قد أشار الله ﷾ في كتابه الكريم، إلى أن الابتلاء سنة كونية من سننه في هذا الخلق، فقال سبحانه: ﴿الم﴾ (١) ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (٢) ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (٣). فلا بد من الابتلاء بما يؤذي الناس فلا خلاص لأحد منه. والابتلاء يكون بالسراء والضرار لقوله سبحانه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (٤). فلا بد للمؤمن من الصبر والشكر ولا بد من حصول الألم لكل نفس سواء آمنت أم كفرت لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداء ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة (٥). أما الكافر فقد تنقطع عنه الفتنة في الدنيا ولكنه يصير إلى الألم في الآخرة، كما روى أبو هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «مثل المؤمن
_________________
(١) سورة العنكبوت الآية ١
(٢) سورة العنكبوت الآية ٢
(٣) سورة العنكبوت الآية ٣
(٤) سورة الأنبياء الآية ٣٥
(٥) الفوائد لابن القيم: ٢٠١ - ٢٠٤. وانظر إغاثة اللهفان: ٢/ ١٩٣.
[ ٤٥ / ٢٦٤ ]
كمثل خامة الزرع يفيء ورقه من حيث أتتها الريح تكفئها فإذا سكنت اعتدلت وكذلك المؤمن يكفأ بالبلاء ومثل الكافر كمثل الأرزة صماء معتدلة حتى يقصمها الله إذا شاء (٢)». والله سبحانه حذر من الدنيا وفتنتها؛ ليحذرها المؤمن العارف بربه، قال تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٣). فالجميع مبتلى فيها، فمن لم يؤمن فإنه يمتحن في الآخرة بالعذاب ويفتن به، وهي أعظم المحنتين، هذا إن سلم من امتحانه بعذاب الدنيا ومصائبها، أو عقوباتها التي أوقعها الله بمن لم يتبع رسله وعصاهم، فلا بد من المحنة في هذه الدار، وفي البرزخ لكل أحد، لكن المؤمن أخف محنة وأسهل بلية، فإن الله يدفع عنه بالإيمان (٤)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٥). ولكن البلاء يشتد عليه بحسب إيمانه؛ ليعلم صدقه من كذبه، فإن صبر وأجاب داعي الله فإن له عند الله الفوز والنعيم. وقد سئل الشافعي ﵀: أيما أفضل للرجل أن يمكن أو يبتلى فقال: لا يمكن حتى يبتلى فإن الله ابتلى
_________________
(١) البخاري: ٨/ ١٩١: كتاب التوحيد باب في المشيئة والإرادة واللفظ له صحيح مسلم: ٤/ ٢١٦٣: كتاب صفات المنافقين باب مثل المؤمن باب (١٤) كما أخرجه الإمام أحمد والدارمي.
(٢) الأرز: ضرب من البر وقيل شجر الصنوبر. اللسان: مادة أرز: ٥/ ٣٠٦. (١)
(٣) سورة العنكبوت الآية ٦٤
(٤) إغاثة اللهفان: ٢/ ١٩٢.
(٥) سورة الحج الآية ٣٨
[ ٤٥ / ٢٦٥ ]
نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا - صلى الله وسلم عليه وعليهم أجمعين -، فلما صبروا مكنهم، فلا يظن أحد أن يخلص من الألم البتة (١). وقد أجمل الله ﷿ الابتلاء، وأنه لا بد منه بقوله سبحانه: ﴿الم﴾ (٢) ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (٣) ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (٤). ثم فصل سبحانه بعض الذين ابتلوا من قبلنا، وقد ابتلي نبينا - ﷺ - والمؤمنون من الصحابة ومن كان قبلهم والكفار مما يدل على استمرار الفتنة والابتلاء.
_________________
(١) الفوائد: ٢٠٣.
(٢) سورة العنكبوت الآية ١
(٣) سورة العنكبوت الآية ٢
(٤) سورة العنكبوت الآية ٣
[ ٤٥ / ٢٦٦ ]
فمن سنية الابتلاء أن الله ابتلى أفضل خلقه وهم رسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهم أفضل الدعاة إلى توحيده سبحانه، فابتلاهم بالمرسل إليهم حين يدعونهم إلى الحق والصبر على أذاهم، وتحمل المشاق في تبليغ رسالات ربهم (١). فهذا محمد - ﷺ - بين الله ﷿ في هذه السورة أنه ابتلي بقوم جحدوا آيات الله مع علمهم بها، قال تعالى عنهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٢) كما اتهم بالسحر والتعلم من الكهنة، حتى أخرج هذا الكتاب، فالله ﷿ نفى عنه هذه التهمة بقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (٣). والواقف على
_________________
(١) إغاثة اللهفان ٢/ ١٦١.
