صفحة فارغة
[ ٤٦ / ٦ ]
الافتتاحية
هكذا حج رسول الله ﷺ واعتمر
سماحة الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أيها المسلمون من حجاج بيت الله الحرام:
أسأل الله لنا ولكم التوفيق لما يرضيه، والعافية من مضلات الفتن، كما أسأله سبحانه أن يوفقكم جميعا لأداء مناسككم على الوجه الذي يرضيه، وأن يتقبل منكم وأن يردكم إلى بلادكم سالمين موفقين إنه خير مسئول.
أيها المسلمون: إن وصيتي للجميع هي: تقوى الله سبحانه في جميع الأحوال، والاستقامة على دينه والحذر من أسباب غضبه. وإن أهم الفرائض وأعظم الواجبات هو توحيد الله والإخلاص له في جميع العبادات، مع العناية باتباع رسوله ﷺ في الأقوال والأعمال، وأن تؤدوا مناسك الحج وسائر العبادات على الوجه الذي شرعه الله لعباده على لسان رسوله وخليله وصفوته من خلقه، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله ﷺ وإن أعظم المنكرات وأخطر الجرائم هو الشرك بالله سبحانه، وهو صرف
[ ٤٦ / ٧ ]
العبادة أو بعضها لغيره سبحانه؛ لقول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١)، وقوله سبحانه يخاطب نبيه محمدا ﷺ: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢).
حجاج بيت الله الحرام: إن نبينا ﷺ لم يحج بعد هجرته إلى المدينة إلا حجة واحدة وهي حجة الوداع، وذلك في آخر حياته ﷺ، وقد علم الناس فيها مناسكهم بقوله وفعله، وقال لهم ﷺ: «خذوا عني مناسككم (٣)».
فالواجب على المسلمين جميعا أن يتأسوا به في ذلك، وأن يؤدوا مناسكهم على الوجه الذي شرعه لهم؛ لأنه ﷺ هو المعلم المرشد وقد بعثه الله رحمة للعالمين، وحجة على العباد أجمعين، وأمر الله عباده بأن يطيعوه، وبين أن اتباعه هو سبب دخول الجنة والنجاة من النار، وأنه الدليل على صدق حب العبد لربه، وعلى حب الله للعبد، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٥)، وقال ﷿: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٦)، وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٧)
_________________
(١) سورة النساء الآية ٤٨
(٢) سورة الزمر الآية ٦٥
(٣) سنن النسائي مناسك الحج (٣٠٦٢).
(٤) سورة الحشر الآية ٧
(٥) سورة النور الآية ٥٦
(٦) سورة النساء الآية ٨٠
(٧) سورة الأحزاب الآية ٢١
[ ٤٦ / ٨ ]
وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١) ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٢)، وقال ﷿: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤) والآيات في هذا المعنى كثيرة.
فوصيتي لكم جميعا ولنفسي: تقوى الله في جميع الأحوال، والصدق في متابعة نبيه محمد ﷺ في أقواله وأفعاله، لتفوزوا بالسعادة والنجاة في الدنيا والآخرة.
حجاج بيت الله الحرام، إن نبينا محمدا ﷺ لما كان يوم الثامن من ذي الحجة توجه من مكة المكرمة إلى منى ولم يأمر بطواف الوداع، فدل ذلك على أن السنة لمن أراد الحج من أهل مكة وغيرهم من المقيمين فيها، ومن المحلين من عمرتهم وغيرهم من الحجاج أن يتوجهوا إلى منى في اليوم الثامن ملبين بالحج،
_________________
(١) سورة النساء الآية ١٣
(٢) سورة النساء الآية ١٤
(٣) سورة الأعراف الآية ١٥٨
(٤) سورة آل عمران الآية ٣١
[ ٤٦ / ٩ ]
وليس عليهم أن يذهبوا إلى المسجد الحرام للطواف بالكعبة طواف الوداع.
ويستحب للمسلم عند إحرامه بالحج أن يفعل ما يفعله في الميقات عند الإحرام من الغسل والطيب والتنظيف، كما أمر النبي ﷺ عائشة بذلك لما أرادت الإحرام بالحج، وكانت قد أحرمت بالعمرة فأصابها الحيض عند دخول مكة، وتعذر عليها الطواف قبل خروجها إلى منى، فأمرها ﷺ أن تغتسل وتهل بالحج ففعلت ذلك، فصارت قارنة بين الحج والعمرة.
