للفتن صور وأنواع عدة، كما تقدم في تعريفها وأنها بحسب ما يضاف إليها، وقد بين الله ﷿ عدة أنواع للفتنة وهي بمجملها تنقسم إلى قسمين:
الأول: الشبهات.
الثاني: الشهوات.
وقد تجتمع الفتنتان كما في الدجال الذي هو أعظم فتنة حذرنا الرسول - ﷺ - منها.
[ ٤٥ / ٣٠٨ ]
فالأولى هي المعارضة للعقيدة، التي لا يسلم منها إلا من عرف الله ورسوله، وهي تأتي من ضعف البصيرة وقلة العلم، وخاصة إذا اقترن بذلك فساد القصد وحصول الهوى، وهي تؤدي إلى الكفر والنفاق والبدع، وهذا هو الضلال الذي من اتباع الفتن والشبهات ومنها:
١ - شبهة إيذاء الناس بترك ما أوجبه الله.
٢ - عبادة الأصنام وتزيين الشيطان.
٣ - شبهة الخوف من الموت وفوات الرزق بترك ما أوجبه الله.
ومن أنواع الفتن فتنة الناس، وهي من فتن الشبهات، فالناس يؤذون وتختلف درجاتهم في هذا الإيذاء، والله سبحانه ذكر صنفا من الناس لا يتحملون أي أذى في سبيل الله، فهؤلاء إيمانهم ليس بصادق وذلك لضعف إيمانهم، فإذا أوذي أحدهم بضرب أو أخذ مال أو تعيير ليرتد عن دينه ويرجع إلى الباطل - ويظن أن ما حصل له من هذا الأذى مثل عذاب الله وشتان - فإن هذا يجزع من عذاب الناس وأذاهم، ولا يصبر عليهم فيطيعهم (١). كطاعة الخائف من الله لله، وإيذاء الكفار للمؤمنين من أنواع الابتلاء والفتن، فالمنافقون الذين يقولون آمنا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم إذا حصل للمسلمين من الكفار أذى وهم معهم، جعلوا فتنة الناس أي أذاهم (٢) مع ضعفها وانقطاعها كعذاب الله الأليم الدائم، فمن في قلبه مرض اشتبه عليه الأمر، فظن أن العذابين
_________________
(١) انظر تفسير البغوي: ٣/ ٤٦٢: وتيسير الكريم الرحمن ٦/ ٧٠.
(٢) انظر أضواء البيان: ٦/ ٤٦٢.
[ ٤٥ / ٣٠٩ ]
سواء، فآثر الراحة، فالناس يفتن بعضهم بعضا عن الإيمان، ويصرف بعضهم بعضا عن الحق، ويردي بعضهم بعضا في الباطل، إما بالقوة والغلبة، أو بالإغواء والإغراء والأماني، ولكن المؤمنين لا يضيرهم ذلك بل يزداد إيمانهم ويقينهم مهما كان الإيذاء وكانت درجاته. وإليك صورا رائعة من صبرهم: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ (١)، فعند هذه الآية يذكر المفسرون أصحاب الأخدود وما حصل لهم من أذى وفتنة، فعن صهيب الرومي - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: «كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر، فبعث إليه غلاما يعلمه فكان في طريقه إذا سلك راهب، فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر مر الراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر، فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل، فأخذ حجرا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها ومضى الناس، فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب:
_________________
(١) سورة البروج الآية ١٠
[ ٤٥ / ٣١٠ ]
أي بني أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل علي، وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع جليس للملك كان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرة فقال: ما هاهنا لك أجمع، إن أنت شفيتني، فقال: إني لا أشفي أحدا إنما يشفي الله تعالى، فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك، فآمن بالله فشفاه الله، فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي قال: ولك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام فقال له الملك: أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل، فقال: إني لا أشفي أحدا إنما يشفي الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب، فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك فأبى، فدعي بالمنشار فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه، ثم جيء بجليس الملك فقيل له ارجع عن دينك فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه، ثم جيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك فأبى، فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه، فذهبوا به فصعدوا به الجبل
_________________
(١) صحيح مسلم: ٤/ ٢٢٩٩ كتاب الزهد باب قصة أصحاب الأخدود واللفظ له، مسند أحمد: ٦/ ١٧، جامع البيان عن تأويل القرآن: ٣٠/ ١٣٣ حيث أوردها الطبري بسنده.
[ ٤٥ / ٣١١ ]
فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله، فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقورة فيها، أو قيل له اقتحم، ففعلوا حتى جاءت
_________________
(١) الأكمه: الذي خلق أعمى - النووي على مسلم: ١٨/ ١٣٠. (١)
[ ٤٥ / ٣١٢ ]
امرأة ومعها صبي لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أمه اصبري فإنك على الحق (١)».
وقد أوذي رسول الله - ﷺ - وصحابته رضوان الله عليهم حتى تركوا ديارهم وأموالهم وهاجروا إلى المدينة.
