من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يطلع عليه من المسلمين وفقني الله وإياهم لفعل الخيرات، ومن علي وعليهم بالتوبة النصوح من جميع السيئات آمين. . سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
فتعلمون رحمني الله وإياكم أنه في حال تأخر الغيث عن وقته ولشدة حاجة المسلمين، بل ضرورتهم إلى رحمة ربهم سبحانه وفضله وإحسانه فقد أمرهم سبحانه أن يدعوه ويضرعوا إليه ويرفعوا إليه حاجاتهم وقد وعدهم سبحانه بالإجابة حيث قال ﷿: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (١) وقال ﷿: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (٢) وقال ﷾: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٣) ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤).
وكان النبي ﷺ والمسلمون إذا اشتد بهم الجدب وتأخر عنهم الغيث لجئوا إلى الله سبحانه واستغاثوا فيغيثهم ويمدهم بإحسانه وجوده كما قال ﷿ في قصة غزوة بدر ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (٥). ولما اشتد الجدب في المدينة وما
_________________
(١) سورة غافر الآية ٦٠
(٢) سورة البقرة الآية ١٨٦
(٣) سورة الأعراف الآية ٥٥
(٤) سورة الأعراف الآية ٥٦
(٥) سورة الأنفال الآية ٩
[ ٣٤ / ٣١٣ ]
حولها طلب المسلمون من النبي ﷺ أن يستغيث لهم فرفع النبي ﷺ يديه في خطبة الجمعة واستغاث ربه وكرر الدعاء وخرج بهم مرة أخرى إلى الصحراء فصلى بهم ركعتين كصلاة العيد واستغاث ربه ودعاه ورفع يديه وألح في الدعاء وحول رداءه ورفع المسلمون أيديهم تأسيا به ﷺ فأغاثهم الله ورحمهم وأزال شدتهم وأنزل عليهم المطر الكثير، وقد قال الله ﷿: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١). ومن أعظم أسباب الرحمة ونزول الغيث تقوى الله ﷿ والتوبة إليه من جميع الذنوب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعاون على البر والتقوى والتناصح في الله والتواصي بالحق والصبر عليه ورحمة الفقراء والمساكين ومواساتهم والإحسان إليهم كما قال الله ﷿: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢). وقال ﷾: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٣) ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٥) وقال ﷿: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٦) وقال ﷾: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٧) فأبان سبحانه في هذه الآيات الكريمات أن التقوى والإحسان إلى عباد الله والاستقامة على أمر الله من أسباب رحمته لعباده وإحسانه إليهم وإنزال الغيث عليهم وإزالة الشدة عنهم، فاتقوا الله عباد الله وأحسنوا إلى عباده وتواصوا بالحق والصبر عليه، وتعاونوا على
_________________
(١) سورة الأحزاب الآية ٢١
(٢) سورة الأعراف الآية ٩٦
(٣) سورة الطلاق الآية ٢
(٤) سورة الطلاق الآية ٣
(٥) سورة الطلاق الآية ٤
(٦) سورة الأعراف الآية ٥٦
(٧) سورة التوبة الآية ٧١
[ ٣٤ / ٣١٤ ]
البر والتقوى وتآمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر وتوبوا إليه من جميع الذنوب يرحمكم مولاكم سبحانه ويمن عليكم بالغيث المبارك ويعطكم ما تحبون ويصرف عنكم ما تكرهون، كما قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) وقال ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ (٢) وقال عن نبيه ورسوله نوح ﵊ أنه قال لقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ (٣) ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ (٤) ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ (٥). وقال النبي ﷺ: «من لا يرحم لا يرحم (٦)»، وقال ﵊: «الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء (٧)». والآيات والأحاديث الشريفة في الحث على التقوى والاستقامة ورحمة العباد والإحسان إليهم كثيرة معلومة.
وأسال الله أن يصلح أحوال المسلمين جميعا وأن يمن عليهم بالتوبة النصوح من جميع الذنوب وأن يغيثهم من فضله وأن يجمع قلوبهم على التقوى والعمل الصالح وأن يعيذ الجميع من شرور النفس وسيئات العمل ومن مضلات الفتن وأن ينصر دينه ويعلي كلمته وأن يوفق ولاة أمرنا وسائر ولاة أمور المسلمين لكل ما فيه صلاح العباد والبلاد وأن يصلح لهم البطانة ويعينهم على كل خير إنه ولي ذلك والقادر عليه. . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
_________________
(١) سورة النور الآية ٣١
(٢) سورة التحريم الآية ٨
(٣) سورة نوح الآية ١٠
(٤) سورة نوح الآية ١١
(٥) سورة نوح الآية ١٢
(٦) صحيح البخاري الأدب (٥٩٩٧)، صحيح مسلم الفضائل (٢٣١٨)، سنن الترمذي البر والصلة (١٩١١)، سنن أبو داود الأدب (٥٢١٨)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ٢٦٩).
(٧) سنن الترمذي البر والصلة (١٩٢٤)، سنن أبو داود الأدب (٤٩٤١).
[ ٣٤ / ٣١٥ ]