٦ - ويمكن أن يضاف إلى ذلك، أن الأمي: هو المنسوب إلى ما عليه جبلته الأولى، يوم ولدته أمه، فهو لا يزال على فطرته السليمة، لم يفسد، ولم ينحرف، ولم يتغير.
وعليه، فإن (الأمة الأمية): هي الأمة التي لا تزال على فطرتها التي فطرها الله عليها، وعلى جبلتها الأولى، لم تنلها يد الفساد ورياح الانحراف، في مجال الطبائع والأخلاق والسلوك، كما نالت غيرها من الأمم الأخرى.
[ ٤٥ / ١٦٦ ]
وقد كان العرب في جاهليتهم أسلم الأمم، من غوائل الانحراف وعوادي الفساد، في الطبائع والنفس والأخلاق والسلوك، مع وجود ظواهر من هذا القبيل لا تنكر، إلا أنها - على كل حال - لا تقاس بالمفاسد والانحرافات، التي كانت عليها الأمم الأخرى، والتي وصل بها الحد إلى إباحة نكاح الأم والأخت، وتقديم الزوجة للضيف، بل وعبادة الفرج والنار، واتخاذ الزنا والبغاء سنة محمودة ووضعا سائدا لا يستنكر، بل إن حال العرب الجاهليين - في أخلاقهم وسلوكياتهم وعاداتهم وشعائرهم - هو أسلم بكثير من حال كثير من الأمم التي تعيش على ظهر الأرض اليوم، وتدعي أنها بلغت من التقدم والحضارة والرقي، ما تفخر به على باقي أمم الأرض، وتتيه وتختال.
وهذا ما يفسر قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (١).
وقوله - ﷺ - فيما رواه عبد الله بن عمر ﵄، أنه قال: «إن الله ﷿ خلق الخلق، فاختار من الخلق بني آدم، واختار من بني آدم العرب، واختار من العرب مضر، واختار من مضر قريشا، واختار من قريش بني هاشم، واختارني من بني هاشم، فأنا خيار من خيار، فمن أحب العرب فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم (٢)».
_________________
(١) سورة الأنعام الآية ١٢٤
(٢) ذكره ابن تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم ص ١٥٥)، تحقيق محمد حامد فقي، الطبعة الثانية، مكتبة السنة المحمدية، وذكره محب الدين الخطيب في كتابه (مع الرعيل الأول ص (١٩)، الطبعة السابعة ١٣٩٩ هـ، وقال: (قال الحافظ العراقي: وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم في المستدرك، ورواه من غير هذا الإسناد أيضا، وروي نحوه من حديث أبي هريرة، ورواه الطبراني في الأوسط وقال: حديث صحيح)
[ ٤٥ / ١٦٧ ]
وهذه الأمة، لا تزال إلى اليوم أقرب أمم الأرض إلى الفطرة، رغم ما اعتراها من مفاسد وانحراف، فإنها - أيضا - لا تقاس بما عليه الأمم الأخرى، من عظيم المفاسد ومقيت الشرور والانحرافات.
[ ٤٥ / ١٦٨ ]