_________________
(١) (١). فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة فغرقوا وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله، فقال للملك إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع، ثم خذ سهما من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: باسم الله رب الغلام، ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع، ثم أخذ سهما من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال: باسم الله رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم في صدغه فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، فأتي الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس، فأمر بالأخدود في أفوه السكك فخدت، وأضرم النيران وقال: من لم يرجع عن دينه فاحموه
[ ٤٥ / ٣١٣ ]
ومن فتن الشبهات: شبهة عبادة الأصنام وتزيين الشيطان.
فعباد الأصنام ظنوا أن هذه الأصنام تقربهم إلى الله، كما قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (١). فهم يقولون تشفع لنا، فهم يخاطبون الأصنام ويقولون: إنا نخاطب أصحابها وهذا مما لم يشرعه الله (٢). فأصل المشركين صنفان: قوم نوح، وقوم إبراهيم، فشبهة قوم نوح تعظيم الصالحين والعكوف على قبورهم، حتى وصل الأمر بهم إلى الشرك. وشبهة قوم إبراهيم في الكواكب والشمس والقمر مما زينته لهم الشياطين (٣)، ومما يعتقدون فيها من المودة بينهم، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ (٤).
_________________
(١) سورة الزمر الآية ٣
(٢) انظر فتاوى ابن تيمية: ١/ ١٥.
(٣) انظر فتاوى ابن تيمية: ١/ ١٥٧.
(٤) سورة العنكبوت الآية ٢٥
[ ٤٥ / ٣١٣ ]
كما أن الشياطين يزينون كل سوء ومنكر، فهم يعينون عباد الأصنام ويتزينون لهم في صور صالحة تشبيها وتلبيسا عليهم، فيقول أحدهم أنا إبراهيم أنا المسيح أنا محمد أنا الخضر، وقد يقول بعضهم عن بعض هذا هو النبي وهذا هو الخضر، ويكون أولئك كلهم جنا يشهد بعضهم لبعض (١). وفتنة الشيطان من أعظم الفتن وخاصة إذا هم الإنسان بالخير أو دخل به، فهو يشتد عليه حينئذ ليقطعه عنه وقد قال - ﷺ -: «إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه فقعد له بطريق الإسلام فقال: أتسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء أبيك؟ قال: فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: أتهاجر وتذر أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجر كالغرس في الطول؟ قال: فعصاه فهاجر، قال: ثم قعد له بطريق الجهاد فقال له: هو جهد النفس والمال، فقال: فتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال؟ قال: فعصاه فجاهد (٢)». لذلك حذر الرسول - ﷺ - منه وبين أن من عصاه فقد نجا وفاز، وهذا ما يدل عليه بقية الحديث حيث قال: «. . فمن فعل ذلك منهم فمات كان حقا على الله أن يدخله الجنة أو قتل كان حقا على
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١/ ١٥٧.
(٢) مسند الإمام أحمد: ٣/ ٤٨٣ واللفظ له، سنن النسائي: ٦/ ٢١ الجهاد مصنف ابن أبي شيبة ٥/ ٢٩٣ صحيح ابن حبان (الترتيب): ٧/ ٥٧ السير باب إيجاب الجنة للمهاجر والغازي انظر صحيح الجامع: ٢/ ٧٢.
[ ٤٥ / ٣١٤ ]
الله - ﷿ - أن يدخله الجنة وإن غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة أو وقصته دابته كان حقا على الله أن يدخله الجنة (١)».
_________________
(١) إكمال للحديث الذي قبله.
[ ٤٥ / ٣١٥ ]
وشبهات الشيطان التي يلقيها في القلوب كثيرة؛ لذلك أمرنا بالاستعاذة منه كثيرا وخاصة عند قراءة القرآن؛ لأنه من أهم أعمال الخير وفيه فلاحنا ونجاحنا.
وقد بين الله أن في هذه السورة أناسا وقعوا في فتنة الشيطان أغراهم فهلكوا قال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ (١) فحسن لهم الشيطان كفرهم بالله، وتكذيبهم رسله فصدهم عن السبيل فردهم بتزيينه لهم ما زين لهم من الكفر والصد عن سبيل الله، التي هي الإيمان به وبرسله (٢). مع ما لهم من العقول وما لديهم من دلائل الهدى، ولكن الشيطان بقوة فتنته جاءهم من باب غرورهم بأنفسهم وإعجابهم بما يأتون من الأعمال، وما هو فيه من مال ومتاع، فضيع عليهم الفرص مع ما يملكون من التبصر (٣). كما وصفهم الله بذلك في آخر الآية فقال: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ (٤).
_________________
(١) سورة العنكبوت الآية ٣٨
(٢) جامع البيان عن تأويل القرآن: ٢٠/ ١٥٠.
(٣) انظر في ظلال القرآن: ٥/ ٢٧٣٥.
