ج- قال أبو الفداء إسماعيل بن كثير في تفسيره: قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١) لما ذكر تعالى الأبرار المؤدين النفقات المخرجين الزكوات المتفضلين بالبر والصدقات لذوي الحاجات والقرابات في جميع الأحوال والأوقات، شرع في ذكر أكلة الربا وأموال الناس بالباطل وأنواع الشبهات وأخبر عنهم يوم خروجهم من قبورهم وقيامهم منها إلى بعثهم ونشورهم، فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (٢) أي لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له، وذلك أنه يقوم قياما منكرا، وقال
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٧٥
(٢) سورة البقرة الآية ٢٧٥
[ ٤٦ / ٥٠ ]
ابن عباس: (آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا يخنق) رواه ابن أبي حاتم، قال: وروي عن عوف بن مالك، وسعيد بن جبير، والسدي، والربيع بن أنس، وقتادة، ومقاتل بن حيان نحو ذلك، وحكي عن عبد الله بن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان أنهم قالوا في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (١) يعني لا يقومون يوم القيامة، وكذا قال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، والضحاك، وابن زيد، وروى ابن أبي حاتم من حديث أبي بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حنيف، عن أبي عبد الله بن مسعود، عن أبيه أنه كان يقرأ: (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس يوم القيامة).
وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا ربيعة بن كلثوم، حدثنا أبي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: يقال يوم القيامة لآكل الربا خذ سلاحك للحرب وقرأ ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (٢) وذلك حين يقوم من قبره، وفي حديث أبي سعيد في الإسراء، كما هو مذكور في سورة ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ (٣) أنه ﵇ مر ليلتئذ بقوم لهم أجواف مثل البيوت فسأل عنهم،
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٧٥
(٢) سورة البقرة الآية ٢٧٥
(٣) سورة الإسراء الآية ١
[ ٤٦ / ٥١ ]
فقيل: هؤلاء أكلة الربا. رواه البيهقي مطولا. وقال ابن أبي حاتم، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الحسن بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي الصلت، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «أتيت ليلة أسري بي على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات تجري من خارج بطونهم فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا (١)»، ورواه الإمام أحمد، عن حسن وعفان كلاهما، عن حماد بن سلمة به، وفي إسناده ضعف، وقد روى البخاري، عن سمرة بن جندب في حديث المنام الطويل: «فأتينا على نهر- حسبت أنه كان يقول- أحمر مثل الدم وإذا في النهر رجل سابح وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة وإذا ذلك السابح يسبح، ثم يأتي ذلك الذي قد جمع الحجارة عنده فيفغر له فاه فيلقمه حجرا (٢)»، وذكر في تفسيره أنه آكل الربا.
وقوله تبارك وتعالي: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٣) أي: إنما جوزوا بذلك لاعتراضهم على أحكام الله في شرعه، وليس هذا قياسا منهم للربا على البيع؛ لأن المشركين لا يعترفون بمشروعية أصل البيع الذي شرعه الله في القرآن، ولو كان هذا من باب القياس لقالوا: إنما الربا مثل البيع وإنما قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ (٤) أي هو نظيره. فلم حرم هذا وأبيح هذا؟ وهذا اعتراض منهم على الشرع أي هذا مثل هذا، وقد أحل هذا وحرم هذا.
_________________
(١) سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٧٣).
(٢) صحيح البخاري التعبير (٧٠٤٧)، مسند أحمد بن حنبل (٥/ ٩).
