اتفق أهل العلم - فيما نعلم - على أن الخمر إذا تخللت بنفسها فإنها تكون طاهرة، قال شيخ الإسلام: اتفقوا على أن الخمر إذا انقلبت بفعل الله بدون قصد صاحبها، وصارت خلا أنها تطهر (١) وأما إذا خللت فقد اختلف العلماء في ذلك؛ فمنهم من يقول بطهارتها، ومنهم من يقول بنجاستها، وممن قال بأنها طاهرة الحنفية والمالكية وابن حزم ومن وافقهم جاء في بداية المبتدي وشرحها
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٢١/ ٤٧٥ وما بعدها.
[ ٣٥ / ٣٩ ]
الهداية: وإذا تخللت الخمر حلت سواء صارت خلا بنفسها أو بشيء يطرح فيها ولا يكره تخليلها (١) وفي الحطاب: ولو تخللت الخمر بإلقاء شيء فيها كالخل والملح والماء ونحوه يطهر الخل وما ألقي فيه (٢) وقال ابن حزم: إذا تخللت الخمر وخللت فالخل حلال (٣).
واستدل لهذا القول بالسنة والمعنى أما السنة فقوله ﷺ: «نعم الإدام الخل (٤)» رواه مسلم والأربعة من حديث جابر. وجه الدلالة أنه ﷺ عم ولم يخص.
وعورض هذا الاستدلال بحديث أنس «سئل رسول الله ﷺ عن الخمر تتخذ خلا قال: لا (٥)». أخرجه مسلم. وعن أنس أن أبا طلحة «سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمرا قال: أهرقها. قال: أفلا نجعلها خلا؟ قال: لا (٦)».
ويمكن الجمع بين هذه الأحاديث بحمل الحديث الأول على الخمر إذا تخللت بنفسها، والخل الذي لم يكن أصله خمرا، وحمل الثاني على ما إذا خللت بفعل فاعل قصدا، وعلى هذا فلا دلالة في الحديث الأول على طهارة الخمر إذا خللت قصدا، وأما الدليل من جهة المعنى فقد جاء في البداية وشرحها، أنه بالتخليل يزول الوصف المفسد، وتثبت صفة الصلاح، من حيث تسكين الصفراء وكسر الشهوة والتغذي به والإصلاح مباح، وكذا الصالح للمصالح اعتبارا بالمتخلل بنفسه، وبالدباغ والأقرياب لإعدام الفساد فأشبه الإراقة والتخليل، وذلك لما فيه من احترام حال يصير حلالا في الثاني فيختاره من ابتلي به.
وقد يجاب عن ذلك بأنه دليل اجتهادي في مقابل نص، ولا اجتهاد مع النص، والنص هو حديث أنس الذي رواه مسلم «سئل عن الخمر تتخذ خلا؟ قال: لا (٧)» الحديث وقد سبق (٨).
القول الثاني: أن الخمر إذا خللت لا تكون طاهرة وممن قال بهذا
_________________
(١) البداية وشرحها ٤/ ١١٣.
(٢) مواهب الجليل ١/ ٩٨.
(٣) المحلى ١/ ١٢٤.
(٤) صحيح مسلم الأشربة (٢٠٥٢)، سنن الترمذي الأطعمة (١٨٣٩)، سنن أبو داود الأطعمة (٣٨٢٠)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ٣٧١)، سنن الدارمي الأطعمة (٢٠٤٨).
(٥) صحيح مسلم الأشربة (١٩٨٣)، سنن الترمذي البيوع (١٢٩٤)، سنن أبو داود الأشربة (٣٦٧٥)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ٢٦٠)، سنن الدارمي الأشربة (٢١١٥).
(٦) صحيح مسلم الأشربة (١٩٨٣)، سنن الترمذي البيوع (١٢٩٣)، سنن أبو داود الأشربة (٣٦٧٥)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ١١٩)، سنن الدارمي الأشربة (٢١١٥).
(٧) صحيح مسلم الأشربة (١٩٨٣)، سنن الترمذي البيوع (١٢٩٤)، سنن أبو داود الأشربة (٣٦٧٥)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ٢٦٠)، سنن الدارمي الأشربة (٢١١٥).