(٤) سورة العنكبوت الآية ٣٨
[ ٤٥ / ٣١٥ ]
ومن الشبهات التي تعترض الإنسان: شبهة الخوف من الموت، وشبهة الخوف من الرزق، فالإنسان لا يجوز له أن يترك ما أمره الله به خوفا من أن يأتيه الموت، أو ينقطع رزقة، فإن الموت لا بد حاصل، وكذلك الرزق، لذلك ذكرها الله بعد الأمر بالهجرة، وهون عليهم أمرها لئلا يكونا سببا في التأخر عن أمر الله، فقال تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ (١) ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (٢). سواء من هاجر أو جلس، والأجل محدد، كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٣). وكذلك الرزق المقسوم سيأتي الإنسان، وقد ثبت عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أم سعيد، ثم ينفخ فيه الروح. فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة (٤)». ولما كانت مفارقة الأوطان عزيزة على النفس
_________________
(١) سورة العنكبوت الآية ٥٦
(٢) سورة العنكبوت الآية ٥٧
(٣) سورة الأعراف الآية ٣٤
(٤) صحيح البخاري: ٤/ ٧٨ كتاب بدء الخلق باب ذكر الملائكة وكتاب القدر: ٧/ ٢١٠، باب (١) وكتاب التوحيد: ٨/ ١٨٨ باب ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين واللفظ له، صحيح مسلم: ٤/ ٢٠٣٦ كتاب القدر باب كيفية الخلق الآدمي (١) كما أخرجه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه.
[ ٤٥ / ٣١٦ ]
كريهة لديها بين الله سبحانه أن المكروه واقع لا محالة إن لم يكن بالهجرة فهو حاصل بالموت. فأولى أن يكون في سبيل الله كما أن الرزق حاصل وأسباب البحث عنه متوفرة في جميع بلاد الله الواسعة، فلا يكون طلبه في بقعة معينة سببا في ترك أمر الله بالهجرة.
فالله حقر أمر الدنيا عموما لئلا ينظر المؤمن إلى عاقبة تلحقه في خروجه من وطنه أن يموت أو يجوع أو نحو هذا (١). فالموت حاصل، والرزق جار، فالبدار إلى طاعة الله والهجرة إليه، فإن الله لما أمر بالهجرة ذكر بعدها الموت، ثم ذكر الرزق وأن البهائم على ضعفها وعدم تكفيرها قد تكفل الله برزقها، فكيف بابن آدم الذي أعطاه الله أسباب المعاش، وهيئه لعبادته، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (٢). وبعد أن حث على العمل والصبر ذكر الرزق فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٣)، فالرزق للجميع يستوي في ذلك: الحريص، والمتوكل، والراغب، والقانع، والحيول، والعاجز، حتى لا يغتر الجلد أنه مرزوق بجلده، ولا يتصور العاجز أنه ممنوع بعجزه (٤). ومن فتن الشبهات التي عمت في هذا الزمن، وانخدع بها كثير من الناس، الفتنة بالكفار، وفتنتهم بنا نحن
_________________
(١) انظر أحكام القرآن للقرطبي: ١٣/ ٣٥٨.
(٢) سورة العنكبوت الآية ٥٧
(٣) سورة العنكبوت الآية ٦٠
(٤) انظر أحكام القرآن للقرطبي: ١٣/ ٣٦٠.
[ ٤٥ / ٣١٧ ]
المسلمين. فالمسلمون يدعون الإسلام ويأتون بما يبرأ منه الإسلام، ويعتقدون أن ذلك من صميمه، وكما يوجد في كثير من بلاد المسلمين من الجهل والفقر والذل، فظن الكفار أن هذا هو الإسلام فنفروا منه وسخروا به، فكان ذلك فتنة عظيمة لهم، وحجابا كثيفا إلا من نظر منهم نظر علم وإنصاف، فإنه يعرف أن هذا ليس هو الإسلام. والكفار يراهم المسلمون الجهال في عز وسيادة وتقدم علمي وعمراني، فينظرون إلى تلك الناحية، فيندفعون في تقليدهم في كل شيء، حتى معائبهم ومفاسدهم، وصدق رسول الله - ﷺ -: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ (١)». فصار المسلمون يزدرون أعز عزيز لديهم إلا من رحم الله ونظر بعين العلم، وعرف أن كل ما عندهم من علم هو عندنا، وفي ديننا وتاريخنا، وما عندهم من شر فهو شر على حقيقته. فكانوا فتنة للمسلمين الذين تهمهم المظاهر، فتسلبهم إداركهم فلا يفرقوا بين اللب والقشور (٢).
_________________
(١) صحيح البخاري: ٤/ ١٤٤، كتاب الأنبياء باب ما ذكر عن بني إسرائيل وكتاب الاعتصام: ٨/ ١٥١، باب قول النبي - ﷺ -: لتتبعن سنن من كان قبلكم واللفظ له في الأول. صحيح مسلم: ٤/ ٣٠٥٤، كتاب العلم باب اتباع سنن اليهود والنصارى.
(٢) انظر مجالس الذكر والتأنيس لابن باديس: ٦٧، دار الفكر - الطبعة الثانية.
[ ٤٥ / ٣١٨ ]