ب- أحاديث من منتقى الأخبار لأبي البركات ابن تيمية معها شرحها من نيل الأوطار للشوكاني:
عن ابن مسعود «أن النبي ﵌ لعن آكل الربا ومؤكله وشاهديه وكاتبه (١)» رواه الخمسة وصححه الترمذي غير أن لفظ النسائي «آكل الربا ومؤكله وشاهديه وكاتبه إذا علموا ذلك ملعونون على لسان محمد ﵌ يوم القيامة (٢)».
وعن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة قال: قال رسول الله ﵌: «درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية (٣)»، رواه أحمد.
حديث ابن مسعود أخرجه أيضا ابن حبان، والحاكم وصححاه، وأخرجه مسلم من حديث جابر بلفظ: «أن رسول الله ﵌ لعن آكل الربا، ومؤكله، وشاهديه هم سواء (٤)».
وفي الباب عن علي ﵇ عند النسائي، وعن أبي جحيفة تقدم في أوله البيع، وحديث عبد الله بن حنظلة، وأخرجه أيضا الطبراني في الأوسط والكبير قال في مجمع الزوائد: (ورجال أحمد رجال الصحيح). ويشهد له حديث البراء عند ابن جرير بلفظ: «الربا اثنان وستون بابا أدناها مثل إتيان الرجل أمه (٥)»، وحديث أبي هريرة عند البيهقي بلفظ: «الربا سبعون بابا أدناها الذي يقع على أمه (٦)»، وأخرج ابن جرير عنه نحوه، وكذلك
_________________
(١) صحيح مسلم المساقاة (١٥٩٧)، سنن الترمذي البيوع (١٢٠٦)، سنن أبو داود البيوع (٣٣٣٣)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٧٧)، مسند أحمد بن حنبل (١/ ٤٦٥)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٣٥).
(٢) سنن النسائي الزينة (٥١٠٢)، مسند أحمد بن حنبل (١/ ٤٦٥).
(٣) مسند أحمد بن حنبل (٥/ ٢٢٥).
(٤) صحيح مسلم المساقاة (١٥٩٨)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ٣٠٤).
(٥) سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٧٤).
(٦) سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٧٤).
[ ٤٦ / ١٠١ ]
أخرج عنه نحوه ابن أبي الدنيا. وحديث عبد الله بن مسعود عند الحاكم وصححه بلفظ: «الربا ثلاثة وسبعون بابا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم (١)».
وقوله: (آكل الربا) بمد الهمزة، ومؤكله بسكون الهمزة بعد الميم، ويجوز إبدالها واوا: أي ولعن مطعمه غيره، وسمي آخذ المال آكلا ودافعه مؤكلا؛ لأن المقصود منه الأكل وهو أعظم منفعة وسببه إتلاف أكثر الأشياء.
قوله: (وشاهديه) رواية أبي داود بالإفراد والبيهقي (وشاهديه أو شاهده).
قوله: (وكاتبه) فيه دليل على تحريم كتابة الربا إذا علم ذلك وكذلك الشاهد لا يحرم عليه الشهادة إلا مع العلم، فأما من كتب أو شهد غير عالم فلا يدخل في الوعيد، ومن جملة ما يدل على تحريم كتابة الربا وشهادته وتحليل الشهادة، والكتابة في غيره قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٣) أمر بالكتابة والإشهاد فيما أحله وفهم منه تحريمها فيما حرمه.
قوله: (أشد من ست وثلاثين. . إلخ) يدل على أن معصية الربا من أشد المعاصي لأن المعصية التي تعدل معصية الزنا هي في غاية الفظاعة والشناعة بمقدار العدد المذكور بل أشد منها.
_________________
(١) سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٧٥).
(٢) سورة البقرة الآية ٢٨٢
(٣) سورة البقرة الآية ٢٨٢
[ ٤٦ / ١٠٢ ]
ولا شك أنها قد تجاوزت الحد في القبح، وأقبح منها استطالة الرجل في عرض أخيه المسلم ولهذا جعلها الشارع أربى الربا. وبعد فالرجل يتكلم بالكلمة التي لا يجد لها لذة ولا تزيد في ماله ولا جاهه فيكون إثمه عند الله أشد من إثم من زنى ستا وثلاثين زنية. هذا ما لا يصنعه بنفسه عاقل، نسأل الله تعالى السلامة آمين آمين.
باب ما يجري فيه الربا:
عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﵌: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض. ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض. ولا تبيعوا منهما غائبا بناجز (١)» متفق عليه، وفي لفظ: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل يدا بيد. فمن زاد أو استزاد فقد أربى. الآخذ والمعطي فيه سواء (٢)» رواه أحمد والبخاري. وفي لفظ: «لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق، إلا وزنا بوزن مثلا بمثل، سواء بسواء (٣)» رواه أحمد ومسلم.
وعن أبي هريرة عن النبي ﵌ قال.
«الذهب بالذهب وزنا بوزن، مثلا بمثل، والفضة بالفضة وزنا بوزن، مثلا بمثل (٤)» رواه أحمد ومسلم والنسائي.
وعن أبي هريرة أيضا عن النبي ﵌
_________________
(١) صحيح البخاري البيوع (٢١٧٧)، صحيح مسلم المساقاة (١٥٨٤)، سنن الترمذي البيوع (١٢٤١)، سنن النسائي البيوع (٤٥٧٠)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ٤)، موطأ مالك البيوع (١٣٢٤).
(٢) صحيح البخاري البيوع (٢١٧٦، ٢٢٠٢)، صحيح مسلم المساقاة (١٥٨٤، ١٥٨٤)، سنن الترمذي البيوع (١٢٤١، ١٢٤١)، سنن النسائي البيوع (٤٥٦٥، ٤٥٦٥)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٥٧)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ٥٠، ٣/ ٩٧)، موطأ مالك البيوع (١٣٢٤، ١٣٢٤).
(٣) صحيح البخاري البيوع (٢١٧٧)، صحيح مسلم المساقاة (١٥٨٤)، سنن الترمذي البيوع (١٢٤١)، سنن النسائي البيوع (٤٥٧٠)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ٤)، موطأ مالك البيوع (١٣٢٤).
(٤) صحيح مسلم المساقاة (١٥٨٨)، سنن النسائي البيوع (٤٥٥٩)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٥٥)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ٢٣٢)، موطأ مالك البيوع (١٣٢٣).
[ ٤٦ / ١٠٣ ]
قال: «التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والملح بالملح مثلا بمثل، يدا بيد. فمن زاد أو استزاد فقد أربى إلا ما اختلفت ألوانه (١)» رواه مسلم.
وعن فضالة بن عبيد عن النبي ﵌ قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن (٢)» رواه مسلم والنسائي وأبو داود.
قوله: (الذهب بالذهب) يدخل في الذهب جميع أنواعه من مضروب ومنقوش، وجيد ورديء، وصحيح ومكسر، وحلي وتبر، وخالص ومغشوش، وقد نقل النووي وغيره الإجماع على ذلك.
قوله: (إلا مثلا بمثل) هو مصدر في موضع الحال: أي الذهب يباع بالذهب موزونا بموزون، أو مصدر مؤكد: أي يوزن وزنا بوزن. وقد جمع بين المثل والوزن في رواية مسلم المذكورة.
قوله: (ولا تشفوا) بضم أوله وكسر الشين المعجمة وتشديد الفاء رباعي من أشف والشف بالكسر: الزيادة، ويطلق على النقص والمراد هنا: لا تفضلوا.
قوله: (بناجز) بالنون والجيم والزاي أي لا تبيعوا مؤجلا بحال، ويحتمل أن يراد بالغائب أهم من المؤجل كالغائب عن المجلس مطلقا مؤجلا كان أو حالا، والناجز: الحاضر.
_________________
(١) صحيح مسلم المساقاة (١٥٨٨)، سنن النسائي البيوع (٤٥٥٩)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ٢٣٢).
(٢) صحيح مسلم المساقاة (١٥٩١)، سنن النسائي البيوع (٤٥٧٣)، سنن أبو داود البيوع (٣٣٥٣)، مسند أحمد بن حنبل (٦/ ٢٢).
[ ٤٦ / ١٠٤ ]
قوله: (والفضة بالفضة) يدخل في ذلك جميع أنواع الفضة كما سلف في الذهب.
قوله: (والبر بالبر) بضم الباء وهو الحنطة، والشعير بفتح أوله ويجوز الكسر، وهو معروف، وفيه رد على من قال: إن الحنطة والشعير صنف واحد، وهم: مالك، والليث، والأوزاعي. وتمسكوا بقوله ﵌: «الطعام بالطعام (١)» كما سيأتي، ويأتي الكلام على ذلك.
قوله: (فمن زاد. . إلخ) فيه التصريح بتحريم ربا الفضل وهو مذهب الجمهور للأحاديث الكثيرة المذكورة في الباب وغيرها فإنها قاضية بتحريم بيع هذه الأجناس بعضها ببعض متفاضلا.
وروي عن ابن عمر أنه كان يجوز ربا الفضل ثم رجع عن ذلك، وكذلك روي عن ابن عباس، واختلف في رجوعه فروى الحاكم أنه رجع عن ذلك لما ذكر له أبو سعيد حديثه الذي في الباب واستغفر الله، وكان ينهى عنه أشد النهي، وروي مثل قولهما عن أسامة بن زيد، وابن الزبير، وزيد بن أرقم، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير واستدلوا على جواز ربا الفضل بحديث أسامة عند الشيخين وغيرهما بلفظ: «إنما الربا في النسيئة (٢)». زاد مسلم في رواية عن ابن عباس: «ولا ربا فيما كان يدا بيد (٣)». وأخرج الشيخان والنسائي عن أبي المنهال قال: سألت زيد بن أرقم، والبراء بن عازب، عن الصرف؟ فقالا: «نهى
_________________
(١) صحيح مسلم المساقاة (١٥٩٢)، مسند أحمد بن حنبل (٦/ ٤٠١).
(٢) صحيح مسلم المساقاة (١٥٩٦)، سنن النسائي كتاب البيوع (٤٥٨١)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٥٧)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٨٠).
(٣) صحيح البخاري البيوع (٢١٧٦)، صحيح مسلم المساقاة (١٥٩٦)، سنن النسائي كتاب البيوع (٤٥٨١)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٥٧)، مسند أحمد بن حنبل (٥/ ٢٠٠)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٨٠).