(٣) سورة البقرة الآية ٢٧٥
(٤) سورة البقرة الآية ٢٧٥
[ ٤٦ / ٥٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١) يحتمل أن يكون من تمام الكلام ردا عليهم، أي على ما قالوه من الاعتراض مع علمهم بتفريق الله بين هذا وهذا حكما، وهو العليم الحكيم الذي لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو العالم بحقائق الأمور ومصالحها وما ينفع عباده فيبيحه لهم وما يضرهم فينهاهم عنه، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها الطفل ولهذا قال سبحانه: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) أي من بلغه نهي الله عن الربا فانتهى حال وصول الشرع إليه فله ما سلف من المعاملة؛ لقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ (٣)، وكما قال النبي ﷺ يوم فتح مكة: «وكل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين، وأول ربا أضع ربا العباس (٤)»، ولم يأمرهم برد الزيادات المأخوذة في حال الجاهلية، بل عفا عما سلف، كما قال تعالى: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٥) قال: سعيد بن جبير والسدي: فله ما سلف: ما كان أكل من الربا قبل التحريم. وقال ابن أبي حاتم: قرأ علي محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم، عن أبي إسحاق الهمداني، عن أم يونس- يعني امرأته العالية بنت أبقع - أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت لها أم بحنة أم ولد زيد بن أرقم: يا أم المؤمنين، أتعرفين زيد بن أرقم؟ قالت: نعم. قالت: فإني بعته عبدا إلى العطاء بثمانمائة فاحتاج إلى ثمنه فاشتريته قبل
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٧٥
(٢) سورة البقرة الآية ٢٧٥
(٣) سورة المائدة الآية ٩٥
(٤) صحيح مسلم كتاب الحج (١٢١٨)، سنن أبو داود كتاب المناسك (١٩٠٥)، سنن ابن ماجه المناسك (٣٠٧٤)، سنن الدارمي كتاب المناسك (١٨٥٠).
(٥) سورة البقرة الآية ٢٧٥
[ ٤٦ / ٥٣ ]
محل الأجل بستمائة، فقالت: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت، أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إن لم يتب، قالت: فقلت أرأيت إن تركت المائتين وأخذت الستمائة، قالت: نعم: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ (١) وهذا الأثر مشهور، وهو دليل لمن حرم مسألة العينة مع ما جاء فيها من الأحاديث المذكورة المقررة في كتاب الأحكام. ولله الحمد والمنة.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ (٢) أي إلى الربا، ففعله بعد بلوغه نهي الله عنه فقد استوجب العقوبة وقامت عليه الحجة؛ ولهذا قال سبحانه ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٣) وقد قال أبو داود: حدثنا يحيى أبو داود، حدثنا يحيى بن معين، أخبرنا عبد الله بن رجاء المكي، عن عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن أبي الزبير، عن جابر قال: «لما نزلت قال رسول الله ﷺ: " من لم يذر المخابرة فليؤذن بحرب من الله ورسوله (٥)»، ورواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي خيثم، قال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وإنما حرمت المخابرة وهي المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض، والمزابنة: وهي اشتراء الرطب في رءوس النخل بالتمر على وجه الأرض، والمحاقلة: وهي اشتراء الحب في سنبله في الحقل بالحب على وجه الأرض إنما حرمت هذه الأشياء وما شاكلها؛ حسما لمادة الربا لأنه لا يعلم التساوي بين الشيئين قبل الجفاف، ولهذا قال الفقهاء:
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٧٥
(٢) سورة البقرة الآية ٢٧٥
(٣) سورة البقرة الآية ٢٧٥
(٤) صحيح البخاري المساقاة (٢٣٨١)، صحيح مسلم كتاب البيوع (١٥٣٦)، سنن الترمذي البيوع (١٢٩٠)، سنن النسائي البيوع (٤٥٢٣)، سنن أبو داود البيوع (٣٤٠٦)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ٣٩٢).
(٥) سورة البقرة الآية ٢٧٥ (٤) ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾
[ ٤٦ / ٥٤ ]
الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة، ومن هذا حرموا أشياء بما فهموا من تضييق المسالك المفضية إلى الربا والوسائل الموصلة إليه وتفاوت نظرهم بحسب ما وهب الله لكل منهم من العلم، وقد قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (١) وباب الربا من أشكل الأبواب على كثير من أهل العلم، وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: ثلاث وددت أن رسول الله ﷺ عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه: الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا - يعني بذلك بعض المسائل التي فيها شائبة الربا- والشريعة شاهدة بأن كل حرام فالوسيلة إليه مثله لأن ما أفضى إلى الحرام حرام، كما أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وقد ثبت في الصحيحين عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الحلال بين، والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه (٢)»، وفي السنن عن الحسن بن علي ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك (٣)»، وفي الحديث الآخر: «الإثم ما حاك في القلب وترددت فيه النفس وكرهت أن يطلع عليه الناس (٤)»، وفي رواية: «استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك (٥)». وقال الثوري، عن عاصم، عن الشعبي، عن ابن عباس قال: آخر ما نزل على
_________________
(١) سورة يوسف الآية ٧٦
(٢) صحيح البخاري الإيمان (٥٢)، صحيح مسلم المساقاة (١٥٩٩)، سنن الترمذي البيوع (١٢٠٥)، سنن النسائي البيوع (٤٤٥٣)، سنن أبو داود البيوع (٣٣٢٩)، سنن ابن ماجه الفتن (٣٩٨٤)، مسند أحمد بن حنبل (٤/ ٢٧٠)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٣١).