وقد صلى رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ في منى الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، والفجر، قصرا دون جمع، وهذا هو السنة تأسيا به ﷺ، ويسن للحجاج في هذه الرحلة أن يشتغلوا بالتلبية، وبذكر الله ﷿، وقراءة القرآن، وغير ذلك من وجوه الخير: كالدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإحسان إلى الفقراء. فلما طلعت الشمس يوم عرفة توجه ﷺ وأصحابه ﵃ إلى عرفات منهم من يلبي ومنهم من يكبر، فلما وصل عرفات نزل بقبة من شعر ضربت له بنمرة غربي عرفة واستظل بها ﵊، فدل ذلك على جواز أن يستظل الحجاج بالخيام والشجر ونحوها.
فلما زالت الشمس ركب دابته ﵊ وخطب الناس وذكرهم وعلمهم مناسك حجهم، وحذرهم من الربا وأعمال الجاهلية، وأخبرهم أن دماءهم وأموالهم وأعراضهم عليهم حرام،
[ ٤٦ / ١٠ ]
وأمرهم بالاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وأخبرهم أنهم لن يضلوا ما داموا معتصمين بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
فالواجب على جميع المسلمين أن يلتزموا بهذه الوصية، وأن يستقيموا عليها أينما كانوا، ويجب على حكام المسلمين جميعا أن يعتصموا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وأن يحكموهما في جميع شئونهم، وأن يلزموا شعوبهم بالتحاكم إليهما، وذلك هو طريق العزة والكرامة والسعادة والنجاة في الدنيا والآخرة. وفق الله الجميع لذلك.
ثم إنه ﷺ صلى بالناس الظهر والعصر قصرا وجمعا، جمع تقديم بأذان وإقامتين بعد زوال الشمس، ولم يصل بينهما شيئا، ثم توجه إلى الموقف واستقبل القبلة ووقف على دابته يذكر الله ويدعوه ويرفع يديه بالدعاء حتى غابت الشمس، وكان مفطرا ذلك اليوم. فعلم بذلك أن المشروع للحجاج أن يفعلوا كفعله ﷺ في عرفات، وأن يشتغلوا بذكر الله والدعاء والتلبية إلى غروب الشمس، وأن يرفعوا أيديهم بالدعاء، وأن يكونوا مفطرين لا صائمين، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما من يوم أكثر عتقا من النار من يوم عرفة وإنه سبحانه ليدنو فيباهي بهم ملائكته (١)»، وروي عنه ﷺ: «أن الله يقول يوم عرفة لملائكته: انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا يرجون رحمتي، أشهدكم أني قد غفرت لهم (٢)»، وصح عنه ﷺ أنه قال: «وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف (٣)»، ثم إن رسول الله ﷺ بعد الغروب توجه ملبيا إلى مزدلفة وصلى بها المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين، بأذان واحد
_________________
(١) صحيح مسلم الحج (١٣٤٨)، سنن النسائي مناسك الحج (٣٠٠٣)، سنن ابن ماجه المناسك (٣٠١٤).
(٢) مسند أحمد بن حنبل (٢/ ٢٢٤).
(٣) صحيح مسلم الحج (١٢١٨)، سنن أبو داود المناسك (١٩٠٧).
[ ٤٦ / ١١ ]
وإقامتين قبل حط الرحال، ولم يصل بينهما شيئا. فدل ذلك على أن المشروع لجميع الحجاج المبادرة بصلاة المغرب والعشاء جمعا وقصرا بأذان واحد وإقامتين، من حين وصولهم إلى مزدلفة قبل حط الرحال، ولو كان ذلك في وقت المغرب تأسيا به ﷺ وعملا بسنته. ثم بات بها وصلى بها الفجر مع سنتها بأذان وإقامة. ثم أتى المشعر فذكر الله عنده وكبره وهلله ودعا ورفع يديه وقال: «وقفت هاهنا وجمع كلها موقف (١)»، فدل ذلك على أن جميع مزدلفة موقف للحجاج، يبيت كل حاج في مكانه ويذكر الله ويستغفره في مكانه، ولا حاجة إلى أن يتوجه إلى موقف النبي ﷺ.