[ ٤٦ / ١٠٥ ]
رسول الله ﵌ عن بيع الذهب بالورق دينا (١)». وأخرج مسلم عن أبي نضرة قال: سألت ابن عباس عن الصرف؟ فقال: (إلا يدا بيد) قلت: نعم، قال: (فلا بأس)، فأخبرت أبا سعيد فقال: (أوقال ذلك، إنا سنكتب إليه فلا يفتيكموه).
وله من وجه آخر عن أبي نضرة: سألت ابن عمر وابن عباس عن الصرف فلم يريا به بأسا، وإني لقاعد عند أبي سعيد، فسألته عن الصرف فقال: (ما زاد فهو ربا) فأنكرت ذلك لقولهما فذكر الحديث قال: فحدثني أبو الصبياء، أنه سأل ابن عباس عنه فكرهه.
قال في الفتح: (واتفق العلماء على صحة حديث أسامة، واختلفوا في الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد فقيل: إن حديث أسامة منسوخ، لكن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وقيل: المعنى في قوله: (لا ربا)، الربا الأغلظ الشديد التحريم المتوعد عليه العقاب الشديد كما تقول العرب: (لا عالم في البلد إلا زيد) مع أن فيها علماء غيره، وإنما القصد نفي الأكمل لا نفي الأصل، وأيضا نفي تحريم ربا الفضل من حديث أسامة إنما هو بالمفهوم، فيقدم عليه حديث أبي سعيد لأن دلالته بالمنطوق، ويحمل حديث أسامة على الربا الأكبر) اهـ.
ويمكن الجمع أيضا بأن يقال: مفهوم حديث أسامة عام؛ لأنه يدل على نفي ربا الفضل عن كل شيء سواء كان من الأجناس المذكورة في أحاديث الباب أم لا، فهو أعم منها مطلقا
_________________
(١) صحيح البخاري البيوع (٢١٨١)، صحيح مسلم كتاب المساقاة (١٥٨٩)، سنن النسائي كتاب البيوع (٤٥٧٥)، مسند أحمد بن حنبل (٤/ ٢٨٩).
[ ٤٦ / ١٠٦ ]
فيخصص هذا المفهوم بمنطوقها، وأما ما أخرجه مسلم عن ابن عباس (أنه لا ربا فيما كان يدا بيد) كما تقدم فليس ذلك مرويا عن رسول الله ﵌ حتى تكون دلالته على نفي ربا الفضل منطوقه، ولو كان مرفوعا لما رجع ابن عباس واستغفر لما حدثه أبو سعيد كما تقدم. وقد روى الحازمي رجوع ابن عباس واستغفاره عندما سمع عمر بن الخطاب وابنه عبد الله يحدثان عن رسول الله ﵌ بما يدل على تحريم ربا الفضل وقال: (حفظتما من رسول الله ﵌ ما لم أحفظ).
وروى عنه الحازمي أيضا أنه قال: (كان ذلك برأيى، وهذا أبو سعيد الخدري يحدثني عن رسول الله ﵌ فتركت رأيي إلى حديث رسول الله ﵌).
وعلى تسليم أن ذلك الذي قاله ابن عباس مرفوع فهو عام مخصص بأحاديث الباب؛ لأنها أخص منه مطلقا، وأيضا الأحاديث القاضية بتحريم ربا الفضل ثابتة عن جماعة من الصحابة في الصحيحين أو غيرهما.
قال الترمذي بعد أن ذكر حديث أبي سعيد: (وفي الباب عن أبي بكر وعمر وعثمان وأبي هريرة وهشام بن عامر والبراء وزيد بن أرقم وفضالة بن عبيد وأبي بكرة وابن عمر وأبي الدرداء وبلال) اهـ.
وقد ذكر المصنف بعض ذلك في كتابه هذا، وخرج الحافظ
[ ٤٦ / ١٠٧ ]
في التلخيص بعضها، فلو فرض معارضة حديث أسامة لها من جميع الوجوه وعدم إمكان الجمع أو الترجيح بما سلف لكان الثابت عن الجماعة أرجح من الثابت عن الواحد.
قوله: (ولا الورق بالورق) بفتح الواو وكسر الراء وبإسكانها على المشهور ويجوز فتحهما كذا في الفتح وهو الفضة، وقيل: بكسر الواو المضروبة وبفتحها المال، والمراد هنا جميع أنواع الفضة مضروبة وغير مضروبة.
قوله: (إلا وزنا بوزن مثلا بمثل سواء بسواء) الجمع بين هذه الألفاظ لقصد التأكيد أو للمبالغة.
قوله: (إلا ما اختلفت ألوانه) المراد: أنهما اختلفا في اللون اختلافا يصير به كل واحد منهما جنسا غير جنس مقابله، فمعناه معنى ما سيأتي من قوله ﵌: «إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم (١)» وسنذكر- إن شاء الله- ما يستفاد منه.
عن أبي بكرة قال: «نهى النبي ﵌ عن الفضة بالفضة والذهب بالذهب إلا سواء بسواء، وأمرنا أن نشتري الفضة بالذهب كيف شئنا، ونشتري الذهب بالفضة كيف شئنا (٢)» أخرجاه، وفيه دليل على جواز الذهب بالفضة مجازفة.
وعن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﵌: «الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا
_________________
(١) صحيح مسلم المساقاة (١٥٨٧)، سنن الترمذي البيوع (١٢٤٠)، سنن النسائي كتاب البيوع (٤٥٦٣)، سنن أبو داود البيوع (٣٣٤٩)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٥٤)، مسند أحمد بن حنبل (٥/ ٣١٤)، سنن الدارمي كتاب البيوع (٢٥٧٩).
(٢) صحيح البخاري كتاب البيوع (٢١٨٢)، صحيح مسلم المساقاة (١٥٩٠)، سنن النسائي البيوع (٤٥٧٩)، مسند أحمد بن حنبل (٥/ ٣٨).
[ ٤٦ / ١٠٨ ]
إلا هاء وهاء (١)» متفق عليه.
وعن عبادة بن الصامت عن النبي ﵌ قال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد. فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد (٢)» رواه أحمد ومسلم. وللنسائي وابن ماجه وأبي داود نحوه. وفي آخره: «وأمرنا أن نبيع البر بالشعير والشعير بالبر يدا بيد كيف شئنا (٣)»، وهو صريح في كون البر والشعير جنسين.
وعن معمر بن عبد الله قال: «كنت أسمع النبي ﵌ يقول: (٤)» الطعام بالطعام مثلا بمثل «وكان طعامنا يومئذ الشعير (٥)» رواه أحمد ومسلم.
وعن الحسن عن عبادة، وأنس بن مالك أن النبي ﵌ قال: «ما وزن مثلا بمثل إذا كان نوعا واحدا، وما كيل فمثل ذلك، فإذا اختلف النوعان فلا بأس به» رواه الدارقطني.
حديث أنس وعبادة أشار إليه في التلخيص ولم يتكلم عليه، وفي إسناده الربيع بن صبيح وثقه أبو زرعة وغيره وضعفه جماعة، وقد أخرج هذا الحديث البزار أيضا، ويشهد لصحته حديث عبادة المذكور أولا وغيره من الأحاديث.
قوله: (كيف شئنا)، هذا الإطلاق مقيد بما في حديث
_________________
(١) صحيح البخاري البيوع (٢١٣٤، ٢١٣٤)، صحيح مسلم المساقاة (١٥٨٦، ١٥٨٦)، سنن الترمذي البيوع (١٢٤٣، ١٢٤٣)، سنن النسائي البيوع (٤٥٥٨، ٤٥٥٨)، سنن أبو داود البيوع (٣٣٤٨، ٣٣٤٨)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٥٣، ٢٢٥٣)، مسند أحمد بن حنبل (١/ ٤٥، ١/ ٤٥)، موطأ مالك البيوع (١٣٣٣، ١٣٣٣)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٧٨، ٢٥٧٨).
(٢) صحيح مسلم المساقاة (١٥٨٧)، سنن الترمذي البيوع (١٢٤٠)، سنن النسائي البيوع (٤٥٦١)، سنن أبو داود البيوع (٣٣٤٩)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٥٤)، مسند أحمد بن حنبل (٥/ ٣١٤)، سنن الدارمي كتاب البيوع (٢٥٧٩).
(٣) صحيح مسلم المساقاة (١٥٨٧)، سنن الترمذي البيوع (١٢٤٠)، سنن النسائي البيوع (٤٥٦١)، سنن أبو داود البيوع (٣٣٤٩)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٥٤)، مسند أحمد بن حنبل (٥/ ٣١٤)، سنن الدارمي كتاب البيوع (٢٥٧٩).
(٤) صحيح مسلم المساقاة (١٥٩٢)، مسند أحمد بن حنبل (٦/ ٤٠١).
(٥) صحيح البخاري الزكاة (١٥١٠).
[ ٤٦ / ١٠٩ ]
عبادة، من قوله: (إذا كان يدا بيد)، فلا بد في بيع بعض الربويات من التقابض ولا سيما في الصرف وهو بيع الدراهم بالذهب وعكسه فإنه متفق على اشتراطه. وظاهر هذا الإطلاق والتفويض إلى المشيئة أنه يجوز بيع الذهب بالفضة والعكس، وكذلك سائر الأجناس الربوية إذا بيع بعضها ببعض من غير تقييد بصفة من الصفات غير صفة القبض، ويدخل في ذلك بيع الجزاف وغيره.
قوله: (إلا هاء وهاء) بالمد فيهما وفتح الهمزة، وقيل: بالكسر، وقيل بالسكون، وحكي القصر بغير همزة وخطأها الخطابي، ورد عليه النووي وقال: هي صحيحة لكن قليلة، والمعنى: خذ وهات، وحكي بزيادة كاف مكسورة ويقال: هاء بكسر الهمزة بمعنى هات، وبفتحها بمعنى خذ. وقال ابن الأثير: هاء وهاء: هو أن يقول كل واحد من البيعين: هاء فيعطيه ما في يده، وقيل: معناهما: خذ وأعط. قال: وغير الخطابي يجيز فيه السكون، وقال ابن مالك: هاء اسم فعل بمعنى خذ. وقال الخليل: هاء كلمة تستعمل عند المناولة. والمقصود من قوله هاء وهاء أن قول كل واحد من المتعاقدين لصاحبه هاء فيتقابضان في المجلس. قال: فالتقدير: لا تبيعوا الذهب بالورق إلا مقولا بين المتعاقدين هاء وهاء.