(٣) سنن الترمذي صفة القيامة والرقائق والورع (٢٥١٨)، سنن النسائي الأشربة (٥٧١١)، مسند أحمد بن حنبل (١/ ٢٠٠)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٣٢).
(٤) صحيح مسلم البر والصلة والآداب (٢٥٥٣)، سنن الترمذي الزهد (٢٣٨٩)، مسند أحمد بن حنبل (٤/ ١٨٢)، سنن الدارمي الرقاق (٢٧٨٩).
(٥) مسند أحمد بن حنبل (٤/ ٢٢٨)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٣٣).
[ ٤٦ / ٥٥ ]
رسول الله ﷺ: آية الربا رواه البخاري عن قبيصة بن عقبة. وقال أحمد: عن يحيى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، أن عمر قال: من آخر ما نزل آية الربا، وإن رسول الله ﷺ قبض قبل أن يفسرها لنا، فدعوا الربا والريبة، وقال: رواه ابن ماجه، وابن مردويه، عن طريق هياج بن بسطام عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: خطبنا عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إني لعلي أنهاكم عن أشياء تصلح لكم، وآمركم بأشياء لا تصلح لكم، وإن من آخر القرآن نزولا آية الربا، وإنه قد مات رسول الله ﷺ ولم يبينه لنا، فدعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم.
وقد قال ابن أبي عدي بالإسناد موقوفا فذكره، ورده الحاكم في مستدركه، وقد قال ابن ماجه: حدثنا عمرو بن علي الصيرفي، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن زيد، عن إبراهيم، عن مسروق، عن عبد الله هو ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: «والربا ثلاثة وسبعون بابا (١)»، ورواه الحاكم في مستدركه من حديث عمرو بن علي الفلاس بإسناد مثله، وزاد: «أيسرها أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم (٢)»، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال ابن ماجه: حدثنا عبد الله بن سعيد، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن أبي معشر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «الربا سبعون حوبا أيسرها أن ينكح الرجل أمه (٣)»، وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، عن عباد بن راشد، عن سعيد بن أبي خيرة، حدثنا
_________________
(١) سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٧٥).
(٢) سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٧٤).
(٣) سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٧٤).
[ ٤٦ / ٥٦ ]
الحسن منذ نحو من أربعين أو خمسين سنة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا " قال: قيل له: الناس كلهم؟ قال: " من لم يأكله منهم ناله من غباره (١)»، وكذا رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه من غير وجه، عن سعيد بن أبي خيرة عن الحسن به، ومن هذا القبيل- تحريم الوسائل المفضية إلى المحرمات - الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، عن عائشة قالت: «لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد فقرأهن فحرم التجارة في الخمر (٢)»، وقد أخرجه الجماعة سوى الترمذي من طرق عن الأعمش به، وهكذا لفظ رواية البخاري عند تفسير هذه الآية فحرم التجارة، وفي لفظ له عن عائشة قالت: «لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا قرأها رسول الله ﷺ على الناس ثم حرم التجارة في الخمر (٣)»، قال بعض من تكلم على هذا الحديث من الأئمة: لما حرم الربا ووسائله حرم الخمر وما يفضي إليه من تجارة ونحو ذلك، كما قال ﷺ في الحديث المتفق عليه: «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها (٤)»، وقد تقدم في حديث علي وابن مسعود وغيرهما عند لعن المحلل في تفسير قوله سبحانه: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٥)
_________________
(١) سنن النسائي البيوع (٤٤٥٥)، سنن أبو داود البيوع (٣٣٣١)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٧٨)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ٤٩٤).
(٢) صحيح البخاري تفسير القرآن (٤٥٤٠)، صحيح مسلم المساقاة (١٥٨٠)، سنن النسائي البيوع (٤٦٦٥)، سنن أبو داود البيوع (٣٤٩٠)، سنن ابن ماجه الأشربة (٣٣٨٢)، مسند أحمد بن حنبل (٦/ ١٢٧)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٦٩).