وقد رخص النبي ﷺ ليلة مزدلفة للضعفة أن ينصرفوا إلى منى بليل، فدل ذلك: على أنه لا حرج على الضعفة؛ من النساء، والمرضى، والشيوخ، ومن تبعهم في التوجه من مزدلفة إلى منى في النصف الأخير من الليل عملا بالرخصة وحذرا من مشقة الزحمة. ويجوز لهم أن يرموا الجمرة ليلا، كما ثبت ذلك عن أم سلمة وأسماء بنت أبي بكر ﵃.
وذكرت أسماء بنت أبي بكر ﵄ أن النبي ﷺ أذن للنساء بذلك، ثم إنه ﷺ بعدما أسفر جدا دفع إلى منى ملبيا، فقصد جمرة العقبة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم نحر هديه، ثم حلق رأسه، ثم طيبته عائشة ﵂، ثم توجه إلى البيت فطاف به.
«وسئل ﷺ في يوم النحر عمن ذبح قبل أن يرمي، ومن حلق
_________________
(١) صحيح مسلم الحج (١٢١٨).
[ ٤٦ / ١٢ ]
قبل أن يذبح، ومن أفاض إلى البيت قبل أن يرمي، فقال: لا حرج، قال الراوي: فما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج (١)».
فعلم بهذا أن السنة للحجاج أن يبدءوا برمي الجمرة يوم العيد ثم ينحروا إذا كان عليهم هدي، ثم يحلقوا أو يقصروا والحلق أفضل من التقصير؛ فإن النبي ﷺ دعا بالمغفرة والرحمة ثلاث مرات للمحلقين ومرة واحدة للمقصرين، وبذلك يحصل للحاج التحلل الأول، فيلبس المخيط ويتطيب، ويباح له كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا النساء، ثم يذهب إلى البيت فيطوف به في يوم العيد أو بعده، ويسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعا، وبذلك يحل له كل شيء حرم عليه بالإحرام حتى النساء.
أما إن كان الحاج مفردا أو قارنا فإنه يكفيه السعي الأول والذي أتى به مع طواف القدوم، فإن لم يسع مع طواف القدوم وجب عليه أن يسعى مع طواف الإفاضة.
ثم رجع ﷺ إلى منى فأقام بها بقية يوم العيد واليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، يرمي الجمرات كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال، يرمي كل جمرة بسبع حصيات ويكبر مع كل حصاة ويدعو ويرفع يديه بعد الفراغ من الجمرة الأولى والثانية ويجعل الأولى عن يساره حين الدعاء والثانية عن يمينه ولا يقف عند الثالثة، ثم دفع ﷺ في اليوم الثالث عشر بعد رمي الجمرات فنزل بالأبطح وصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء.
ثم نزل إلى مكة في آخر الليل وصلى الفجر بالناس- عليه
_________________
(١) صحيح البخاري الحج (١٧٣٦)، صحيح مسلم الحج (١٣٠٦)، سنن الترمذي الحج (٩١٦)، سنن أبو داود المناسك (٢٠١٤)، سنن ابن ماجه المناسك (٣٠٥١)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ١٩٢)، موطأ مالك الحج (٩٥٩)، سنن الدارمي المناسك (١٩٠٧).
[ ٤٦ / ١٣ ]
الصلاة والسلام- وطاف للوداع قبل الصلاة، ثم توجه بعد الصلاة إلى المدينة في صبيحة اليوم الرابع عشر، عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم.
فعلم من ذلك؛ أن السنة للحاج أن يفعل كفعله ﷺ في أيام منى، فيرمي الجمار الثلاث بعد الزوال، في كل يوم، كل واحدة بسبع حصيات، ويكبر مع كل حصاة، ويشرع له أن يقف بعد رميه الأولى ويستقبل القبلة ويدعو يرفع يديه ويجعلها عن يساره ويقف بعد رمي الثانية كذلك ويجعلها عن يمينه، وهذا مستحب وليس بواجب، ولا يقف بعد رمي الثالثة، فإن لم يتيسر له الرمي بعد الزوال وقبل غروب الشمس رمى في الليل عن اليوم الذي غابت شمسه إلى آخر الليل في أصح قولي العلماء؛ رحمة من الله سبحانه بعباده وتوسعة عليهم، ومن شاء أن يتعجل في اليوم الثاني عشر بعد رمي الجمار فلا بأس، ومن أحب أن يتأخر حتى يرمي الجمار في اليوم الثالث عشر فهو أفضل، لكونه موافقا لفعل النبي ﷺ.