(٢) سورة العنكبوت الآية ٥٠
(٣) سورة العنكبوت الآية ٤٨
[ ٤٥ / ٢٦٦ ]
سيرته - ﷺ - يرى ما حصل له من فتنة وبلاء أشد من هذا، كالحصار في الشعب، ووفاة عمه أبي طالب، وزوجه خديجة وغير ذلك، ولكنه كان صابرا محتسبا، كما ابتلي نبي الله نوح بكفر قومه واستهزائهم به مع طول لبثه فيهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (١) فهذا تسلية للنبي - ﷺ -، أي: ابتلي النبيون قبلك بالكفار فصبروا (٢)، كما ابتلي نوح بابنه وفلذة كبده، حيث كان ممن أعرض عن دعوته، كما هو مذكور في سورة هود. كما ابتلي بزوجته حيث خانته، كما في سورة التحريم، وكذلك ابتلي نبي الله إبراهيم ﵇ بقومه الذين لم يقبلوا دعوته، وحاولوا الانتقام منه ولكن الله أنجاه فقال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٣). ومما ابتلي به كذلك إعراض أبيه عن الاستجابة لدعوة التوحيد.
ونبي الله لوط ابتلي بقوم لا يعبأون بأمر الله مستهزئون به وبدعوته، حيث أتوا أمرا عظيما لم يسبقهم إليه أحد، قال تعالى عنهم: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٤).
_________________
(١) سورة العنكبوت الآية ١٤
(٢) انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ١٣/ ٣٣٢، وانظر زاد السير لابن الجوزي ٦/ ٢٦١.
(٣) سورة العنكبوت الآية ٢٤
(٤) سورة العنكبوت الآية ٢٩
[ ٤٥ / ٢٦٧ ]
ومما نزل عليه من البلاء أنه كان يخاف على ضيوفه من أذى قومه وشرهم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (١)، فمن عظيم ما مر عليه من البلاء أن زوجته وأقرب الناس إليه لم تستجب لنداء الله.
كما ابتلى الله شعيبا حيث لم يستجب له قومه قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (٢) ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ (٣).
كما ابتلي نبي الله موسى بأنواع البلايا، منها: تجرؤ فرعون وقارون وهامان وتسلطهم على عباد الله، حتى وصل الحد بفرعون إلى أن ادعى الربوبية، قال تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ (٤).
_________________
(١) سورة العنكبوت الآية ٣٣
(٢) سورة العنكبوت الآية ٣٦
(٣) سورة العنكبوت الآية ٣٧
(٤) سورة العنكبوت الآية ٣٩
[ ٤٥ / ٢٦٨ ]
وكما حصل للرسل من بلاء ومحنة امتحن الله المرسل إليهم بهم، هل يطيعونهم وينصرونهم ويصدقونهم؟ أم يكفرون بهم ويردون عليهم ويقاتلونهم؟ فأقوام الرسل الذين لم يستجيبوا لدعوتهم أصيبوا بأعظم
[ ٤٥ / ٢٦٨ ]
بلية وأعظم فتنة وهي الكفر الذي تدوم محنته، وقد قال سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (١).
قال ابن كثير ﵀: (أي لا يحسبن الذين لم يدخلوا في الإيمان أنهم يتخلصون من هذه الفتنة والامتحان، فإن وراءهم من العقوبة والنكال ما هو أغلظ من هذا وأعظم) (٢). وكما ابتلي الأنبياء وأقوامهم الذين لم يستجيبوا لهم كذلك ابتلي أتباع الأنبياء، فقد ورد عن خباب بن الأرت - ﵁ - قال: شكونا إلى رسول الله - ﷺ - وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا له: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟ فقال: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون (٣)». كما أن صحابة رسول الله - ﷺ - لاقوا من الابتلاء والمحن ما الله به عليم، حتى أن أول سورة العنكبوت نزل بهم، وهو قوله تعالى:
_________________
(١) سورة العنكبوت الآية ٤
(٢) تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ٣/ ٦٤٥.
(٣) صحيح البخاري: ٨/ ٥٦ كتاب الإكراه - باب من اختار الضرب والقتل والهون على الكفر، واللفظ له سنن أبي داود: ٣/ ١٠٨: كتاب الجهاد - باب في الأسير يكره على الكفر: ١٠٧: مسند أحمد ٥/ ١٠٩ - ١١١.