(٣) صحيح البخاري تفسير القرآن (٤٥٤٠)، صحيح مسلم المساقاة (١٥٨٠)، سنن النسائي البيوع (٤٦٦٥)، سنن أبو داود البيوع (٣٤٩٠)، مسند أحمد بن حنبل (٦/ ١٢٧)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٦٩).
(٤) صحيح البخاري أحاديث الأنبياء (٣٤٦٠)، صحيح مسلم المساقاة (١٥٨٢)، سنن النسائي الفرع والعتيرة (٤٢٥٧)، سنن ابن ماجه الأشربة (٣٣٨٣)، مسند أحمد بن حنبل (١/ ٢٥)، سنن الدارمي الأشربة (٢١٠٤).
(٥) سورة البقرة الآية ٢٣٠
[ ٤٦ / ٥٧ ]
قوله ﷺ: «لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه (١)» قالوا: وما يشهد عليه ويكتب إلا إذا أظهر في صورة عقد شرعي ويكون داخله فاسدا، فالاعتبار بمعناه لا بصورته لأن الأعمال بالنيات، وفي الصحيح: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم (٢)».
وقد صنف الإمام العلامة: أبو العباس ابن تيمية كتابا في إبطال التحليل، تضمن النهي عن تعاطي الوسائل المفضية إلى كل باطل، وقد كفى في ذلك وشفى فرحمه الله ورضي عنه.
_________________
(١) صحيح مسلم المساقاة (١٥٩٧، ١٥٩٨)، سنن الترمذي البيوع (١٢٠٦)، سنن أبو داود البيوع (٣٣٣٣)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٧٧)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ٣٠٤)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٣٥).
(٢) صحيح مسلم البر والصلة والآداب (٢٥٦٤).
[ ٤٦ / ٥٨ ]
وقال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (١) ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢).
يخبر الله تعالى أنه يمحق الربا: أي يذهبه إما: بأن يذهبه بالكلية من يد صاحبه، أو يحرمه بركة ماله فلا ينتفع به، بل يعذبه به في الدنيا ويعاقبه عليه يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٥) الآية
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٧٦
(٢) سورة البقرة الآية ٢٧٧
(٣) سورة المائدة الآية ١٠٠
(٤) سورة الأنفال الآية ٣٧
(٥) سورة الروم الآية ٣٩
[ ٤٦ / ٥٨ ]
وقال ابن جرير: في قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ (١) وهذا نظير الخبر الذي روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: (الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل)، وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد في مسنده فقال: حدثنا حجاج حدثنا شريك عن الركين بن الربيع عن أبيه عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: «إن الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل (٢)»، وقد رواه ابن ماجه عن العباس بن جعفر، عن عمرو بن عون، عن يحيى بن أبي زائدة، عن إسرائيل، عن الركين بن الربيع بن عميلة الفزاري، عن أبيه، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ أنه قال: «ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قل (٣)»
وهذا من باب المعاملة بنقيض المقصود، كما قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا الهيثم بن نافع الظاهري، حدثني أبو يحيى رجل من أهل مكة، عن فروخ مولى عثمان، أن عمر وهو يومئذ أمير المؤمنين خرج من المسجد فرأى طعاما منشورا، فقال: ما هذا الطعام؟ فقالوا: طعام جلب إلينا. قال: بارك الله فيه وفيمن جلبه. قيل: يا أمير المؤمنين إنه قد احتكر. قال: من احتكره؟ قالوا: فروخ مولى عثمان، وفلان مولى عمر، فأرسل إليهما فقال: ما حملكما على احتكار طعام المسلمين؟ قالا: يا أمير المؤمنين، نشتري بأموالنا ونبيع. فقال عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٧٦
(٢) سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٧٩)، مسند أحمد بن حنبل (١/ ٣٩٥).
(٣) سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٧٩).
[ ٤٦ / ٥٩ ]
بالإفلاس أو بجذام (١)» فقال فروخ عند ذلك: أعاهد الله وأعاهدك أن لا أعود في طعام أبدا، وأما مولى عمر فقال: إنما نشتري بأموالنا ونبيع، قال أبو يحيى: فقد رأيت مولى عمر مجذوما. ورواه ابن ماجه من حديث الهيثم بن رافع به، ولفظه: «من احتكر على المسلين طعامهم ضربه الله بالإفلاس والجذام (٢)». وقوله ﷿: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (٣) قرئ بضم الياء والتخفيف من ربا الشيء يربو وأرباه يربيه: أي كثره ونماه ينميه، وقرئ (يربي) بالضم والتشديد من التربية.