قوله: (فإذا اختلفت هذه الأصناف. . إلخ) ظاهر هذا أنه لا يجوز بيع جنس ربوي بجنس آخر إلا مع القبض، ولا يجوز
[ ٤٦ / ١١٠ ]
مؤجلا ولو اختلفا في الجنس والتقدير كالحنطة والشعير بالذهب والفضة، وقيل: يجوز مع الاختلاف المذكور وإنما يشترط التقابض في الشيئين المختلفين جنسا المتفقين تقديرا، كالفضة بالذهب، والبر بالشعير.
إذا لا يعقل التفاضل والاستواء إلا فيما كان كذلك، ويجاب بأن مثل هذا لا يصلح لتخصيص النصوص وتقييدها، وكون التفاضل والاستواء لا يعقل في المختلفين جنسا وتقديرا ممنوع، والسند أن التفاضل معقول لو كان الطعام يوزن أو النقود تكال ولو في بعض الأزمان والبلدان، ثم إنه قد يبلغ ثمن الطعام إلى مقدار من الدراهم كثير عند شدة الغلاء بحيث يعقل أن يقال: الطعام أكثر من الدراهم وما المانع من ذلك؟ وأما الاستدلال على جواز ذلك بحديث عائشة عند البخاري ومسلم وغيرهما قالت: «اشترى رسول الله ﵌ من يهودي طعاما بنسيئة. وأعطاه درعا له رهنا (١)» فلا يخفى أن غاية ما فيه أن يكون مخصصا للنص المذكور لصورة الرهن. فيجوز في هذه الصورة لا في غيرها لعدم صحة إلحاق ما لا عوض فيه عن الثمن بما فيه عوض عنه وهو الرهن. نعم إن صح الإجماع الذي حكاه المغربي في شرح بلوغ المرام فإنه قال: (وأجمع العلماء على جواز بيع الربوي بربوي لا يشاركه في العلة متفاضلا أو مؤجلا كبيع الذهب بالحنطة، وبيع الفضة بالشعير، وغيره من المكيل) اهـ.
كان ذلك هو الدليل على الجواز عند من كان يرى حجية
_________________
(١) صحيح البخاري البيوع (٢٠٦٨)، صحيح مسلم المساقاة (١٦٠٣)، سنن النسائي البيوع (٤٦٥٠)، سنن ابن ماجه الأحكام (٢٤٣٦)، مسند أحمد بن حنبل (٦/ ٤٢).
[ ٤٦ / ١١١ ]
الإجماع، وأما إذا كان الربوي يشارك مقابله في العلة. فإن كان بيع الذهب بالفضة أو العكس فقد تقدم أنه يشترط التقابض إجماعا، وإن كان في غير ذلك من الأجناس كبيع البر بالشعير أو بالتمر أو العكس فظاهر الحديث عدم الجواز وإليه ذهب الجمهور.
وقال أبو حنيفة وأصحابه وابن علية: لا يشترط. والحديث يرد عليه. وقد تمسك مالك بقوله: (إلا يدا بيد)، وبقوله: «الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء (١)» على أنه يشترط القبض في الصرف عند الإيجاب بالكلام، ولا يجوز التراخي ولو كانا في المجلس. وقال الشافعي وأبو حنيفة والجمهور: إن المعتبر التقابض في المجلس وإن تراخى عن الإيجاب، والظاهر الأول: لكن أخرج عبد الرزاق وأحمد وابن ماجه عن ابن عمر أنه سأل النبي ﵌ فقال: «اشتر الذهب بالفضة فإذا أخذت واحدا منهما فلا تفارق صاحبك وبينكما لبس (٢)» فيمكن أن يقال: إن هذه الرواية تدل على اعتبار المجلس.
قوله: (إن بيع البر بالشعير. . إلخ) فيه كما قال المصنف تصريح بأن البر والشعير جنسان وهو مذهب الجمهور، وحكي عن مالك والليث والأوزاعي كما تقدم أنها جنس واحد. وبه قال معظم علماء المدينة وهو محكي عن عمر وسعد وغيرهما من السلف وتمسكوا بقوله ﵌: «الطعام بالطعام (٣)»، كما في حديث معمر بن عبد الله المذكور.
ويجاب عنه بما في آخر الحديث من قوله: (كان طعامنا
_________________
(١) صحيح البخاري البيوع (٢١٣٤)، صحيح مسلم المساقاة (١٥٨٦)، سنن الترمذي البيوع (١٢٤٣)، سنن النسائي البيوع (٤٥٥٨)، سنن أبو داود البيوع (٣٣٤٨)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٥٣)، مسند أحمد بن حنبل (١/ ٤٥)، موطأ مالك البيوع (١٣٣٣)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٧٨).
(٢) سنن الترمذي البيوع (١٢٤٢)، سنن النسائي البيوع (٤٥٨٢)، سنن أبو داود البيوع (٣٣٥٤)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٦٢)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ١٣٩)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٨١).
(٣) صحيح مسلم المساقاة (١٥٩٢)، مسند أحمد بن حنبل (٦/ ٤٠١).
[ ٤٦ / ١١٢ ]
يومئذ الشعير)، فإنه في حكم التقييد لهذا المطلق، وأيضا التصريح بجواز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا كما في حديث عبادة، وكذلك عطف أحدهما على الآخر كما في غيره من أحاديث الباب مما لا يبقى معه ارتياب في أنهما جنسان.
واعلم أنه قد اختلف هل يلحق بهذه الأجناس المذكورة في الأحاديث غيرها؟ فيكون حكمه حكمها في تحريم التفاضل والنساء من الاتفاق في الجنس. وتحريم النساء فقط من الاختلاف في الجنس والاتفاق في العلة.
فقالت الظاهرية: إنه لا يلحق بها غيرها في ذلك، وذهب من عداهم من العلماء إلى أنه يلحق بها ما يشاركها في العلة، ثم اختلفوا في العلة ما هي؟
وقال الشافعي: هي الاتفاق في الجنس والطعم فيما عدا النقدين، وأما هما فلا يلحق بهما غيرهما من الموزونات، واستدل على اعتبار الطعم بقوله ﵌: «الطعام بالطعام (١)».
وقال مالك في النقدين كقول الشافعي وفي غيرهما العلة: الجنس والتقدير والاقتيات، وقال ربيعة: بل اتفاق الجنس ووجوب الزكاة، وقالت العترة جميعا: بل العلة في جميعها اتفاق الجنس والتقدير بالكيل والوزن، واستدلوا على ذلك بذكره ﵌ للكيل وللوزن في أحاديث الباب، ويدل على ذلك أيضا حديث أنس المذكور فإنه حكم فيه على
_________________
(١) صحيح مسلم المساقاة (١٥٩٢)، مسند أحمد بن حنبل (٦/ ٤٠١).
[ ٤٦ / ١١٣ ]
كل موزون مع اتحاد نوعه. وعلى كل مكيل كذلك بأنه مثل بمثل. فأشعر بأن الاتفاق في أحدهما مع اتحاد النوع موجب لتحريم التفاضل بعموم النص لا بالقياس، وبه يرد على الظاهرية؛ لأنهم إنما منعوا من الإلحاق لنفيهم للقياس، ومما يؤيد ذلك ما سيأتي في حديث أبي سعيد وأبي هريرة أن النبي ﵌ قال في الميزان مثل ما قال في المكيل على ما سيبينه المصنف- إن شاء الله تعالى- وإلى مثل ما ذهبت إليه العترة ذهب أبو حنيفة وأصحابه كما حكى ذلك عنه المهدي في البحر وحكي عنه أنه يقول العلة في الذهب الوزن، وفي الأربعة الباقية كونها مطعومة موزونة أو مكيلة.
والحاصل أنه قد وقع الاتفاق بين من عدا الظاهرية بأن جزء العلة الاتفاق في الجنس واختلفوا في تعيين الجزء الآخر على تلك الأقوال، ولم يعتبر أحد منهم للعدد جزءا من العلة مع اعتبار الشارع له كما في روايته من حديث أبي سعيد (ولا درهمين بدرهم)، وفي حديث عثمان عند مسلم: «لا تبيعوا الدينار بالدينارين (١)».
(وعن أبي سعيد وأبي هريرة «أن رسول الله ﵌ استعمل رجلا على خيبر فجاءهم بتمر جنيب، فقال: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة فقال: "لا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا (٢)»، وقال في الميزان مثل ذلك رواه البخاري. الحديث أخرجه أيضا مسلم.
_________________
(١) صحيح مسلم المساقاة (١٥٨٥).
(٢) صحيح البخاري الوكالة (٢٣٠٣)، صحيح مسلم المساقاة (١٥٩٣)، سنن النسائي البيوع (٤٥٥٣)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٥٦)، موطأ مالك البيوع (١٣١٥)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٧٧).
[ ٤٦ / ١١٤ ]
قوله: (رجلا) صرح أبو عوانة والدارقطني أن اسمه سواد بن غزية بمعجمة فزاي فياء مشددة كعطية.
قوله: (جنيب) بفتح الجيم وكسر النون وسكون التحتية وآخره موحدة. اختلف في تفسيره فقيل: هو الطيب، وقيل: الصلب، وقيل: ما أخرج منه حشفه ورديئه، وقيل: ما لا يختلط بغيره، وقال في القاموس: إن الجنيب تمر جيد.
قوله: (بع الجمع) بفتح الجيم وسكون الميم. قال في الفتح: هو التمر المختلط بغيره. وقال في القاموس: هو الدقل أو صنف من التمر، والحديث يدل على أنه لا يجوز بيع رديء الجنس بجيده متفاضلا، وهذا أمر مجمع عليه لا خلاف بين أهل العلم فيه، وأما سكوت الرواة عن فسخ المذكور فلا يدل على عدم الوقوع إما ذهولا وإما اكتفاء بأن ذلك معلوم، وقد ورد في بعض طرق الحديث أن النبي ﵌ قال: «هذا هو الربا» فرده كما نبه على ذلك في الفتح.
وقد استدل أيضا بهذا الحديث على جواز بيع العينة، لأن النبي ﵌ أمره أن يشتري بثمن الجمع جنيبا، ويمكن أن يكون بائع الجنيب منه هو الذي اشترى منه الجمع. فيكون قد عادت إليه الدراهم التي هي عين ماله، لأن النبي ﵌ لم يأمره بأن يشتري الجنيب من غير من باع منه الجمع وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم.