(٨) البداية وشرحها ٤/ ١١٣.
[ ٣٥ / ٤٠ ]
الشافعية والحنابلة واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، قد جاء في المهذب وإن خللت بخل، أو ملح لم تطهر (١).
وقال ابن قدامة (وإن خللت لم تطهر)، وقال المرداوي تعليقا على ذلك: اعلم أن الخمرة يحرم تخليلها على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب (٢).
وقال شيخ الإسلام: والصحيح أنه إذا قصد تخليلها لا تطهر بحال (٣)، واستدل لهذا القول بالسنة والأثر والمعنى؛ أما السنة فما رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة عن أنس ﵁ أنا أبا طلحة «سأل رسول الله ﷺ عن أيتام ورثوا خمرا فقال: أهرقها. فقال أفلا أخللها قال: لا (٤)». .
وجه الدلالة أنه نهاه عن التخليل فدل على أنه لا يجوز.
وأجاب الطحاوي عن ذلك فقال: إنه محمول على التغليظ والتشديد؛ لأنه كان في ابتداء الإسلام، كما ورد ذلك في سؤر الكلب، بدليل أنه ورد في بعض طرقه الأمر بكسر الدنان وتقطيع الزقاق رواه الطبراني في معجمه: حدثنا معاذ بن المثنى، ثنا مسدد، ثنا معتمر، ثنا ليث، عن يحيى بن عباد، عن أنس، عن أبي طلحة قال: «قلت: يا رسول الله، إني اشتريت خمرا لأيتام في حجري. فقال: أهرق الخمر واكسر الدنان (٥)». انتهى.
ورواه الدارقطني أيضا، وروى أحمد في مسنده: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا أبو بكر بن أبي مريم، عن حمزة بن حبيب، عن ابن عمر ﵁ «أن النبي ﷺ شق زقاق الخمر بيده في أسواق المدينة» وقد تقدم بتمامه في أحاديث تحريم الخمر، وهذا صريح في التغليظ؛ لأن فيه إتلاف مال الغير، وقد كان يمكن إراقة الدنان والزقاق وتطهيرها، ولكن قصد بإتلافها التشديد؛ ليكون أبلغ في الردع انتهى بواسطة الزيلعي (٦).
ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأن حمله على التغليظ على خلاف الظاهر، فيحتاج إلى دليل يدل عليه ذلك، فإن وجد، وإلا فالأصل بقاء
_________________
(١) المهذب ١/ ٤٨.
(٢) الإنصاف ١/ ٣١٨
(٣) المجموع ٢١/ ٤٨١.
(٤) صحيح مسلم الأشربة (١٩٨٣)، سنن الترمذي البيوع (١٢٩٤)، سنن أبو داود الأشربة (٣٦٧٥)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ١٨٠)، سنن الدارمي الأشربة (٢١١٥).
(٥) سنن الترمذي البيوع (١٢٩٣)، سنن أبو داود الأشربة (٣٦٧٥)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ١١٩).
(٦) نصب الراية ٤/ ٣١١.
[ ٣٥ / ٤١ ]
دلالة الحديث على التحريم (١) كما سبق.
وأما الأثر فقول عمر ﵁: لا تأكلوا خل خمر إلا خمرا بدأ الله بفسادها، ولا جناح على مسلم أن يشتري خل خمر أهل الكتاب ما لم يعلموا أنهم تعمدوا إفسادها انتهى. استدل به شيخ الإسلام وذكر أنه صحيح (٢).
وأما المعنى فقال شيخ الإسلام: إن اقتناء الخمر محرم، فمتى قصد باقتنائها التخليل كان قد فعل محرما، والفعل المحرم لا يكون سببا للحل والإباحة (٣).
_________________
(١) نصب الراية ٤/ ٣١١.
(٢) الفتاوى ٢/ ١٣٦.
(٣) الفتاوى ٢/ ١٣٦.
[ ٣٥ / ٤٢ ]