أن القرض بفائدة هو القرض الذي جر منفعة في كلام الفقهاء، وهذا القرض ليس هو الربا المحرم بالنص، وإنما هو مقيس عليه، وليس هو الربا المحرم، وإنما يشتمل على شبهة الربا، وهذا هو السبب في تحريمه عند من يرى تحريمه من الفقهاء، والدليل الذي يستند عليه في تحريم مثل هذا القرض حديث: «كل قرض جر نفعا فهو ربا»، وهذا الحديث معلول وليس ثابتا، وتحريم القرض الذي جر نفعا تحريمه موضع خلاف بين الفقهاء، بل إنه في بعض صوره جائز عند أكثرهم.
يقول الدكتور السنهوري: (قد يكون غريبا أننا لم نعالج في صور الربا حتى الآن الصورة المألوفة التي تتكرر كل يوم، وهي صورة القرض بفائدة؛ فإن جميع أنواع الربا التي عرضنا لها إنما هي بيوع لا قروض، فهل القرض يدخل في العقود الربوية؟ يبدو هذا السؤال غريبا، فإن القرض هو أول عقد ربوي في الشرائع الحديثة، ولكن الواقع أن القرض في الفقه الإسلامي ليس أصلا من أصول العقود الربوية؛ إذ البيع هو الأصل، ويقاس على البيع الربوي القرض الذي يجر منفعة) (ويتبين من النصوص أن القرض إذا
[ ٣٥ / ١١٩ ]
تضمن زيادة مشروطة، وهذه هي الفائدة بعينها، فإن هذا لا يجوز، ولكن لا لأن الزيادة المشروطة ربا، بل لأنها تشبه الربا؟ والتحرز عن حقيقة الربا وعن شبهة الربا واجب).
إن المحاولة تستند على تصور وهمي؛ فهي مؤسسة على وهم لا على حقيقة، وهذا ظاهر من أن أصحاب المحاولة فهموا أن القرض في لغة الفقه الحديث هو القرض في اصطلاح الفقه الإسلامي، ولم ينتبهوا إلى أنه مع اتفاق الألفاظ فإن طبيعة العقدين مختلفة؛ فالقرض في لغة البنوك أو لغة الفقه الحديث وهو القرض بفائدة عقد معاوضة ومشاحة، الأجل عنصر لازم فيه، أما القرض في اصطلاح الفقه الإسلامي فهو عقد تبرع وإرفاق، والأجل ليس بلازم فيه، يقول الكاساني في البدائع جزء٧ ص ٣٩٦: (والأجل لا يلزم في القرض، سواء كان مشروطا في العقد أو متأخرا عنه، بخلاف سائر الديون، والفرق من وجهين: أحدهما أن القرض تبرع، ألا ترى أنه لا يقابله عوض للحال، ولا يملكه من لا يملك التبرع، فلو لزمه الأجل لم يبق تبرعا، فيتغير المشروط بخلاف الديون، والثاني أن القرض يسلك به مسلك العارية، والأجل لا يلزم في العواري).
إن القرض في اصطلاح الفقه الإسلامي في مقابل القرض بفائدة في الاصطلاح المعاصر في مستوى عقد العارية في مقابل عقد الكراء.
إن القرض بفائدة في الاصطلاح الحديث يسمى في اصطلاح الفقه الإسلامي بيعا ربويا، وبحثه أساسا إنما يتم في باب الربا، لا في باب القرض، إنما يقابل القرض في اصطلاح الفقه الإسلامي ما يسمى في العصر الحاضر بالقرض الحسن.
يقع في هذا المفهوم الخاطئ الكتاب الإسلاميون غير المختصين في الفقه؛ ولذلك يستشهدون على تحريم الربا بالحديث: «كل قرض جر نفعا فهو ربا»، كما أن الكتاب الذين يميلون إلى إباحة القروض البنكية المعاصرة يجادلون بأن هذا الحديث معلول. في حين أن الفقهاء لا يستدلون بهذا الحديث على
[ ٣٥ / ١٢٠ ]
تحريم الربا؛ ولذلك لا يوردونه في باب الربا، وإنما يوردونه في باب القرض بالاصطلاح الإسلامي، ويقصد بجر القرض للمنفعة أي فائدة طارئة يستفيد بها المقرض في القرض الحسن، ومن أمثلة ذلك التي يذكرها الفقهاء مكافأة المقترض للمقرض، اعترافا بجميله وردا لإحسانه بالقرض بدون شرط، أو شرط المقرض أمرا يستفيد منه (دون زيادة في مبلغ القرض)، كما لو شرط الوفاء في بلد آخر؛ لأن له غرضا في الوفاء فيه، فيستفيد بهذا الشرط إسقاط خطر الطريق، وهذا هو الذي وقع فيه الخلاف، أما لو أقرضه لأجل، بشرط أن يرد إليه مبلغ القرض بزيادة فهذا لا خلاف بين الفقهاء على تحريمه؛ لأن العقد ينقلب في هذه الحال من قرض بالاصطلاح الفقهي الإسلامي إلى بيع ربوي.
[ ٣٥ / ١٢١ ]