن تطهر النجاسات كلها بالاستحالة (٢).
وقال المرداوي: وعنه بل تطهر وهي مخرجة من الخمرة إذا انقلبت بنفسها خرجها المجد واختار الشيخ تقي الدين وصاحب الفائق؛ فحيوان متولد من نجاسة، كدود الجروح والقروح وصراصير الكنيف، طاهر نص عليه (٣) انتهى المقصود.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وتنازعوا فيما إذا صارت النجاسة ملحا في الملاحة، أو صارت رمادا، أو صارت - الميتة والدم والصديد ترابا كتراب المقبرة فهذا فيه خلاف - وبعد ذكره للخلاف قال: والصواب أن ذلك كله طاهر؛ إذ لم يبق شيء من النجاسة لا طعمها ولا لونها ولا ريحها (٤).
وقال ابن حزم: إذ استحالت صفات عين النجس أو الحرام، فبطل عنه الاسم الذي به ورد ذلك الحكم، وانتقل إلى اسم آخر وارد على حلال طاهر، فليس هو ذلك النجس ولا ذلك الحرام، بل قد صار شيئا آخر ذا حكم آخر (٥). وقال أيضا إذا أحرقت العذرة أو الميتة أو تغيرت فصارت رمادا أو ترابا فكل ذلك طاهر (٦).
واستدل لذلك بالكتاب والسنة والاستقراء والمعنى؛ أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٧) وجه الدلالة أن هذه الأشياء، بعد استحالتها وزوال أوصاف النجاسة عنها صارت - طيبة، فهي طاهرة، وقد يعارض ذلك بأن القول بأنها طيبة، وهو محل النزاع، ولا يصح الاستدلال بمحل الخلاف، وقد يجاب عن ذلك بأن العبرة بالواقع لا بالدعوى، وواقعها أنها طيبة، فيسلم الدليل. وأما السنة فما ورد من الأدلة في
_________________
(١) المذهب ١/ ٤٨.
(٢) المغني ومعه الشرح ١/ ٥٩.
(٣) الإنصاف ١/ ٥ / ٣١ وما بعده.
(٤) مجموع الفتاوى ٢١/ ٤٨١.
(٥) المحلى ١/ ١٣٨.
(٦) المحلى ١/ ١٢٨، ويرجع أيضا إلى ١/ ١٣٧ - ١٣٨ و١/ ١١٨ و١/ ١٦٢ من المحلى.
(٧) سورة الأعراف الآية ١٥٧
[ ٣٥ / ٣٧ ]
طهارة المسك وجلود الميتة مأكولة اللحم بعد الدبغ ونحو ذلك من الأدلة.
وأما الاستقراء فقد ذكره شيخ الإسلام فقال بعد كلام سبق الاستقراء دلنا أن كل ما بدأ الله بتحويله وتبديله من جنس إلى جنس، مثل جعل الخمر خلا، والدم منيا، والعلقة مضغة، ولحم الجلالة الخبيث طيبا، وكذلك بيضها ولبنها، والزرع المستسقى بالنجس إذا سقي بالماء الطاهر، وغير ذلك، فإنه يزول حكم التنجس، ويزول حقيقة النجس واسمه التابع للحقيقة، وهذا ضروري لا يمكن المنازعة فيه؛ فإن جميع الأجسام المخلوقة في الأرض فإن الله يحولها من حال إلى حال، ويبدلها خلقا بعد خلق، ولا التفات إلى موادها وعناصرها، وأما ما استحال بسبب كسب الإنسان؛ كإحراق الروث، حتى يصير رمادا، ووضع الخنزير في الملاحة، حتى يصير ملحا ففيه خلاف مشهور، وللقول بالتطهير اتجاه انتهى المقصود (١).
وقد سبق أنه يختار القول بالطهارة. وأما المعنى فقد جاء في فتح القدير أن الشرع رتب وصف النجاسة على تلك الحقيقة، وتنتفي الحقيقة بانتفاء بعض أجزاء مفهومها، فكيف بالكل؟! فإن الملح غير العظم واللحم، فإذا صار ملحا ترتب حكم الملح عليه (٢) انتهى المقصود.
القول الثاني: أن استحالة النجس وزوال أعراض النجاسة عنه وتبدلها بأوصاف طيبة لا تصيره طاهرا، وممن قال بهذا القول أبو يوسف، وهو أحد القولين في مذهب مالك، وهو قول الشافعي فيما كان نجسا نجاسة عينية. وإحدى الروايتين في مذهب أحمد وهي المقدمة، جاء في فتح القدير أن أبا يوسف يرى أن الأشياء النجسة لا تطهر بانقلاب عينها، وفي التنجيس اختار قول أبي يوسف، كذا قال: خشبة أصابها بول فاحترقت، ودفع رمادها في بئر يفسد الماء، وكذلك رماد العذرة والحمار إذا مات في مملحة لا يؤكل الملح، هذا قول أبي يوسف (٣) انتهى.
_________________
(١) الفتاوى المصرية ٢/ ١٢٢.
(٢) البحر الرائق ١/ ٢٣٩ وقد بسط ذلك ابن حزم في المحلى ١/ ١٣٧ و١/ ١٦٢ منه و١/ ١١٨ منه أيضا.
(٣) فتح القدير ١/ ١٣٩.
[ ٣٥ / ٣٨ ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو أحد قولي أصحاب مالك (١).
وقال الشيرازي: ولا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة، إلا شيئان أحدهما جلد الميتة إذا دبغ، والثاني الخمر - ثم قال صاحب المهذب: وإن حرق العذرة والسرجين حتى صار رمادا لم تطهر (٢) وقال ابن قدامة: ظاهر المذهب أنه لا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة، إلا الخمر إذا انقلبت بنفسها خلا، وما عداه لا يطهر كالنجاسات إذا احترقت فصارت رمادا، والخنزير إذا وقع في الملاحة وصار ملحا، والدخان الصاعد من وقود النجاسة (٣).
وقال المرداوي على قول ابن قدامة، ولا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة. قال: هذا المذهب، وعليه جماهير الأصحاب ونصروه (٤).
واستدل لهذا القول بما ذكره أبو يوسف من أن الرماد أجزاء تلك النجاسة، فتبقى النجاسة من وجه، فالتحقت بالنجس من كل وجه احتياطا (٥) وما ذكره الشيرازي بقوله: لأن نجاستها - أي العذرة والسرجين - لعينهما (٦) وأما ابن قدامة فقد استدل لذلك بأنها نجاسة لم تحصل بالاستحالة، فلم تطهر كالدم إذا صار قيحا وصديدا (٧).
_________________
(١) المجموع ٢١/ ٧٢.
(٢) المهذب ١/ ١٠.
(٣) المغني مع شرحه ١/ ٥٩.
(٤) الإنصاف ١/ ٣١٨.
(٥) فتح القدير ٢/ ١٣٩.
(٦) المهذب ١/ ٤٨.
(٧) المغني ومعه الشرح ١/ ٧٤٤.
[ ٣٥ / ٣٩ ]