قال في الفتح: (وتعقب بأنه مطلق والمطلق لا يشمل فإذا
[ ٤٦ / ١١٥ ]
عمل به في صورة سقط الاحتجاج به في غيرها فلا يصح الاستدلال به على جواز الشراء ممن باع منه تلك السلعة بعينها) انتهى. وسيأتي الكلام على بيع العينة.
قوله: (وقال في الميزان مثل ذلك) أي مثل ما قال في المكيل من أنه لا يجوز بيع بعض الجنس منه ببعضه متفاضلا، وإن اختلفا في الجودة والرداءة بل يباع رديئه بالدراهم ثم يشترى بهذا الجيد، والمراد بالميزان هنا الموزون، وقال المصنف ﵀: وهو حجة في جريان الربا في الموزونات كلها: لأن قوله: (في الميزان) أي في الموزون وإلا فنفس الميزان ليست من أموال الربا) انتهى.
[ ٤٦ / ١١٦ ]
باب في أن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل:
عن جابر قال: «نهى رسول الله ﵌ عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم كيلها بالكيل المسمى من التمر (١)» رواه مسلم والنسائي، وهو يدل بمفهومه على أنه لو باعها بجنس غير التمر لجاز.
قوله: (الصبرة) قال في القاموس: الصبرة بالضم: ما جمع من الطعام بلا كيل ووزن. انتهى.
قوله: (لا يعلم كيلها) صفة كاشفة للصبرة: لأنه لا يقال لها صبرة إلا إذا كانت مجهولة الكيل، والحديث فيه دليل على أنه لا يجوز أن يباع جنس بجنسه. وأحدهما مجهول المقدار؛
_________________
(١) صحيح مسلم البيوع (١٥٣٠)، سنن النسائي البيوع (٤٥٤٧).
[ ٤٦ / ١١٦ ]
لأن العلم بالتساوي مع الاتفاق في الجنس شرط لا يجوز البيع بدونه. ولا شك أن الجهل بكلا البدلين أو بأحدهما فقط مظنة للزيادة والنقصان. وما كان مظنة للحرام وجب تجنبه وتجنب هذه المظنة إنما يكون بكيل المكيل ووزن الموزون من كل واحد من البدلين.
باب من باع ذهبا وغيره بذهب:
عن فضالة بن عبيد قال: «اشتريت قلادة يوم خيبر باثني عشر دينارا، فيها ذهب وخرز ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارا فذكرت ذلك للنبي ﵌ فقال: لا يباع حتى يفصل (١)» رواه مسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وصححه، وفي لفظ «أن النبي ﵌ أتي بقلادة فيها ذهب وخرز ابتاعها رجل بتسعة دنانير أو سبعة دنانير فقال النبي ﵌: "لا حتى تميز بينه وبينة" فقال: إنما أردت الحجارة. فقال النبي ﵌: "لا حتى تميز بينهما" قال: فرده حتى ميز بينهما (٢)» رواه أبو داود. الحديث قال في التلخيص: له عند الطبراني في الكبير طرق كثيرة جدا في بعضها: (قلادة فيها خرز وذهب)، وفي بعضها: (ذهب وجوهر)، وفى بعضها: (خرز وذهب)، وفي بعضها: (خرز معلقة بذهب)، وفي بعضها: (باثني عشر دينارا)، وفي بعضها: (بتسعة دنانير)، وفي أخرى: (بسبعة دنانير)، وأجاب البيهقي عن هذا الاختلاط بأنها كانت بيوعا شهدها فضالة.
_________________
(١) صحيح مسلم المساقاة (١٥٩١)، سنن النسائي البيوع (٤٥٧٣)، سنن أبو داود البيوع (٣٣٥١)، مسند أحمد بن حنبل (٦/ ٢١).
(٢) صحيح مسلم المساقاة (١٥٩١)، سنن النسائي البيوع (٤٥٧٣)، سنن أبو داود البيوع (٣٣٥١)، مسند أحمد بن حنبل (٦/ ١٩).
[ ٤٦ / ١١٧ ]
قال الحافظ: (والجواب المسدد عندي أن هذا الاختلاف لا يوجب ضعفا، بل المقصود من الاستدلال محفوظ لا اختلاف فيه وهو النهي عن بيع ما لم يفصل. وأما جنسها وقدر ثمنها فلا يتعلق به في هذه الحال ما يوجب الحكم بالاضطراب، وحينئذ ينبغي الترجيح بين رواتها، وإن كان الجميع ثقات فيحكم بصحة رواية أحفظهم وأضبطهم فتكون رواية الباقين بالنسبة إليه شاذة) انتهى، وبعض هذه الروايات التي ذكرها الطبراني في صحيح مسلم وسنن أبي داود.
قوله: (ففصلتها) بتشديد الصاد. الحديث استدل به على أنه لا يجوز بيع الذهب مع غيره بذهب حتى يفصل من ذلك الغير ويميز عنه ليعرف مقدار الذهب المتصل بغيره، ومثله الفضة مع غيرها بفضة، وكذلك سائر الأجناس الربوية لاتحادها في العلة وهي تحريم بيع الجنس بجنسه متفاضلا، ومما يرشد إلى استواء الأجناس الربوية في هذا ما تقدم من النهي عن بيع الصبرة من التمر بالكيل المسمى من التمر، أو كذلك نهيه عن بيع التمر بالرطب خرصا لعدم التمكن من معرفة التساوي على التحقيق وكذلك في مثل مسألة القلادة يتعذر الوقوف على التساوي من دون فصل، ولا يكفي مجرد الفصل بل لا بد من معرفة مقدار المفصول والمقابل له من جنسه.
وإلى العمل بظاهر الحديث ذهب عمر بن الخطاب، وجماعة من السلف، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، ومحمد بن الحكم المالكي، وقالت الحنفية، والثوري، والحسن بن صالح، والعترة:
[ ٤٦ / ١١٨ ]
إنه يجوز إذا كان الذهب تابعا لغيره بأن يكون الثلث فما دون، وقال حماد بن أبي سليمان: إنه يجوز بيع الذهب مع غيره بالذهب مطلقا سواء كان المنفصل مثل المتصل أو أقل أو أكثر، واعتذرت الحنفية ومن قال بقولهم عن الحديث: بأن الذهب كان أكثر من المنفصل واستدلوا بقوله: (ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارا) والثمن إما سبعة أو تسعة، وأكثر ما روي أنه اثنا عشر، وأجيب عن ذلك بما تقدم عن البيهقي من أن القصة التي شهدها فضالة كانت متعددة فلا يصح التمسك بما وقع في بعضها وإهدار البعض الآخر، وأجيب أيضا: بأن العلة هي عدم الفصل، وظاهر ذلك عدم الفرق بين المساوي والأقل والأكثر والغنيمة وغيرها، وبهذا يجاب عن الخطابي حيث قال: إن سبب النهي كون تلك القلادة كانت من الغنائم مخافة أن يقع المسلمون في بيعها.
وقد أجاب الطحاوي عن الحديث بأنه مضطرب. قال السبكي: وليس ذلك باضطراب قادح ولا ترد الأحاديث الصحيحة بمثل ذلك. انتهى.
وقد عرفت مما تقدم أنه لا اضطراب في محل الحجة والاضطراب في غيره لا يقدح فيه. وبهذا يجاب أيضا على ما قاله مالك.
وأما ما ذهب إليه حماد بن أبي سليمان فمردود بالحديث على جميع التقادير. ولعله يعتذر عنه بمثل ما قال الخطابي أو لم يبلغه. قوله: (حتى تميز) بضم تاء المخاطب في أوله وتشديد
[ ٤٦ / ١١٩ ]
الياء المكسورة بعد الميم.
قوله: (إنما أردت الحجارة) يعني الخرز الذي في القلادة ولم أرد الذهب.
باب مرد الكيل والوزن:
وعن ابن عمر عن النبي ﵌ قال: «المكيال مكيال أهل المدينة والوزن وزن أهل مكة (١)» رواه أبو داود والنسائي. الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري، وأخرجه أيضا البزار، وصححه ابن حبان، والدارقطني، وفي رواية عن ابن عباس مكان ابن عمر.
قوله: (المكيال مكيال أهل المدينة. . إلخ) فيه دليل على أنه يرجع عند الاختلاف في الكيل إلى مكيال المدينة. وعند الاختلاف في الوزن إلى ميزان مكة، أما مقدار ميزان مكة فقال ابن حزم: بحثت غاية البحث عن كل من وثقت بتمييزه فوجدت كلا يقول: إن دينار الذهب بمكة وزنه اثنتان وثمانون حبة وثلاثة أعشار حبة بالحب من الشعير، والدرهم سبعة أعشار المثقال. فوزن الدرهم سبع وخمسون حبة وستة أعشار حبة وعشر حبة. فالرطل: مائة وثمانية وعشرون درهما بالدرهم المذكور، وأما مكيال المدينة فقد قدمنا تحقيقه في الفطرة. ووقع في رواية لأبي داود من طريق الوليد بن مسلم عن حنظلة بن أبي سفيان الجهمي قال: وزن المدينة ومكيال مكة. والرواية المذكورة في الباب من طريق سفيان الثوري عن حنظلة عن طاوس عن ابن عمر وهي
_________________
(١) سنن النسائي الزكاة (٢٥٢٠)، سنن أبو داود البيوع (٣٣٤٠).
[ ٤٦ / ١٢٠ ]
أصح. وأما الرواية التي ذكرها أبو داود، عن ابن عباس فرواها أيضا الدارقطني من طريق أبي أحمد الزبيري، عن سفيان، عن حنظلة، عن طاوس، عن ابن عباس، ورواه من طريق أبي نعيم، عن الثوري، عن حنظلة، عن سالم بدل طاوس، عن ابن عباس قال الدارقطني: أخطأ أبو أحمد فيه.
[ ٤٦ / ١٢١ ]
ومن أحاديثه أيضا مع شرحها من نيل الأوطار:
عن ابن عباس قال: «قدم النبي ﵌ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم (١)» رواه الجماعة، وهو حجة في السلم في منقطع الجنس حالة العقد. قوله: (كتاب السلم) هو بفتح السين المهملة واللام كالسلف وزنا ومعنى، وحكي في الفتح عن الماوردي أن السلف لغة أهل العراق، والسلم لغة أهل الحجاز. وقيل: السلف: تقديم رأس المال. والسلم: تسليمه في المجلس. فالسلف أعم.