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن كثير، أخبرنا كثير سمع أبا النضر، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى يكون مثل الجبل (٤)» كذا رواه في كتاب الزكاة، وقال في كتاب التوحيد، وقال خالد بن مخلد بن سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار فذكر بإسناده نحوه، وقد رواه مسلم في الزكاة، عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن خالد بن مخلد فذكره، قال البخاري: ورواه مسلم بن أبي مريم، وزيد بن أسلم، وسهيل عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قلت: أما رواية مسلم بن أبي مريم فقد تفرد البخاري بذكرها، وأما طريق زيد بن أسلم فرواها مسلم في صحيحه، عن أبي الظاهر بن السرح، عن أبي
_________________
(١) سنن ابن ماجه التجارات (٢١٥٥)، مسند أحمد بن حنبل (١/ ٢١).
(٢) سنن ابن ماجه التجارات (٢١٥٥)، مسند أحمد بن حنبل (١/ ٢١).
(٣) سورة البقرة الآية ٢٧٦
(٤) صحيح البخاري الزكاة (١٤١٠)، صحيح مسلم الزكاة (١٠١٤)، سنن الترمذي الزكاة (٦٦١)، سنن النسائي الزكاة (٢٥٢٥)، سنن ابن ماجه الزكاة (١٨٤٢)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ٣٣١)، موطأ مالك الجامع (١٨٧٤)، سنن الدارمي الزكاة (١٦٧٥).
[ ٤٦ / ٦٠ ]
وهب، عن هشام بن سعيد عن زيد بن أسلم به، وأما حديث سهيل فرواه مسلم، عن قتيبة، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن سهيل به. والله أعلم.
قال البخاري: وقال: ورقاء عن ابن دينار، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قد أسند هذا الحديث من هذا الوجه الحافظ: أبو بكر البيهقي، عن الحاكم وغيره، عن الأصم عن العباس المروزي، عن أبي الزناد هاشم بن القاسم، عن ورقاء وهو ابن عمر اليشكري، عن عبد الله بن دينار، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إلا الطيب فإن الله يقبلها بيمينه فيربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى يكون مثل أحد (١)»، وهكذا روى هذا الحديث مسلم، والترمذي، والنسائي جميعا عن قتيبة، عن الليث بن سعد، عن سعيد المقبري، وأخرجه النسائي من رواية مالك عن يحيى بن سعيد الأنصاري، ومن طريق يحيى القطان، عن محمد بن عجلان، ثلاثتهم عن سعيد بن يسار أبي الحباب المدني، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ فذكره، وقد روي عن أبي هريرة من وجه آخر، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا وكيع، عن عباد بن منصور، حدثنا القاسم بن محمد قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ﷿ يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم
_________________
(١) صحيح البخاري الزكاة (١٤١٠)، صحيح مسلم الزكاة (١٠١٤)، سنن الترمذي الزكاة (٦٦١)، سنن النسائي الزكاة (٢٥٢٥)، سنن ابن ماجه الزكاة (١٨٤٢)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ٣٣١)، موطأ مالك الجامع (١٨٧٤)، سنن الدارمي الزكاة (١٦٧٥).