والسنة للحاج أن يبيت في منى ليلة الحادي عشر والثاني عشر. وهذا المبيت واجب عند كثير من أهل العلم، ويكفي أكثر الليل إذا تيسر ذلك، ومن كان له عذر شرعي، كالسقاة والرعاة ونحوهم فلا مبيت عليه، أما ليلة الثالث عشر فلا يجب على الحجاج أن يبيتوها بمنى إذا تعجلوا ونفروا من منى قبل الغروب في اليوم الثاني عشر، أما من أدركه المبيت بمنى فإنه يبيت ليلة الثالث عشر ويرمي الجمار بعد الزوال ثم ينفر، وليس على أحد
[ ٤٦ / ١٤ ]
رمي بعد الثالث عشر ولو أقام بمنى.
ومتى أراد الحاج السفر إلى بلاده وجب عليه أن يطوف بالبيت للوداع سبعة أشواط، لقول النبي ﷺ: «لا ينفر أحد منكم حتى يكون آخر عهده بالبيت (١)»، إلا الحائض والنفساء فلا وداع عليه، لما ثبت عن ابن عباس ﵄ قال: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض (٢)» متفق على صحته. والنفساء مثلها، ومن أخر طواف الإفاضة فطاف عند السفر أجزأه عن الوداع؛ لعموم الحديثين المذكورين. وأسأل الله أن يوفق الجميع لما يرضيه، وأن يتقبل منا ومنكم ويجعلنا وإياكم من العتقاء من النار، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
وبما ذكرنا من صفة حجه ﷺ انتهى الكلام على أعمال الحج.
_________________
(١) صحيح البخاري الحج (١٧٥٥)، صحيح مسلم الحج (١٣٢٧)، سنن أبو داود المناسك (٢٠٠٢)، سنن ابن ماجه المناسك (٣٠٧٠)، مسند أحمد بن حنبل (١/ ٢٢٢)، سنن الدارمي المناسك (١٩٣٢).
(٢) صحيح البخاري الحج (١٧٥٥)، صحيح مسلم الحج (١٣٢٨)، سنن الدارمي المناسك (١٩٣٤).
[ ٤٦ / ١٥ ]
صفة العمرة
أما العمرة: فهي واجبة كالحج مرة في العمر؛ لقول النبي ﷺ في حديث عمر ﵁ لما «سأله جبريل ﵇ عن الإسلام قال: (أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج وتعتمر (١)» الحديث رواه ابن خزيمة والحاكم بإسناد صحيح، ولقول النبي ﷺ لعائشة ﵂: «على النساء جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة (٢)» أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح.
_________________
(١) صحيح مسلم الإيمان (٨)، سنن الترمذي الإيمان (٢٦١٠)، سنن النسائي الإيمان وشرائعه (٤٩٩٠)، سنن أبو داود السنة (٤٦٩٥)، سنن ابن ماجه المقدمة (٦٣)، مسند أحمد بن حنبل (١/ ٢٧).
(٢) صحيح البخاري الحج (١٥٢٠)، سنن النسائي مناسك الحج (٢٦٢٨)، سنن ابن ماجه المناسك (٢٩٠١).
[ ٤٦ / ١٥ ]
وقد اعتمر النبي ﷺ أربع عمر: إحداهن عام الحديبية، وقد صده المشركون عن أداء مناسكها فصالحهم ونحر هديه، وحلق رأسه لكونه محصرا، ورجع إلى المدينة هو وأصحابه ﵃، وأنزل الله في ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١) الآية، ثم اعتمر عمرة القضاء في عام سبع من الهجرة، ثم اعتمر عمرته الثالثة من الجعرانة عام الفتح سنة ثمان من الهجرة، ثم اعتمر عمرته الرابعة قارنا لها مع حجه.
والعمرة: هي زيارة البيت للطواف والسعي والحلق أو التقصير. وليس لها وقت معين، بل هي مشروعة في جميع السنة، وهي في رمضان تعدل حجة مع النبي ﷺ، وهي واجبة في العمر مرة كالحج وما زاد فهو تطوع.
وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة (٢)»، متفق على صحته.