قال في الفتح: والسلم شرعا: (بيع موصوف في الذمة) وزيد في الحد (ببدل يعطى عاجلا) وفيه نظر؛ لأنه ليس داخلا في حقيقته. قال: واتفق العلماء على مشروعيته إلا ما حكي عن ابن المسيب. واختلفوا في بعض شروطه. واتفقوا على أنه يشترط له ما يشترط للبيع وعلى تسلم رأس المال في المجلس. واختلفوا هل هو عقد غرر جوز للحاجة أم لا؟ ا. هـ.
قوله: (يسلفون) بضم أوله. قوله: (السنة والسنتين)
_________________
(١) صحيح البخاري السلم (٢٢٥٣)، صحيح مسلم المساقاة (١٦٠٤)، سنن الترمذي البيوع (١٣١١)، سنن النسائي البيوع (٤٦١٦)، سنن أبو داود البيوع (٣٤٦٣)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٨٠)، مسند أحمد بن حنبل (١/ ٣٥٨)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٨٣).
[ ٤٦ / ١٢١ ]
في رواية البخاري: (عامين أو ثلاثة) والسنة: بالنصب على الظرفية أو المصدر، وكذلك لفظ سنتين وعامين.
قوله: (في كيل معلوم) احترز بالكيل عن السلم في الأعيان وبقوله: (معلوم) عن المجهول من المكيل والموزون. وقد كانوا في المدينة حين قدم النبي ﵌ يسلمون في ثمار نخيل بأعيانها فنهاهم عن ذلك لما فيه من الغرر. إذ قد تصاب تلك النخيل بعاهة فلا تثمر شيئا.
قال الحافظ: (واشتراط تعيين الكيل فيما يسلم فيه من المكيل متفق عليه من أجل اختلاف المكاييل إلا أن لا يكون في البلد سوى كيل واحد فإنه ينصرف إليه عند الإطلاق).
قوله: (إلى أجل معلوم) فيه دليل على اعتبار الأجل في السلم. وإليه ذهب الجمهور. وقالوا: (لا يجوز السلم حالا) وقالت الشافعية: (يجوز قالوا: لأنه إذا جاز مؤجلا مع الغرر فجوازه حالا أولى وليس ذكر الأجل في الحديث لأجل الاشتراط بل معناه إن كان لأجل فليكن معلوما وتعقب بالكتابة فإن التأجيل شرط فيها) وأجيب بالفرق؛ لأن الأجل في الكتابة شرع لعدم قدرة العبد غالبا، واستدل الجمهور على اعتبار التأجيل بما أخرجه الشافعي والحاكم وصححه عن ابن عباس أنه قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل قد أحله الله في كتابه وأذن فيه ثم قرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (١).
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٨٢
[ ٤٦ / ١٢٢ ]
يجاب: بأن هذا يدل على جواز السلم إلى أجل، ولا يدل على أنه لا يجوز إلا مؤجلا، وبما أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عباس أنه قال: (لا تسلف إلى العطاء ولا إلى الحصاد واضرب أجلا) ويجاب بأن هذا ليس بحجة لأنه موقوف عليه.
وكذلك يجاب من قول أبي سعيد الذي علقه البخاري ووصله عبد الرزاق بلفظ: (السلم بما يقوم به السعر ربا ولكن السلف في كيل معلوم إلى أجل وقد اختلف الجمهور في مقدار الأجل فقال أبو حنيفة: لا فرق بين الأجل القريب والبعيد، وقال أصحاب مالك: لا بد من أجل تتغير فيه الأسواق وأقله عندهم ثلاثة أيام، وكذا عند الهادوية، وعند ابن القاسم خمسة عشر يوما، وأجاز مالك السلم إلى العطاء والحصاد ومقدم الحاج، ووافقه أبو ثور، واختار ابن خزيمة تأقيته إلى الميسرة، واحتج بحديث عائشة: «أن النبي ﵌ بعث إلى يهودي: ابعث إلي ثوبين إلى الميسرة (١)» وأخرجه النسائي، وطعن ابن المنذر في صحته وليس في ذلك دليل على المطلوب؛ لأن التنصيص على نوع من أنواع الأجل لا ينفى غيره، وقال المنصور بالله: أقله أربعون يوما، وقال الناصر: أقله ساعة. والحق ما ذهبت إليه الشافعية من عدم اعتبار الأجل لعدم ورود دليل يدل عليه فلا يلزم التعبد بحكم بدون دليل، وأما ما يقال من أنه يلزم مع عدم الأجل أن يكون بيعا للمعدوم ولم يرخص فيه إلا في السلم ولا فارق بينه وبين البيع إلا الأجل، فيجاب عنه: بأن الصيغة فارقة وذلك كاف.
_________________
(١) سنن الترمذي البيوع (١٢١٣)، سنن النسائي البيوع (٤٦٢٨).
[ ٤٦ / ١٢٣ ]
واعلم أن للسلم شروطا غير ما اشتمل عليه الحديث مبسوطة في كتب الفقه، ولا حاجة لنا في التعرض لما لا دليل عليه إلا أنه وقع الإجماع على اشتراط معرفة صفة الشيء المسلم فيه على وجه يتميز بتلك المعرفة عن غيره.
(وعن عبد الرحمن بن أبزى، وعبد الله بن أبي أوفى قالا: «كنا نصيب المغانم من رسول الله ﵌، وكان يأتينا أنباط من أنباط الشام فنسلفهم في الحنطة والشعير والزيت إلى أجل مسمى، قيل: أكان لهم زرع أو لم يكن؟ قالا: ما كنا نسألهم عن ذلك (١)» رواه أحمد والبخاري، وفي رواية: «كنا نسلف على عهد النبي ﵌ وأبي بكر وعمر في الحنطة والشعير والزيت والتمر وما نراه عندهم (٢)» رواه الخمسة إلا الترمذي.
(وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﵌: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره (٣)» رواه أبو داود وابن ماجه.
(وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵌: «من أسلف شيئا فلا يشرط على صاحبه غير قضائه». وفي لفظ: «من أسلف في شيء فلا يأخذ إلا ما أسلف فيه أو رأس ماله» رواهما الدارقطني. واللفظ الأول: دليل امتناع الرهن والضمين فيه، والثاني: يمنع الإقالة في البعض.
حديث أبي سعيد في إسناده عطية بن سعد العوفي. قال
_________________
(١) صحيح البخاري السلم (٢٢٥٥)، سنن النسائي البيوع (٤٦١٥)، سنن أبو داود البيوع (٣٤٦٤)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٨٢)، مسند أحمد بن حنبل (٤/ ٣٨٠).
(٢) صحيح البخاري السلم (٢٢٤٣)، سنن النسائي البيوع (٤٦١٤)، سنن أبو داود البيوع (٣٤٦٤)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٨٢)، مسند أحمد بن حنبل (٤/ ٣٨٠).
(٣) سنن أبو داود البيوع (٣٤٦٨)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٨٣).
[ ٤٦ / ١٢٤ ]
المنذري: لا يحتج بحديثه.
قوله: (ابن أبزى) بالموحدة والزاي على وزن أعلى وهو الخزاعي أحد صغار الصحابة ولأبيه أبزى صحبة، (قوله: أنباط) جمع نبط: وهم قوم معروفون كانوا ينزلون بالبطائح من العراق قاله الجوهري، وأصلهم قوم من العرب دخلوا في العجم واختلطت أنسابهم وفسدت ألسنتهم، ويقال لهم: النبط بفتحتين والنبيط بفتح أوله وكسر ثانيه وزيادة تحتانية وإنما سموا بذلك لمعرفتهم بإنباط الماء؛ أي استخراجه لكثرة معالجتهم الفلاحة، وقيل هم نصارى الشام، وهم عرب دخلوا في الروم ونزلوا بوادي الشام، ويدل على هذا قوله: (من أنباط الشام) وقيل: هم الطائفتان: طائفة اختلطت بالعجم ونزلوا البطائح، وطائفة اختلطت بالروم ونزلوا الشام.
قوله: (فنسلفهم) بضم النون وإسكان السين المهملة وتخفيف اللام من الإسلاف. وقد تشدد اللام مع فتح السين من التسليف. قوله: (ما كنا نسألهم عن ذلك) فيه دليل على أنه لا يشترط في المسلم فيه أن يكون عند المسلم إليه وذلك مستفاد من تقريره ﵌ مع ترك الاستفصال. قال ابن رسلان: وأما المعدوم عند المسلم إليه وهو موجود عند غيره فلا خلاف في جوازه.
قوله: (وما نراه عندهم) لفظ أبي داود: (إلى قوم ما هو عندهم) أي ليس عندهم أصل من أصول الحنطة والشعير والتمر والزبيب، وقد اختلف العلماء في جواز السلم فيما ليس بموجود
[ ٤٦ / ١٢٥ ]
في وقت السلم إذا أمكن وجوده في وقت حلول الأجل، فذهب إلى جوازه الجمهور قالوا: ولا يضر انقطاعه قبل الحلول، وقال أبو حنيفة: لا يصح فيما ينقطع قبله، بل لا بد أن يكون موجودا من العقد إلى المحل، ووافقه الثوري والأوزاعي فلو أسلم في شيء فانقطع في محله لم ينفسخ عند الجمهور، وفي وجه للشافعية ينفسخ. واستدل أبو حنيفة ومن معه بما أخرجه أبو داود عن ابن عمر.
«أن رجلا أسلف رجلا في نخل فلم يخرج تلك السنة شيئا فاختصما إلى النبي ﵌. فقال: "بم تستحل ماله؟ اردد عليه ماله، ثم قال لا تسلفوا في النخل حتى يبدو صلاحه (١)». وهذا نص في التمر. وغيره قياس عليه. ولو صح هذا الحديث لكان المصير إليه أولى؛ لأنه صريح في الدلالة على المطلوب، بخلاف حديث عبد الرحمن بن أبزى، وعبد الله بن أبي أوفى فليس فيه إلا مظنة التقرير منه ﵌ مع ملاحظة تنزيل ترك الاستفصال منزلة العموم، ولكن حديث ابن عمر هذا في إسناده رجل مجهول فإن أبا داود رواه، عن محمد بن سفيان، عن كثير عن أبي إسحاق عن رجل نجراني عن ابن عمر، ومثل هذا لا تقوم به حجة، قال القائلون بالجواز: ولو صح هذا الحديث لحمل على بيع الأعيان أو على السلم الحال عند من يقول به أو على ما قرب أجله. قالوا: ومما يدل على الجواز ما تقدم من أنهم كانوا يسلفون في الثمار السنتين والثلاث، ومن المعلوم أن الثمار لا تبقى هذه المدة، ولو اشترط الوجود لم يصح السلم في الرطب إلى هذه المدة، وهذا أولى ما يتمسك به في الجواز.