[ ٤٦ / ٦١ ]
مهره أو فلوه حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد (١)»، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (٢) وكذا رواه أحمد عن وكيع وهو في تفسير وكيع، ورواه الترمذي عن أبي كريب عن وكيع به، وقال: حسن صحيح، وكذا رواه الترمذي عن عباد بن منصور به، ورواه أحمد أيضا، عن خلف بن الوليد، عن ابن المبارك، عن عبد الواحد بن ضمرة وعباد بن منصور، كلاهما عن أبي نضرة، عن القاسم به، وقد رواه ابن جرير عن محمد بن عبد الملك بن إسحاق، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن القاسم بن محمد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن العبد إذا تصدق من طيب يقبلها الله منه فيأخذها بيمينه ويربيها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله، وإن الرجل ليتصدق باللقمة فتربو في يد الله أو قال في كف الله حتى تكون مثل أحد فتصدقوا (٣)»، وهكذا رواه أحمد عن عبد الرزاق، وهذا طريق غريب صحيح الإسناد ولكن لفظه عجيب، والمحفوظ ما تقدم، وروي عن عائشة أم المؤمنين، فقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد عن ثابت، عن القاسم بن محمد، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله ليربي لأحدكم التمرة واللقمة كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى يكون مثل أحد (٤)»، تفرد به أحمد من هذا الوجه، وقال البزار: حدثنا يحيى بن المعلى بن منصور، حدثنا إسماعيل، حدثني أبي عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة عن النبي ﷺ، وعن الضحاك بن عثمان، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الرجل ليتصدق
_________________
(١) صحيح البخاري الزكاة (١٤١٠)، صحيح مسلم الزكاة (١٠١٤)، سنن الترمذي الزكاة (٦٦٢)، سنن النسائي الزكاة (٢٥٢٥)، سنن ابن ماجه الزكاة (١٨٤٢)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ٤٠٤)، موطأ مالك الجامع (١٨٧٤)، سنن الدارمي الزكاة (١٦٧٥).
(٢) سورة البقرة الآية ٢٧٦
(٣) مسند أحمد بن حنبل (٢/ ٢٦٨).
(٤) مسند أحمد بن حنبل (٦/ ٢٥١).
[ ٤٦ / ٦٢ ]
بالصدقة من الكسب الطيب ولا يقبل الله إلا الطيب فيتلقاها الرحمن بيده فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو وصيفه "، أو قال: " فصيله (١)»، ثم قال: لا نعلم أحدا رواه عن يحيى بن سعيد، عن عمرة إلا أبا أويس.
وقوله ﷾: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (٢) أي: لا يحب كفور القلب أثيم القول والفعل، ولا بد من مناسبة في ختم هذه الآية بهذه الصفة، وهي: أن المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال ولا يكتفي بما شرع له من الكسب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل بأنواع المكاسب الخبيثة، فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم يأكل أموال الناس بالباطل، ثم قال تعالى مادحا للمؤمنين بربهم المطيعين أمره، المؤدين شكره، المحسنين إلى خلقه في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مخبرا عما أعد لهم من الكرامة وأنهم يوم القيامة من التبعات آمنون فقال:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤) ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (٥) ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٦) ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (٧).
_________________
(١) صحيح البخاري الزكاة (١٤١٠)، صحيح مسلم الزكاة (١٠١٤)، سنن الترمذي الزكاة (٦٦١)، سنن النسائي الزكاة (٢٥٢٥)، سنن ابن ماجه الزكاة (١٨٤٢)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ٥٤١)، موطأ مالك الجامع (١٨٧٤)، سنن الدارمي الزكاة (١٦٧٥).
(٢) سورة البقرة الآية ٢٧٦
(٣) سورة البقرة الآية ٢٧٧
(٤) سورة البقرة الآية ٢٧٨
(٥) سورة البقرة الآية ٢٧٩
(٦) سورة البقرة الآية ٢٨٠
(٧) سورة البقرة الآية ٢٨١
[ ٤٦ / ٦٣ ]
يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بتقواه ناهيا لهم عما يقربهم إلى سخطه ويبعدهم عن رضاه، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (١) أي خافوه وراقبوه فيما تفعلون ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ (٢) أي اتركوا ما لكم على الناس من الزيادة على رءوس الأموال بعد هذا الإنذار ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٣) أي بما شرع الله لكم من تحليل البيع وتحريم الربا وغير ذلك.