[ ٤٥ / ٢٦٩ ]
﴿الم﴾ (١) ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (٢). قال ابن عباس وغيره: يريد بالناس قوما من المؤمنين كانوا بمكة، وكان الكفار من قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الإسلام، كسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، وعمار بن ياسر، وأبيه وسمية أمه، وعدة من بني مخزوم وغيرهم (٣). كما فتن بعض الصحابة بأحبابه وذويه، مثل سعد بن أبي وقاص حيث نزل بسببه قوله سبحانه: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٤). فعن مصعب بن سعد عن أبيه أنه نزلت فيه آيات من القرآن قال: «حلفت أم سعد أن لا تكلمه أبدا حتى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشرب، قالت: زعمت أن الله وصاك بوالديك، وأنا أمك، وأنا آمرك بهذا، قال: مكثت ثلاثا حتى غشي عليها من الجهد، فقام ابن لها يقال له عمارة، فسقاها فجعلت تدعو على سعد، فأنزل الله ﷿ في القرآن هذه الآية: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٥) وفيها: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (٦)» الحديث. قال الواحدي: قال
_________________
(١) سورة العنكبوت الآية ١
(٢) سورة العنكبوت الآية ٢
(٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ١٣/ ٣٢٣.
(٤) سورة العنكبوت الآية ٨
(٥) سورة لقمان الآية ١٥
(٦) سورة لقمان الآية ١٥
[ ٤٥ / ٢٧٠ ]
المفسرون: نزلت في سعد بن أبي وقاص، وذاك أنه لما أسلم قالت له أمه حمنة: يا سعد بلغني أنك صبوت، فوالله لا يظلني سقف بيت من الضح (١) والريح ولا آكل ولا أشرب حتى تكفر بمحمد، وترجع إلى ما كنت عليه، فأبى سعد، وصبرت هي ثلاثة أيام ولم تأكل ولم تشرب ولم تستظل بظل حتى غشي عليها، فأتى سعد النبي - ﷺ - وشكا ذلك إليه؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية والتي في سورتي لقمان والأحقاف (٢).
_________________
(١) الضح: الشمس وقيل ضوؤها وقيل ضوؤها إذا استمكن من الأرض) لسان العرب ٢/ ٥٢٤.
(٢) أسباب النزول للواحدي: ٣٩٤.
[ ٤٥ / ٢٧١ ]
وقد ابتلي صحابة رسول الله - ﷺ - بما حصل لهم من فراق الأهل والوطن والمال، حينما أمروا بالهجرة. قال تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ (١). ومن سنة الابتلاء والفتنة استمراره في هذه الدنيا، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، ففي سورة العنكبوت دلالة واضحة على استمراره إلى يوم المعاد. قال تعالى: ﴿الم﴾ (٢) ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (٣) ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (٤). قال ابن عطية.
_________________
(١) سورة العنكبوت الآية ٥٦
(٢) سورة العنكبوت الآية ١
(٣) سورة العنكبوت الآية ٢
(٤) سورة العنكبوت الآية ٣
[ ٤٥ / ٢٧١ ]
وهذه الآية نزلت بهذا السبب أو ما في معناه من الأقوال فهي باقية في أمة محمد - ﷺ - موجود حكمها بقية الدهر، وذلك أن الفتنة من الله تعالى باقية في ثغور المسلمين بالأسر ونكاية العدو وغير ذلك، وإذا اعتبر أيضا كل موضع ففيه ذلك بالأمراض وأنواع المحن (١). وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ (٢).
فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (٣). ومما يدل على استمرار الابتلاء من الله للناس أمره لهم بأن يتعظوا بما حصل لمن قبلهم كما في قوله تعالى عن سفينة نوح: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٤)، وقوله تعالى في قصة إبراهيم: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٥)، كذلك قوله تعالى في قصة لوط: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٦).
_________________
(١) أحكام القرآن للقرطبي: ١٣/ ٣٢٤.
(٢) سورة العنكبوت الآية ١٠
(٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام: ١٥/ ٣٦٤، ١٦/ ١٤٨، الإتقان في علوم القرآن ١/ ٨٥.
(٤) سورة العنكبوت الآية ١٥
(٥) سورة العنكبوت الآية ٢٤
(٦) سورة العنكبوت الآية ٣٥
[ ٤٥ / ٢٧٢ ]
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (١). ففي هذه الآيات إشارة إلى استمرار البلاء والفتنة، وأن الإنسان لا بد أن يبتلى ويمتحن، فإن كان من العارفين بالله وصبر وثبت على إيمانه فإنه سيحصل له من الفوز والفلاح ما حصل للمؤمنين قبله، الذين قص الله علينا قصصهم، وإن أعرض ولم يتعظ ولم يعتبر كما أمر فنهايته للهلاك والفتنة العظيمة التي لا فتنة بعدها، وهي عذاب الله كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ (٢) ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ (٣).
_________________
(١) سورة العنكبوت الآية ٤٣
(٢) سورة الذاريات الآية ١٣
(٣) سورة الذاريات الآية ١٤
[ ٤٥ / ٢٧٣ ]
وقد نبه - ﷺ - على فتن عامة تكون في آخر الزمان في أحاديث كثيرة؛ لذلك بوب غالب العلماء في كتبهم بابا خاصا بها سموه (أبواب الفتن) وذلك كالبخاري ومسلم والترمذي وأبي داود وغيرهم، ساقوا فيها ما أخبر به الرسول - ﷺ - مما يقع من الفتن. والإنسان يشاهد الفتن دائما لا تنقطع عنه، ولكنها تختلف حسب شدتها وضعفها فمثلا الأمراض والمجاعات والجوائح وفقد الأحبة حتى الشوكة يشاكها المسلم، فقد ثبت عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كفر الله بها سيئاته كما تحط الشجرة ورقها (١)».