_________________
(١) صحيح البخاري السلم (٢٢٤٨)، سنن أبو داود البيوع (٣٤٦٧)، موطأ مالك البيوع (١٣٤٤).
[ ٤٦ / ١٢٦ ]
قوله: (فلا يصرفه إلى غيره) الظاهر أن الضمير راجع إلى المسلم فيه لا إلى ثمنه الذي هو رأس المال، والمعنى: أنه لا يحل جعل المسلم فيه ثمنا لشيء قبل قبضه ولا يجوز بيعه قبل القبض: أي لا يصرفه إلى شيء غير عقد السلم، وقيل: الضمير راجع إلى رأس مال السلم، وعلى ذلك حمله ابن رسلان في شرح السنن وغيره. أي ليس له صرف رأس المال في عوض آخر كأن يجعله ثمنا لشيء آخر. فلا يجوز له ذلك حتى يقبضه. وإلى ذلك ذهب مالك، وأبو حنيفة، والهادوية، والمؤيد بالله، وقال الشافعي وزفر: يجوز ذلك؛ لأنه عوض عن مستقر في الذمة فجاز كما لو كان قرضا، ولأنه مال عاد إليه بفسخ العقد على فرض تعذر السلم فيه فجاز أخذ العوض عنه، كالثمن في المبيع إذا فسخ العقد.
قوله: (فلا يشرط على صاحبه غير قضائه) فيه دليل على أنه لا يجوز شيء من الشروط في عقد السلم غير القضاء. واستدل به المصنف على امتناع الرهن. وقد روي عن سعيد بن جبير أن الرهن في المسلم هو الربا المضمون. وقد روي نحو ذلك عن ابن عمر، والأوزاعي، والحسن، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، ورخص فيه الباقون. واستدلوا بما في الصحيح من حديث عائشة «أن النبي ﵌ اشترى طعاما من يهودي نسيئة ورهنه درعا من حديد (١)». وقد ترجم عليه البخاري: باب الرهن في السلم، وترجم عليه أيضا في كتاب السلم: باب الكفيل في السلم، واعترض عليه الإسماعيلي بأنه
_________________
(١) صحيح البخاري البيوع (٢٠٦٨)، صحيح مسلم المساقاة (١٦٠٣)، سنن النسائي البيوع (٤٦٥٠)، سنن ابن ماجه الأحكام (٢٤٣٦)، مسند أحمد بن حنبل (٦/ ٤٢).
[ ٤٦ / ١٢٧ ]
ليس في هذا الحديث ما ترجم به ولعله أراد إلحاق الكفيل بالرهن؛ لأنه حق ثبت الرهن به فجاز أخذ الكفيل به. والخلاف في الكفيل كالخلاف في الرهن.
قوله: (فلا يأخذ إلا ما أسلف فيه. . إلخ) فيه دليل لمن قال: إنه لا يجوز صرف رأس المال إلى شيء آخر، وقد تقدم الخلاف في ذلك.
[ ٤٦ / ١٢٨ ]
ومن أحاديث المنتقى مع شرحها من نيل الأوطار:
(باب النهي عن بيع ما لا يملكه ليمضي فيشتريه ويسلمه)
عن حكيم بن حزام قال: «قلت: يا رسول الله يأتيني الرجل فيسألني عن البيع ليس عندي ما أبيعه منه ثم أبتاعه من السوق فقال: لا تبع ما ليس عندك (١)» رواه الخمسة.
الحديث أخرجه أيضا ابن حبان في صحيحه، وقال الترمذي: (حسن صحيح وقد روي من غير وجه عن حكيم) انتهى.
وفي بعض طرقه عبد الله بن عصمة. زعم عبد الحق أنه ضعيف جدا، ولم يتعقبه ابن القطان، بل نقل عن ابن حزم أنه مجهول. وقال الحافظ: (وهو جرح مردود فقد روى عنه ذلك ثلاثة كما في التلخيص. وقد احتج به النسائي. وفي الباب عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عند أبي داود والترمذي، وصححه، والنسائي، وابن ماجه قال: قال رسول الله ﵌: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك (٢)».
_________________
(١) سنن الترمذي البيوع (١٢٣٢)، سنن النسائي البيوع (٤٦١٣)، سنن أبو داود البيوع (٣٥٠٣)، سنن ابن ماجه التجارات (٢١٨٨)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ٤٠٢)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٦٠).
(٢) سنن الترمذي البيوع (١٢٣٤)، سنن النسائي البيوع (٤٦١١)، سنن أبو داود البيوع (٣٥٠٤)، سنن ابن ماجه التجارات (٢١٨٨)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٦٠).
[ ٤٦ / ١٢٨ ]
قوله: (ما ليس عندك) أي ما ليس في ملكك وقدرتك، والظاهر أنه يصدق على العبد المغصوب الذي لا يقدر على انتزاعه ممن هو في يده، وعلى الآبق الذي لا يعرف مكانه، والطير المنفلت الذي لا يعتاد رجوعه. ويدل على ذلك معنى (عند) لغة قال الرضي: (إنها تستعمل في الحاضر القريب وما هو في حوزتك وإن كان بعيدا) انتهى.
فيخرج عن هذا ما كان غالبا خارجا عن الملك أو داخلا فيه خارجا عن الحوزة، وظاهره أنه يقال لما كان حاضرا وإن كان خارجا عن الملك. فمعنى قوله ﵌: «لا تبع ما ليس عندك (١)» أي ما ليس حاضرا عندك ولا غائبا في ملكك وتحت حوزتك.
قال البغوي: النهي في هذا الحديث عن بيوع الأعيان التي لا يملكها، أما بيع شيء موصوف في ذمته فيجوز فيه السلم بشروط، فلو باع شيئا موصوفا في ذمته عام الوجود عند المحل المشروط في البيع جاز، وإن لم يكن المبيع موجودا في ملكه حالة العقد كالسلم.
قال: وفي معنى بيع ما ليس عنده في الفساد بيع الطير المنفلت الذي لا يعتاد رجوعه إلى محله فإن اعتاد الطائر أن يعود ليلا لم يصح عند الأكثر إلا النحل، فإن الأصح فيه الصحة كما قاله النووي في زيادات الروضة، وظاهر النهي تحريم ما لم يكن في ملك الإنسان ولا داخلا تحت مقدرته، وقد استثنى من ذلك السلم فتكون أدلة جوازه مخصصة لهذا العموم، وكذلك إذا كان
_________________
(١) سنن الترمذي البيوع (١٢٣٢)، سنن النسائي البيوع (٤٦١٣)، سنن أبو داود البيوع (٣٥٠٣)، سنن ابن ماجه التجارات (٢١٨٨)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ٤٠٢).
[ ٤٦ / ١٢٩ ]
المبيع في ذمة المشتري إذ هو كالحاضر المقبوض.
ثم قال: باب النهي عن بيع الدين بالدين وجوازه بالعين ممن هو عليه:
عن ابن عمر «أن النبي ﵌ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ» رواه الدارقطني، وعن ابن عمر قال «أتيت النبي ﵌ فقلت: إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير. فقال: "لا بأس أن تأخذ بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء (١)» رواه الخمسة. وفي لفظ بعضهم: «أبيع بالدنانير، وآخذ مكانها الورق، وأبيع بالورق، وآخذ مكانها الدنانير (٢)» وفيه دليل على جواز التصرف في الثمن قبل قبضه، وإن كان في مدة الخيار وعلى أن خيار الشرط لا يدخل الصرف.
الحديث الأول صححه الحاكم على شرط مسلم وتعقب بأنه تفرد به موسى بن عبيدة الربذي كما قال الدارقطني وابن عدي، وقد قال فيه أحمد: لا تحل الرواية عنه عندي ولا أعرف هذا الحديث عن غيره، وقال: ليس في هذا أيضا حديث يصح. ولكن إجماع الناس على أنه لا يجوز بيع دين بدين.
وقال الشافعي: (أهل الحديث يوهنون هذا الحديث) اهـ. ويؤيده ما أخرجه الطبراني عن رافع بن خديج أن النبي ﵌ «نهى عن بيع كالئ بكالئ دين بدين» ولكن في إسناده موسى المذكور فلا يصلح شاهدا.
_________________
(١) سنن الترمذي البيوع (١٢٤٢)، سنن النسائي البيوع (٤٥٨٢)، سنن أبو داود البيوع (٣٣٥٤)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٦٢)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ١٣٩)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٨١).
(٢) سنن الترمذي البيوع (١٢٤٢)، سنن النسائي البيوع (٤٥٨٢)، سنن أبو داود البيوع (٣٣٥٤)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٦٢)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ٨٤)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٨١).
[ ٤٦ / ١٣٠ ]
والحديث الثاني صححه الحاكم، وأخرجه ابن حبان، والبيهقي وقال الترمذي: "لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث سماك بن حرب وذكر أنه روي عن ابن عمر موقوفا)، وأخرجه النسائي موقوفا عليه أيضا.
قال البيهقي: (والحديث تفرد برفعه سماك بن حرب) وقال شعبة: (رفعه لنا سماك وأنا أفرقه).
قوله: (الكالئ بالكالئ) وهو مهموز. قال الحاكم عن أبي الوليد حسان: هو بيع النسيئة بالنسيئة، كذا نقله أبو عبيد في الغريب، وكذا نقله الدارقطني عن أهل اللغة وروى البيهقي عن نافع قال: (هو بيع الدين بالدين).
وفيه دليل على عدم جواز بيع الدين بالدين، وهو إجماع كما حكاه أحمد في كلامه السابق، وكذا لا يجوز بيع كل معدوم بمعدوم.