وقد ذكر زيد بن أسلم، وابن جريج، ومقاتل بن حيان، والسدي: أن هذا السياق نزل في بني عمرو بن ثقيف وبني المغيرة من بني مخزوم كان بينهم ربا في الجاهلية، فلما جاء الإسلام ودخلوا فيه طلبت ثقيف أن تأخذه منهم فتشاوروا، وقالت بنو المغيرة: لا نؤدي الربا في الإسلام بكسب الإسلام، فكتب في ذلك عتاب بن أسيد نائب مكة إلى رسول الله ﷺ فنزلت هذه الآية، فكتب بها رسول الله ﷺ إليه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤) ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٥) فقالوا: نتوب إلى الله ونذر ما بقي من الربا، فتركوه كلهم، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن استمر على تعاطي الربا بعد الإنذار، قال ابن جريج: قال ابن عباس: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾ (٦) أي فاستيقنوا بحرب من الله ورسوله، وتقدم من رواية ربيعة بن كلثوم، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب، ثم قرأ ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٧) وقال علي بن
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٧٨
(٢) سورة البقرة الآية ٢٧٨
(٣) سورة البقرة الآية ٢٧٨
(٤) سورة البقرة الآية ٢٧٨
(٥) سورة البقرة الآية ٢٧٩
(٦) سورة البقرة الآية ٢٧٩
(٧) سورة البقرة الآية ٢٧٩
[ ٤٦ / ٦٤ ]
أبي طلحة: عن ابن عباس: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١) فمن كان مقيما على الربا لا ينزع عنه كان حقا على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع وإلا ضرب عنقه، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي، عن الحسين، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا هشام بن حسان، عن الحسن وابن سيرين أنهما قالا: (والله إن هؤلاء الصيارفة لأكلة الربا، وإنهم قد آذنوا بحرب من الله ورسوله، ولو كان على الناس إمام عادل لاستتابهم فإن تابوا وإلا وضع فيهم السلاح)، وقال قتادة: أوعدهم الله بالقتل كما يسمعون وجعلهم بهرجا أينما أتوا، فإياكم ومخالطة هذه البيوع من الربا، فإن الله قد أوسع الحلال وأطابه فلا يلجئنكم إلى معصيته فاقة. رواه ابن أبي حاتم، وقال الربيع بن أنس: (أوعد الله آكل الربا بالقتل) رواه ابن جرير، وقال السهيلي: ولهذا قالت عائشة لأم بحنة مولاة زيد بن أرقم في مسألة العينة: (أخبريه أن جهاده مع النبي ﷺ قد أبطل إلا أن يتوب) فخصت الجهاد؛ لأنه ضد قوله ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٢) قال: وهذا المعنى ذكره كثير، قال: ولكن هذا إسناده إلى عائشة ضعيف.
ثم قال تعالى ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ﴾ (٣) أي بأخذ الزيادة: ولا تظلمون أي بوضع رءوس الأموال أيضا؛ بل لكم ما بذلتم من غير زيادة عليه ولا نقص منه، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الحسين بن أشكاب، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن شبيب بن غرقدة
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٧٩
(٢) سورة البقرة الآية ٢٧٩
(٣) سورة البقرة الآية ٢٧٩
[ ٤٦ / ٦٥ ]
البارقي، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أبيه قال: خطب رسول الله ﷺ في حجة الوداع فقال: «ألا إن كل ربا كان في الجاهلية موضوع عنكم كله، لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، وأول ربا موضوع ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كله (١)»، كذا وجده سليمان بن الأحوص، وقد قال ابن مردويه: حدثنا الشافعي، حدثنا معاذ بن المثنى، أخبرنا مسدد، أخبرنا أبو الأحوص، حدثنا شبيب بن غرقدة، عن سليمان بن عمرو، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون (٢)»، وكذا رواه من حديث حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي حمزة الرقاشي، عن عمرو هو ابن خارجة فذكره وقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٣) يأمر تعالى بالصبر على المعسر الذي لا يجد وفاء فقال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٤) لا كما كان أهل الجاهلية يقول أحدهم لمدينه إذا حل عليه الدين: (إما أن تقضي وإما أن تربي) ثم يندب إلى الوضع عنه ويعد على ذلك الخير والثواب الجزيل، فقال سبحانه: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٥) أي وأن تتركوا رأس المال بالكلية وتضعوه عن المدين.
_________________
(١) صحيح البخاري الحج (١٧٨٥)، صحيح مسلم كتاب الحج (١٢١٨)، سنن الترمذي الحج (٨٥٦)، سنن النسائي مناسك الحج (٢٧٦٣)، سنن أبو داود كتاب المناسك (١٩٠٥)، سنن ابن ماجه المناسك (٣٠٧٤)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ٣٢١)، موطأ مالك الحج (٨٣٦)، سنن الدارمي كتاب المناسك (١٨٥٠).
(٢) سنن الترمذي كتاب تفسير القرآن (٣٠٨٧)، سنن ابن ماجه المناسك (٣٠٥٥).
(٣) سورة البقرة الآية ٢٨٠
(٤) سورة البقرة الآية ٢٨٠
(٥) سورة البقرة الآية ٢٨٠
[ ٤٦ / ٦٦ ]