الحكمة من الفتنة والابتلاء
وما دام أن الله سبحانه جعل الابتلاء سنة في هذا الكون على جميع الخلق برهم وفاجرهم، فأفعاله كلها حكمة، فلا تكون إلا عن علم وحكمة، منها ما نعرفه ومنها ما تقصر عقولنا وأفعالنا وأفهامنا عنه، وحسبنا أن نقول: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (١). والابتلاء والفتن من أفعال
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٨٥
[ ٤٥ / ٢٧٦ ]
الله ﷿ وتقديراته التي كلها حكمة ورحمة بخلاف ما إذا كانت من العبد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وليست البلايا والمصائب تأتي من طاعة الله ورسوله، كما يظن بعض الجهال، فإن هذه جزاء أصحابها خير الدنيا والآخرة. ولكن قد تصيب المؤمنين بالله ورسوله مصائب بسبب ذنوبهم لا بما أطاعوا فيه الله ورسوله، كما لحقهم يوم أحد بسبب ذنوبهم لا بسبب طاعتهم الله ورسوله - ﷺ - وكذلك ما ابتلوا به من السراء والضراء والزلزال، ليس هو بسبب نفس إيمانهم وطاعتهم، لكن امتحنوا به ليتخلصوا مما فيهم من الشر، وفتنوا به كما يفتن الذهب بالنار ليتميز خبيثه من طيبه، والنفوس فيها شر، والامتحان يمحص المؤمن من ذلك الشر الذي في نفسه (١)؛ لذلك كان من حكمة الابتلاء التمحيص، وهو كما قال الراغب: أصل المحص تخليص الشيء مما فيه عيب، قال تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (٣).
_________________
(١) انظر الحسنة والسيئة لابن تيمية ص ٤٤.
(٢) سورة آل عمران الآية ١٤١
(٣) سورة آل عمران الآية ١٥٤
[ ٤٥ / ٢٧٧ ]
فالتمحيص هنا كالتزكية والتطهير ونحو ذلك من الألفاظ، ويقال في الدعاء: اللهم محص عنا ذنوبنا، أي: أنزل ما علق بنا من الذنوب (١). فالمؤمن يمحص حتى يصدق ويبتلى ويختبر حتى يخلص بالبلاء الذي نزل به وكيف صبره ويقينه (٢). والله يمحص المؤمنين بما يكفر عنهم من ذنوبهم إن كانت لهم ذنوب، وإلا رفع لهم في درجاتهم بحسب ما أصيبوا به (٣). فهو تنقية لهم من الذنوب وآفات النفوس، كما أنه تخليص لهم من المنافقين، وتمييزهم عنهم، فيحصل لهم تمحيصان: تمحيص من نفوسهم وتمحيص ممن كان يظهر أنه من المسلمين (٤). وهذا ما سأوضحه في حكمة (التمييز بين المؤمنين والكفار) فالتمحيص للمؤمنين يكون:
١ - بتكفير السيئات.
_________________
(١) المفردات للراغب: ٤٦٤.
(٢) جامع البيان عن تأويل القرآن: ٤/ ١٠٧.
(٣) انظر تفسير القرآن العظيم: ١/ ٦١٢.
(٤) زاد المعاد ٣/ ٢٢٣.
[ ٤٥ / ٢٧٨ ]
٢ - أو برفعة الدرجات.
٣ - أو بالتعويض من الله.
أولا: تكفير السيئات: قد أخبر الله سبحانه أنه يريد تمحيص المؤمنين أي تخليصهم من ذنوبهم بالتوبة والرجوع إليه واستغفاره من الذنوب التي أديل بها عليهم العدو (١). وقد بين الله ﷾ تكفيره لسيئات المؤمنين في كتابه وعلى لسان رسوله - ﷺ - فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢). وقد بين الله سبحانه أن لا بد للمؤمن من الابتلاء كما تقدم.