قوله: (بالبقيع) قال الحافظ: (بالباء الموحدة كما وقع عند البيهقي في بقيع الغرقد)، قال النووي: (ولم يكن إذ ذلك قد كثرت فيه القبور). وقال ابن باطيش: (لم أر من ضبطه والظاهر أنه بالنون) حكي ذلك عنه في التلخيص وابن رسلان في شرح السنن.
قوله: (لا بأس. . إلخ) فيه دليل على جواز الاستدلال عن الثمن الذي في الذمة بغيره، وظاهره أنهما غير حاضرين جميعا
[ ٤٦ / ١٣١ ]
بل الحاضر أحدهما وهو غير اللازم فيدل على أن ما في الذمة كالحاضر.
قوله: (ما لم تفترقا وبينكما شيء) فيه دليل على أن جواز الاستدلال مقيد بالتقابض في المجلس؛ لأن الذهب والفضة مالان ربويان فلا يجوز أحدهما بالآخر إلا بشرط وقوع التقابض في المجلس وهو محكي عن عمر وابنه عبد الله ﵄، والحسن، والحكم، وطاوس، والزهري، ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي، وأحمد وغيرهم، وروي عن ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن المسيب، وهو أحد قولي الشافعي أنه مكروه: أي الاستبدال المذكور، والحديث يرد عليهم.
واختلف الأولون فمنهم من قال: (يشترط أن يكون بسعر يومها كما وقع في الحديث) وهو مذهب أحمد، وقال أبو حنيفة والشافعي: (إنه يجوز بسعر يومها وأغلى أو أرخص) وهو خلاف ما في الحديث من قوله: "بسعر يومها" وهو أخص من حديث: «إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد (١)» فيبنى العام على الخاص.
_________________
(١) صحيح مسلم المساقاة (١٥٨٧)، سنن الترمذي البيوع (١٢٤٠)، سنن النسائي كتاب البيوع (٤٥٦٣)، سنن أبو داود البيوع (٣٣٤٩)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٥٤)، مسند أحمد بن حنبل (٥/ ٣١٤)، سنن الدارمي كتاب البيوع (٢٥٧٩).
[ ٤٦ / ١٣٢ ]
باب نهي المشتري عن بيع ما اشتراه قبل قبضه:
عن جابر قال: قال رسول الله ﵌: «إذا ابتعت طعاما فلا تبعه حتى تستوفيه (١)» رواه أحمد ومسلم.
وعن أبي هريرة قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وآله
_________________
(١) صحيح مسلم البيوع (١٥٢٩)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ٣٢٧).
[ ٤٦ / ١٣٢ ]
وسلم أن يشترى الطعام ثم يباع حتى يستوفى (١)» رواه أحمد ومسلم، ولمسلم أن النبي ﵌ قال: «من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يكتاله (٢)»، وعن حكيم بن حزام قال: «قلت: يا رسول الله، إني أشتري بيوعا، فما يحل لي منها وما يحرم علي؟ قال: "إذا اشتريت شيئا فلا تبعه حتى تقبضه (٣)» رواه أحمد.
وعن زيد بن ثابت: «أن النبي ﵌ نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحرزها التجار إلى رحالهم (٤)» رواه أبو داود والدارقطني.
وعن ابن عمر قال: «كانوا يبتاعون الطعام جزافا بأعلى السوق فنهاهم رسول الله ﵌ أن يبيعوه حتى ينقلوه (٥)» رواه الجماعة إلا الترمذي وابن ماجه. وفي لفظ في الصحيحين: (حتى يحولوه) والجماعة إلا الترمذي: «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه (٦)» ولأحمد: «من اشترى طعاما بكيل ووزن فلا يبعه بقبضه (٧)» ولأبي داود، والنسائي: «نهى أن يبيع أحد طعاما اشتراه بكيل حتى يستوفيه (٨)».
وعن ابن عباس أن النبي ﵌ قال: «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه (٩)» قال ابن عباس: (ولا أحسب كل شيء إلا مثله) رواه الجماعة إلا الترمذي، وفي لفظ في الصحيحين: «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يكتاله (١٠)».
حديث حكيم بن حزام أخرجه أيضا الطبراني في الكبير وفي
_________________
(١) صحيح مسلم البيوع (١٥٢٨)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ٣٢٩).
(٢) صحيح مسلم البيوع (١٥٢٨)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ٣٤٩).
(٣) سنن الترمذي البيوع (١٢٣٢)، سنن النسائي البيوع (٤٦٠٣)، سنن أبو داود البيوع (٣٥٠٣)، سنن ابن ماجه التجارات (٢١٨٧)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ٤٠٢).
(٤) صحيح البخاري البيوع (٢١٢٤)، صحيح مسلم البيوع (١٥٢٦)، سنن النسائي البيوع (٤٦٠٦)، سنن أبو داود البيوع (٣٤٩٩)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٢٩)، مسند أحمد بن حنبل (١/ ٥٦)، موطأ مالك البيوع (١٣٣٧)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٥٩).
(٥) صحيح البخاري البيوع (٢١٦٧)، صحيح مسلم البيوع (١٥٢٦)، سنن النسائي البيوع (٤٦٠٦)، سنن أبو داود البيوع (٣٤٩٩)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٢٩)، مسند أحمد بن حنبل (١/ ٥٦)، موطأ مالك العتق والولاء (١٥٢٠)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٥٩).
(٦) صحيح البخاري البيوع (٢١٣٣)، صحيح مسلم البيوع (١٥٢٦)، سنن النسائي البيوع (٤٥٩٦)، سنن أبو داود البيوع (٣٤٩٩)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٢٩)، مسند أحمد بن حنبل (١/ ٥٦)، موطأ مالك البيوع (١٣٣٦)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٥٩).
(٧) صحيح البخاري البيوع (٢١٢٤)، صحيح مسلم البيوع (١٥٢٦)، سنن النسائي البيوع (٤٦٠٤)، سنن أبو داود البيوع (٣٤٩٥)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٢٦)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ١١١)، موطأ مالك البيوع (١٣٣٥)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٥٩).
(٨) صحيح البخاري البيوع (٢١٢٤)، صحيح مسلم البيوع (١٥٢٦)، سنن النسائي البيوع (٤٦٠٤)، سنن أبو داود البيوع (٣٤٩٥)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٢٩)، مسند أحمد بن حنبل (١/ ٥٦)، موطأ مالك البيوع (١٣٣٧)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٥٩).
(٩) صحيح البخاري البيوع (٢١٢٤)، صحيح مسلم البيوع (١٥٢٦)، سنن النسائي البيوع (٤٦٠٦)، سنن أبو داود البيوع (٣٤٩٩)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٢٩)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ٢٢)، موطأ مالك البيوع (١٣٣٧)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٥٩).
(١٠) صحيح البخاري البيوع (٢١٢٦)، صحيح مسلم البيوع (١٥٢٦)، سنن النسائي البيوع (٤٥٩٦)، سنن أبو داود البيوع (٣٤٩٢)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٢٦)، مسند أحمد بن حنبل (١/ ٥٦)، موطأ مالك البيوع (١٣٣٥)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٥٩).
[ ٤٦ / ١٣٣ ]
إسناده العلاء بن خالد الواسطي، وثقه ابن حسان، وضعفه موسى بن إسماعيل، وقد أخرج النسائي بعضه وهو طرف من حديثه المتقدم في باب النهي عن بيع ما لا يملكه. وحديث زيد بن ثابت أخرجه أيضا الحاكم وصححه، وابن حبان وصححه أيضا.
قوله: (إذا ابتعت طعاما) وكذا قوله في الحديث الثاني: (نهى رسول الله ﵌. . إلخ) وكذا قوله: (من اشترى طعاما) وكذلك بقية فيه التصريح بمطلق الطعام في حديث الباب في جميعها دليل على أنه لا يجوز لمن اشترى طعاما أن يبيعه حتى يقبضه من غير فرق بين الجزاف وغيره، وإلى هذا ذهب الجمهور، وروي عن عثمان البتي أنه يجوز بيع كل شيء قبل قبضه، والأحاديث ترد عليه، فإن النهي يقتضي التحريم بحقيقته، ويدل على الفساد المرادف للبطلان كما تقرر في الأصول.
وحكي في الفتح عن مالك في المشهور عنه الفرق بين الجزاف وغيرهن فأجاز بيع الجزاف قبل قبضه، وبه قال الأوزاعي وإسحاق، واحتجوا بأن الجزاف يرى فيكفي فيه التخلية، والاستبقاء إنما يكون في مكيل أو موزون. وقد روى أحمد من حديث ابن عمر مرفوعا: «من اشترى طعاما بكيل أو وزن فلا يبيعه حتى يقبضه (١)» رواه أبو داود، والنسائي بلفظ: «نهى أن يبيع أحد طعاما اشتراه بكيل حتى يستوفيه (٢)» كما ذكره المصنف.
وللدارقطني من حديث جابر: «نهى الرسول ﵌ عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان: صاع
_________________
(١) صحيح البخاري البيوع (٢١٢٤)، صحيح مسلم البيوع (١٥٢٦)، سنن النسائي البيوع (٤٦٠٤)، سنن أبو داود البيوع (٣٤٩٥)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٢٦)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ١١١)، موطأ مالك البيوع (١٣٣٥)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٥٩).
(٢) صحيح البخاري البيوع (٢١٢٤)، صحيح مسلم البيوع (١٥٢٦)، سنن النسائي البيوع (٤٦٠٤)، سنن أبو داود البيوع (٣٤٩٥)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٢٩)، مسند أحمد بن حنبل (١/ ٥٦)، موطأ مالك البيوع (١٣٣٧)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٥٩).
[ ٤٦ / ١٣٤ ]
البائع وصاع المشتري (١)» ونحوه للبزار من حديث أبي هريرة، قال في الفتح: بإسناد حسن. قالوا: وفي ذلك دليل على أن القبض إنما يكون شرطا في المكيل والموزون دون الجزاف، واستدل الجمهور بإطلاق أحاديث الباب وبنص حديث ابن عمر فإنه صرح فيه بأنهم كانوا يبتاعون جزافا الحديث- ويدل لما قالوا حديث حكيم بن حزام المذكورة لأنه يعم كل مبيع، ويجاب عن حديث ابن عمر وجابر اللذين احتج بهما مالك ومن معه: بأن التنصيص على كون الطعام المنهي عن بيعه مكيلا أو موزونا لا يستلزم عدم ثبوت الحكم في غيره. نعم لو لم يوجد في الباب إلا الأحاديث التي فيها إطلاق لفظ الطعام لأمكن أن يقال إنه يحمل المطلق على المقيد بالكيل والوزن. وأما بعد التصريح بالنهي عن بيع الجزاف قبل قبضه كما في حديث ابن عمر فيحتم المصير إلى أن حكم الطعام متحد من غير فرق بين الجزاف وغيره، ورجح صاحب (ضوء النهار) أن هذا الحكم: أعني تحريم بيع الشيء قبل قبضه مختص بالجزاف دون المكيل والموزون وسائر المبيعات من غير الطعام، وحكي هذا عن مالك.