_________________
(١) جزء من حديث أخرجه البخاري في صحيحه: ٧/ ٣ المرضى: باب أشد الناس بلاء الأنبياء واللفظ له. صحيح مسلم: ٤/ ١٩٩١ - البر باب ثواب المؤمن.
[ ٤٥ / ٢٧٣ ]
كل ما اتصل بالإنسان من أهله وولده ووالديه وأصحابه وعشيرته ومن يتعامل معهم كل هؤلاء، فهل يقوم بواجبه نحوهم من جلب خير أو دفع شر؟ وهل يكف يده عن حقهم وبصره عما متعوا به ويسأل الله من فضله، (١) ويكف لسانه عن غيبتهم وبهتهم؟ فقد ورد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: «خطبنا رسول الله - ﷺ - فأقبل الحسن والحسين - ﵄ - عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، فنزل فأخذهما فصعد بهما المنبر ثم قال: صدق الله رأيت هذين فلم أصبر ثم أخذ في الخطبة (٣)». وقد ورد عن حذيفة قال: (كنا جلوسا عند عمر بن الخطاب - ﵁ -، فقال: أيكم يحفظ قول رسول الله - ﷺ - في الفتنة؟ قلت: أنا كما قاله، قال: إنك عليه أو عليها لجريء، قلت: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره يكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهي، قال: ليس هذا أريد، ولكن الفتنة التي تموج كموج البحر، قال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابا مغلقا، قال: أيكسر أم يفتح؟ قال: يكسر، قال: إذا لا يغلق أبدا، قلنا:
_________________
(١) انظر: إغاثة اللهفان: ٢/ ١٦٠.
(٢) سنن أبي داود: ١/ ٦٦٣ كتاب الصلاة باب الإمام يقطع الخطبة لأمر يحدث واللفظ له، سنن النسائي: ٣/ ١٠٨ كتاب الجمعة باب نزول الإمام عن المنبر ٣/ ١٩٣ كتاب العيدين باب نزول الإمام، مسند أحمد: ٥/ ٣٥٤، مستدرك الحاكم: ٤/ ١٨٩ - ١٩٠ كتاب اللباس وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
(٣) سورة التغابن الآية ١٥ (٢) ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾
[ ٤٥ / ٢٧٤ ]
أكان عمر يعلم الباب؟ قال: نعم، كما أن دون الغد الليلة، إني حدثته بحديث ليس بالأغاليط. فهبنا أن نسأل حذيفة، فأمرنا مسروق فسأله فقال: الباب عمر). ففي هذا الحديث عمر لم ينكر على حذيفة وقوع الفتن الصغيرة، وحذيفة أجابه إلى سؤاله بالنسبة للفتن الكبيرة.
وقال ابن مسعود - ﵁ -: (لا يقولن أحدكم اللهم إني أعوذ بك من الفتنة، فإنه ليس منكم أحد إلا وهو مشتمل على فتنة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (١). فأيكم استعاذ فليستعذ بالله من مضلات الفتن).
والله ﷿ يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ (٢). وهذا عام في جميع الخلق
_________________
(١) سورة الأنفال الآية ٢٨
(٢) سورة الفرقان الآية ٢٠
[ ٤٥ / ٢٧٥ ]
امتحن بعضهم ببعض، كما تقدم امتحان الرسل بأقوامهم وبالعكس، كما امتحن العلماء بالجهال، هل يعلمونهم وينصحونهم ويصبرون على ذلك، وبالعكس هل يطيع الجهال العلماء ويهتدون بهم؟ وامتحن الملوك بالرعية وبالعكس، كما امتحن الفقراء بالأغنياء وبالعكس، وكما امتحن الأقوياء بالضعفاء، والسادة بالأتباع، والمالك بمملوكه، والرجل بامرأته، والرجال بالنساء، والمؤمنين بالكفار، والآمرون بالمعروف بمن يأمرونهم وعلى العكس من هؤلاء جميعا فإنهم فتنوا بأضدادهم (١) فمن صبر على الفتنة كانت رحمة في حقه، ونجا بصبره من فتنة أعظم منها، وإن لم يصبر وقع في فتنة أشد منها (٢).
_________________
(١) إغاثة اللهفان: ٢/ ١٦١.
(٢) إغاثة اللهفان: ٢/ ١٦٢.
[ ٤٥ / ٢٧٦ ]