إن كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس هو كتاب حديث وفقه، جمع فيه بين الحديث المرفوع والموقوف والمقطوع وما استنبطه هو من فقه من تلك الأحاديث.
وكان الإمام مالك متحريا في الرواية منتقيا للرجال أحسن الانتقاء منتقدا للرجال أشد الانتقاد، لذلك جعله أهل الحديث آنذاك مصدرا حديثيا معتمدا عليه في الاحتجاج بأحاديثه من حيث الجملة - مع أن فيه المرسل والبلاغ - حتى ظهر صحيح الإمام البخاري الذي تقدم على الموطأ في الصحة وذلك لأن الإمام البخاري جرد صلب الكتاب من البلاغات والمراسيل وإنما ذكرها في تراجم الأبواب على سبيل الاستشهاد بها لا أكثر، والمعول في كتابه على أحاديث الصلب لا التراجم.
[ ٣٤ / ٢٦٩ ]
ومع تقدم صحيح البخاري في الصحة لم يفقد الموطأ تلك المكانة كمصدر من مصادر السنة المشهورة ذات المكانة المرموقة.
هذا وقد ضم الموطأ نحوا من (١٨٤٣) حديثا ما بين مرفوع وموقوف ومقطوع وزعها الإمام مالك في الكتب والأبواب التي اجتهد في تصنيفها.
وقد بلغ عدد الكتب (٦١) كتابا وعدد الأبواب (٨٠٣) أبواب، وهذه الأبواب لا تخلو من أحاديث مرفوعة أو موقوفة أو مقطوعة.
ومن عادة الإمام مالك في الغالب أن يذكر عقب تلك الأحاديث ما استنبطه منها من فقه، ولكن هناك ما يقرب من ١٠٠ باب خلت أصلا من أي حديث وإنما خصها الإمام مالك لفقهه.
كما أن من عادة الإمام مالك حينما يذكر فقهه يستدل لذلك بعمل أهل المدينة قائلا: " وهذا أحسن ما سمعت من أهل العلم " أو " وهذا عليه العمل عندنا "، وما أشبه ذلك، وهذا الجانب يزيد على ٣٠٠ موطن في الكتاب.
بعد هذا العرض يتبين لنا أن الذي يهم طالب الحديث من الموطأ هو ما أخرجه الإمام مالك من الحديث لا ما ذكره من فقهه ولا ما احتج به من عمل أهل المدينة.
هذا وسوف يظهر للقارئ هل نهج صاحب مفتاح كنوز السنة وصانعو المعجم المفهرس على تخريج أحاديث الكتاب فحسب، أم أنهم أدخلوا في التخريج ما ليس من موضوعه؟
[ ٣٤ / ٢٧٠ ]