ويجاب عنه بما تقدم من إطلاق الطعام والتصريح بما هو أعم منه كما في حديث حكيم، والتنصيص على تحريم بيع المكيل من الطعام والموزون كما في حديث ابن عمر وجابر، وما حكاه عن مالك خلاف ما حكاه عنه غيره، فإن صاحب الفتح حكي عنه ما تقدم، وهو مقابل لما حكاه عنه، وكذلك يروي عن مالك ما يخالف ذلك ابن دقيق العيد، وابن القيم، وابن رشد في
_________________
(١) سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٢٨).
[ ٤٦ / ١٣٥ ]
بداية المجتهد وغيرهم. وقد سبق صاحب (ضوء النهار) إلى هذا المذهب ابن المنذر، ولكنه لم يخصص بعض الطعام دون بعض. بل سوى بين الجزاف وغيره، ونفى اعتبار القبض عن غير الطعام. وقد حكى ابن القيم في: (بدائع الفوائد) عن أصحاب مالك، كقول ابن المنذر، ويكفي في رد هذا المذهب حديث حكيم فإنه يشمل بعمومه غير الطعام، وحديث زيد بن ثابت فإنه مصرح بالنهي في السلع، وقد استدل من خصص هذا الحكم بالطعام لما في البخاري من حديث ابن عمر: «أن النبي ﵌ اشترى من عمر بكرا كان ابنه راكبا عليه، ثم وهبه لابنه قبل قبضه» ويجاب عن هذا بأنه خارج عن محل النزاع لأن البيع معاوضة بعوض، وكذلك الهبة إذا كانت بعوض وهذه الهبة الواقعة من النبي ﵌ ليست على عوض. وغاية ما في الحديث جواز التصرف في المبيع قبل قبضه بالهبة بغير عوض، ولا يصح الإلحاق للبيع وسائر التصرفات بذلك؛ لأنه مع كونه فاسد الاعتبار قياس مع الفارق، وأيضا قد تقرر في الأصول أن النبي ﵌ إذا أمر الأمة أو نهاها أمرا أو نهيا خاصا بها ثم فعل ما يخالف ذلك ولم يقم دليل يدل على التأسي في ذلك الفعل بخصوصه كان مختصا به لأن هذا الأمر أو النهي الخاصين بالأمة في مسألة مخصوصة هما أخص من أدلة التأسي العامة مطلقا فيبنى العام على الخاص، وذهب بعض المتأخرين إلى تخصيص التصرف الذي نهى عنه قبل القبض بالبيع دون غيره، قال: (فلا يحل البيع ويحل غيره من التصرفات) وأراد بذلك الجمع بين
[ ٤٦ / ١٣٦ ]
أحاديث الباب وحديث شرائه ﵌ للبكر ولكنه يعكر عليه أن ذلك يستلزم إلحاق جميع التصرفات التي بعوض وبغير عوض، كالهبة بغير عوض، وهو إلحاق مع الفارق، وأيضا إلحاقها بالهبة المذكورة دون البيع الذي وردت بمنعه الأحاديث تحكم، والأولى الجمع بإلحاق التصرفات بعوض بالبيع، فيكون فعلها قبل القبض غير جائز، وإلحاق التصرفات والتي لا عوض فيها بالهبة المذكورة وهذا هو الراجح.
ولا يشكل عليه ما قدمنا من أن ذلك الفعل مختص بالنبي ﵌: لأن ذلك إنما هو على طريق التنزل مع ذلك القائل، بعد فرض أن فعله ﵌ يخالف ما دلت عليه أحاديث الباب، وقد عرفت أنه لا مخالفة فلا اختصاص.
ويشهد لما ذهبنا إليه إجماعهم على صحة الوقف والعتق قبل القبض.
ويشهد له أيضا ما علل به النهي فإنه أخرج البخاري عن طاوس قال: (قلت لابن عباس: كيف ذلك؟ قال: دراهم بدراهم، والطعام مرجا) استفهمه عن سبب النهي، فأجابه بأنه إذا باعه المشتري قبل القبض وتأخر المبيع في يد البائع فكأنه باع دراهم بدراهم، ويبين ذلك ما أخرجه مسلم عن ابن عباس أنه قال لما سأله طاوس: (ألا تراهم يبتاعون بالذهب والطعام مرجا)؛ وذلك لأنه إذا اشترى طعامه بمائة دينار ودفعها للبائع ولم يقبض منه الطعام، ثم باع الطعام إلى آخر بمائة وعشرين مثلا فكأنه اشترى بذهبه ذهبا أكثر منه، ولا يخفى أن مثل هذه العلة لا تنطبق على ما كان من التصرفات
[ ٤٦ / ١٣٧ ]
بغير عوض، وهذا التعليل أجود ما علل به النهى؛ لأن الصحابة أعرف بمقاصد الرسول ﵌ ولا شك أن المنع من كل تصرف قبل القبض من غير فرق بين ما كان بعوض وما لا عوض فيه لا دليل عليه إلا الإلحاق لسائر التصرفات بالبيع، وقد عرفت بطلان إلحاق ما لا عوض فيه بما فيه عوض، ومجرد صدق اسم التصرف على الجميع لا يجعله مسوغا للقياس عارف بعلم الأصول.
قوله: (حتى يحوزها التجار إلى رحالهم) فيه دليل على أنه لا يكفي مجرد القبض، بل لا بد من تحويله إلى المنزل الذي يسكن فيه المشتري أو يضع فيه بضاعته، وكذلك يدل على هذا قوله في الرواية الأخرى: (حتى يحولوه)، وكذلك ما وقع في بعض طرق مسلم عن ابن عمر بلفظ: «كنا نبتاع الطعام فبعث علينا رسول الله ﵌ من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه (١)» وقد قال صاحب الفتح أنه لا يعتبر الإيواء إلى الرحال، لأن الأمر به خرج مخرج الغالب، ولا يخفى أن هذه دعوى تحتاج إلى برهان، لأنه مخالفة لما هو الظاهر، ولا عذر لمن قال: أنه يحمل المطلق على المقيد من المصير إلى ما دلت إليه هذه الروايات.
قوله: (جزافا) بتثليث الجيم والكسر أفصح من غيره وهو ما لم يعلم قدره على التفصيل، قال ابن قدامة: (يجوز بيع الصبرة جزافا لا نعلم فيه خلافا إذا جهل البائع والمشتري قدرها).
_________________
(١) صحيح البخاري البيوع (٢١٢٤)، صحيح مسلم البيوع (١٥٢٧)، سنن النسائي البيوع (٤٦٠٥)، سنن أبو داود البيوع (٣٤٩٣)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٢٩)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ١١٣)، موطأ مالك البيوع (١٣٣٧)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٥٩).
[ ٤٦ / ١٣٨ ]
قوله: (ولا أحسب كل شيء إلا مثله) استعمل ابن عباس القياس، ولعله لم يبلغه النص المقتضي لكون سائر الأشياء كالطعام كما سلف.
قوله: (حتى يكتاله) قيل: المراد بالاكتيال: القبض والاستيفاء كما في سائر الروايات، ولكنه لما كان الأغلب في الطعام ذلك صرح بلفظ الكيل وهو خلاف الظاهر كما عرفت، والظاهر أن من اشترى شيئا مكايلة أو موازنة فلا يكون قبضه إلا بالكيل والوزن فإن قبضه جزافا كان فاسدا، وبهذا قال الجمهور كما حكاه الحافظ عنهم في الفتح، ويدل عليه حديث اختلاف الصاعين.
باب النهي عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان:
عن جابر قال: «نهى النبي ﵌ عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان: صاع البائع وصاع المشتري (١)» رواه ابن ماجه، والدارقطني.
وعن عثمان قال: «كنت أبتاع التمر من بطن من اليهود يقال لهم بنو قينقاع وأبيعه بربح فبلغ ذلك النبي ﵌ فقال: "يا عثمان، إذا ابتعت فاكتل إذا بعت فكل (٢)» رواه أحمد، وللبخاري مثله بغير إسناد كلام النبي ﵌. حديث جابر أخرجه أيضا البيهقي، وفي إسناده ابن أبي ليلى قال البيهقي: (وقد روي من وجه آخر).
وفي الباب عن أبي هريرة عند البزار بإسناد حسن، وعن أنس، وابن عباس عند ابن عدي بإسنادين ضعيفين جدا كما قال الحافظ.
_________________
(١) سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٢٨).
(٢) سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٣٠)، مسند أحمد بن حنبل (١/ ٦٢).
[ ٤٦ / ١٣٩ ]
وحديث عثمان أخرجه عبد الرزاق، ورواه الشافعي، وابن أبي شيبة، والبيهقي عن الحسن عن النبي ﵌ مرسلا، قال البيهقي: (روي موصولا من أوجه إذا ضم بعضها إلى بعض قوي) وقال في (مجمع الزوائد): إسناده حسن. واستدل بهذه الأحاديث على أن من اشترى شيئا مكايلة وقبضه ثم باعه إلى غيره لم يجز تسليمه بالكيل الأول حتى يكيله على من اشتراه ثانيا. وإليه ذهب الجمهور كما حكاه في الفتح عنهم.
قال: (وقال عطاء: يجوز بيعه بالكيل الأول مطلقا) وقيل: إن باعه بنقد جاز بالكيل الأول، وإن باعه بنسيئة لم يجز بالأول. والظاهر ما ذهب إليه الجمهور من غير فرق بين بيع وبيع للأحاديث المذكورة في الباب التي تفيد بمجموعها ثبوت الحجة، وهذا إنما هو إذا كان الشراء مكايلة، وأما إذا كان جزافا فلا يعتبر الكيل المذكور عندما يبيعه المشتري.
(انتهى القسم الأول ويليه القسم الثاني في العدد ٤٧)
[ ٤٦ / ١٤٠ ]