قال ابن القيم: إن ابتلاء المؤمن كالدواء له، يستخرج منه الأدواء التي لو بقيت فيه أهلكته، أو أنقصت ثوابه وأنزلت درجته، فيستخرج الابتلاء والامتحان منه تلك الأدواء، ويستعد به لتمام الأجر وعلو المنزلة، ومعلوم أن وجود هذا خير للمؤمن من عدمه (٣). كما قال النبي - ﷺ -: «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا المؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له (٤)». فهذا الخير العظيم ليس إلا للمؤمن؛ لأنه هو الذي يشكر
_________________
(١) إغاثة اللهفان: ٢/ ١٩١.
(٢) سورة العنكبوت الآية ٧
(٣) إغاثة اللهفان ٢/ ٨٨.
(٤) صحيح مسلم: ٤/ ٢٢٩٥ كتاب الزهد باب المؤمن أمره كله خير ١٣ واللفظ له، مسند أحمد: ٤/ ٣٣٢ - ٣٣٣/ ٦ / ١٥ - ١٦، مجمع الزوائد للهيثمي ٧/ ٢٠٩، وقال: رواه أحمد بأسانيد، ورجالها كلها رجال الصحيح السنن الكبرى للبيهقي: ٣/ ٣٧٦.
[ ٤٥ / ٢٧٩ ]
ويصبر فبذلك تكفر سيئاته كما بين ذلك رسول الله - ﷺ - في أحاديث كثيرة منها: ما روته عائشة - ﵂ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها (١)» وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال: «ما يصيب المسلم من نصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها عن خطاياه (٢)». وعن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - عن أبيه عن النبي - ﷺ - قال: قلت يا رسول الله: أي الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل من الناس يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه وإن كان في دينه رقة خفف عنه وما يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على ظهر الأرض ليس عليه خطيئة (٣)».
فهذه الأحاديث وغيرها تدل على أن المصائب والفتن التي تصيب المؤمن أنها من الله، حيث لا يقع في الكون كائن بغير مشيئته الحكمية،
_________________
(١) البخاري: ٧/ ٢ كتاب المرضى باب ما جاء في كفارة المرضى، صحيح مسلم: ٤/ ١٩٩٢ كتاب البر باب ثواب المؤمن فيما يصيبه كما أخرجه الترمذي ومالك وأحمد.
(٢) صحيح البخاري: ٧/ ٢ كتاب المرضى باب ما جاء في كفارة المرضى واللفظ له، صحيح مسلم: ٤/ ١٩٩٢ كتاب البر باب ثواب المؤمن فيما يصيبه.
(٣) مسند أحمد: ١/ ١٧٢ بهذا اللفظ: ١/ ١٧٢، ١٨٠، ١٨٥، سنن الترمذي: ٤/ ٦٠١ كتاب الزهد باب ٥٦ وقال: هذا حديث حسن صحيح، سنن ابن ماجه: ٢/ ١٣٣٤ كتاب الفتن باب الصبر على البلاء: ٢٣ السنن الكبرى للبيهقي: ٣/ ٣٧٤، المستدرك: ١/ ٤١، المنتخب لعبد بن حميد: ١/ ١٨٠ سنن الدارمي: ٢/ ٢٢٨ باب في أشد الناس بلاء.
[ ٤٥ / ٢٨٠ ]
ومن ذلك أن الله أعد للمؤمن فيها خيرا عظيما، سواء بتكفير السيئات أو برفعة الدرجات إن صبر واحتسب، وإلا فيكون فتنة لغيره لذلك أورد بعض العلماء مسائل على هذه الأحاديث وأمثالها:
أولا: هل التكفير للصغائر أم للصغائر والكبائر؟
ثانيا: هل المصائب تكفر الخطايا فقط أم أنها تكفر الخطايا وترفع الدرجات؟
ثالثا: هل تكفير الخطايا أو رفع الدرجات يحصل بمجرد المصيبة أم لا بد من الصبر عليها؟
[ ٤٥ / ٢٨١ ]