وصفتها: إن كان المعتمر خارج المواقيت فليحرم بها من الميقات الذي يمر عليه، ويستحب له عند ذلك الغسل والطيب، كما يستحب له ذلك عند إحرامه بالحج.
وإذا توضأ وصلى ركعتين وأحرم بعدهما كان أفضل، وإن أحرم بعد الصلاة المفروضة كفى ذلك، ويستحب له أن يلبي بها بعد النية إذا ركب دابته أو سيارته في الميقات.
_________________
(١) سورة البقرة الآية ١٩٦
(٢) صحيح البخاري الحج (١٧٧٣)، صحيح مسلم الحج (١٣٤٩)، سنن الترمذي الحج (٩٣٣)، سنن النسائي مناسك الحج (٢٦٢٢)، سنن ابن ماجه المناسك (٢٨٨٨)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ٢٤٦)، موطأ مالك الحج (٧٧٦)، سنن الدارمي المناسك (١٧٩٥).
[ ٤٦ / ١٦ ]
أما إذا كان في الجو فإنه يلبي بها عند محاذاته ميقاته، ثم يشتغل بالتلبية الشرعية التي كان يلبي بها النبي ﷺ وهي: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك (١)»
وإن لبى قبل أن يركب دابته أو سيارته فلا بأس، ولكن الأفضل أن تكون التلبية بعد الركوب، اقتداء بالنبي ﷺ.
فإذا وصل إلى البيت طاف بالبيت سبعة أسواط كطوافه في الحج، ويرمل في الأشواط الثلاثة الأولى، ويمشي في الأربعة الباقية، ويضطبع في جميع طواف القدوم، وذلك بأن يجعل وسط ردائه تحت إبطه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر. وبعد الفراغ من الطواف يجعل رداءه على كتفيه قبل أن يصلي ركعتي الطواف. ويكبر كلما حاذى الحجر الأسود، ويستلمه ويقبله إن تيسر ذلك، فإن لم يتيسر تقبيله استلمه بيده وقبلها، فإن لم يتيسر ذلك أشار إليه عند المحاذاة وكبر.
ويستلم الركن اليماني في كل شوط إذا تيسر ذلك بدون تقبيل، ويقول (بسم الله والله أكبر)، فإن لم يتيسر ذلك مضى في طوافه ولم يشر إليه؛ لأنه لم يحفظ عن النبي ﷺ أنه كان يشير إليه.
ثم يصلي ركعتين، هما ركعتا الطواف، يقرأ فيهما بعد الفاتحة بسورة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (٢) في الأولى، وبسورة
_________________
(١) صحيح البخاري الحج (١٥٤٩)، صحيح مسلم الحج (١١٨٤)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ١٢٠).
(٢) سورة الكافرون الآية ١
[ ٤٦ / ١٧ ]
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) في الثانية، اقتداء بالنبي ﷺ، ثم يتوجه إلى المسعى فيسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط يبدأ بالصفا، ويختم بالمروة،، كما يفعل في الحج، ويكبر الله ويذكره، ويدعو على الصفا والمروة ثلاث مرات رافعا يديه كما يفعل في سعيه في الحج.
ويستحب أن يهرول الرجل في السعي بين العلمين، ويمشي فيما قبلهما وما بعدهما كما فعل في الحج.
أما المرأة فلا رمل عليها في الطواف، ولا تشرع لها الهرولة في السعي، لأن ذلك لم ينقل عن النبي ﷺ، ولا عن صحابته ﵃ فيما نعلم، وإنما نقل ذلك في حق الرجال، وقد حكى ابن المنذر ﵀ الإجماع على أن الرمل في الطواف والهرولة في السعي بين العلمين لا يشرعان للنساء، ولأن المرأة عورة والمشي أستر لها وأبعد عن الفتنة.
ثم يحلق أو يقصر والحلق أفضل، إلا إذا كان أداؤه للعمرة قرب الحج، فإنه يقصر فيها، ويترك الحلق للحج. وبهذا تنتهي أعمال العمرة.
أسأل الله أن يوفقنا وجميع المسلمين لما يرضيه، وأن يتقبل منا ومنهم، ويجعلنا وإياهم من العتقاء من النار إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
_________________
(١) سورة الإخلاص الآية ١
[ ٤٦ / ١٨ ]