ثالثا: هل التكفير حاصل بمجرد المصيبة أم لا بد من الصبر؟
[ ٤٥ / ٢٩١ ]
الناس بالنسبة لأقدار الله أربعة أقسام:
الأول: من يرضى عن ربه فيها لمزيد من حبه والشوق إليه، وهذا نشأ من مشاهدتهم للطف الله فيهم، وبره وإحسانه العاجل والآجل.
الثاني: من يشكر الله ﷿ على المصائب كما يشكر على النعم. وهذا فوق الرضا، إلا أنه غالبا ما يكون على النعم، فهو في فتنة السراء أظهر.
الثالث: من يصبر على أقدار الله، وهم المقصودون، ولا يتحقق الرضا والشكر إلا بالصبر.
الرابع: الجزع والتسخط والتشكي، واستبطاء الفرج، واليأس من الروح، والجزع الذي يفوت الأجر (١).
وعلى هذا التقسيم فلا بد للمصاب أن يكون من الصابرين فما فوق، أم من الساخطين، وقد ذكر ابن حجر أن الأجر حاصل بمجرد المصيبة، فقال عند سياقه للحديث الأول - حديث عائشة السابق ذكره: (وفي هذا الحديث تعقب على الشيخ عز الدين بن عبد السلام (٢) حيث قال: ظن بعض الجهلة أن المصاب مأجور إنما هو على الكسب، وهو خطأ صريح؛ فإن الثواب والعقاب إنما هو على الكسب، والمصائب ليست منها، بل الأجر على الصبر والرضا) (٣).
_________________
(١) انظر طريق الهجرتين: ٢١٨.
(٢) تقدمت ترجمته في ص: ٢٨٦.
(٣) قواعد الأحكام في مصالح الأنام: ١/ ١٢٧.
[ ٤٥ / ٢٩٢ ]
ووجه التعقب أن الأحاديث الصحيحة صريحة في ثبوت الأجر بمجرد حصول المصيبة، وأما الصبر والرضا فقدر زائد يمكن أن يثاب عليهما زيادة على ثواب المصيبة، قال القرافي: المصائب كفارات جزما، سواء اقترن بها الرضا أم لا، لكن إن اقترن بها الرضا عظم التكفير وإلا قل، كذا قال: والتحقيق أن المصيبة كفارة لذنب يوازيها، وبالرضا يؤجر على ذلك، فإن لم يكن للمصاب ذنب عوض عن ذلك من الثواب بما يوازيه (١) ا. هـ.
والذي يظهر لي بعد هذا النقل أن الأجر لا يحصل إلا مع الصبر، لا بد للإنسان أن يصبر أو يسخط، ولا أعرف مرتبة بينهما، إلا أن الصبر إما أن يكون لله ومع الله فإنه يؤجر على ذلك؛ للآيات والأحاديث التي تحث على الصبر وتأمر به، وإما أن يكون لغير ذلك من غاياته في الدنيا، أو يجبر على الصبر كصبر البهائهم، ويسلي نفسه كصبر الكفار، فإن هذا لا أجر له.
قال ابن القيم بعد أن تكلم على الصبر فقال: المراتب أربعة:
أحدها: مرتبة الكمال، وهي مرتبة أولي العزائم، وهي الصبر لله وبالله، فيكون في صبره مبتغيا وجه الله، صابرا به، متبرئا من حوله
_________________
(١) فتح الباري: ١٠/ ١٠٥، وانظر ١٠٩.
[ ٤٥ / ٢٩٣ ]
وقوته، فهذا أقوى المراتب وأرفعها وأفضلها.
الثانية: أن لا يكون فيه لا هذا ولا هذا، فهو أخس المراتب، وأردأ الخلق، وهو جدير بكل خذلان وبكل حرمان.
الثالثة: مرتبة من فيه صبر بالله، وهو مستعين متوكل على حوله وقوته، متبرئ من حوله هو وقوته، ولكن صبره ليس لله؛ إذ ليس صبره فيما هو مراد الله الديني منه، فهذا ينال مطلوبه ويظفر به، ولكن لا عاقبة له، وربما كانت عاقبته شر العواقب.
الرابعة: من فيه صبر لله لكنه ضعيف النصيب من الصبر به، والتوكل عليه، والثقة به والاعتماد عليه، فهذا له عاقبة حميدة، ولكنه ضعيف عاجز (١).
وإن حصل مع الصبر على المصائب رضى وشكر فإنه أعظم للأجر، فالرضى بالقضاء الكوني القدري الجاري على خلاف مراد العبد ومحبته، مما لا يلائمه ولا يدخل تحت اختياره، مستحب وهو من مقامات أهل الإيمان، بخلاف الرضى بالقدر الجاري عليه باختياره، مما يكرهه الله ويسخطه وينهي عنه، كالظلم والفسوق والعصيان، فإن هذا حرام يعاقب عليه، وهو مخالفة لله تعالى (٢). وكذلك الشكر؛ حيث إن الله أمر به وأثنى على أهله ونهى عن ضده، من ذلك قوله تعالى عن إبراهيم في دعوة قومه: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٣).
_________________
(١) مدار السالكين ٢/ ١٧٧.
(٢) انظر مدارج السالكين: ٢/ ٢٠٢.
(٣) سورة العنكبوت الآية ١٧
[ ٤٥ / ٢٩٤ ]
وقال سبحانه: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (١). إلا أن الغالب في الشكر أن يكون على السراء وهي من الفتن العامة التي ينبغي للمسلم أن يشكر الله عليها، وليست من المصائب النازلة المقصودة في هذا الموضوع.
فتبين أنه لا أجر بدون الصبر فما فوقه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (المصائب التي تجري بلا اختيار العبد، كالمرض وموت العزيز عليه، وأخذ ماله، فإن تلك إنما يثاب على الصبر عليها، لا على نفس ما يحدث من المصيبة وما يتولد عنها) (٢). وأما إن حصل ضد الصبر وهو الجزع والتسخط والتشكي، فإن هذا لا يؤجر، بل قد يحصل له الإثم لقوله - ﷺ -: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط (٣)». وعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ -: «برئ من الصالقة
_________________
(١) سورة سبأ الآية ١٣
(٢) أمراض القلوب وشفاؤها: ٢١.
(٣) مسند أحمد: ٥/ ٤٢٧ - ٤٢٩ سنن الترمذي: ٤/ ٦٠١ وقال حديث حسن غريب من هذا الوجه.
[ ٤٥ / ٢٩٥ ]
والحالقة والشاقة (١)».
وقوله - ﷺ -: «ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية (٢)».
ومن حكم الابتلاء التمييز بين المؤمنين والكفار كما تقدمت الإشارة إلى ذلك عند التمحيص. فالتمييز: من مزت الشيء أميزه ميزا: عزلته وفرزته، وكذلك ميزته تمييزا فانماز، وامتاز، وتميز، واستماز كله بمعنى، يقال: امتاز القوم إذا تميز بعضهم من بعض، وفلان يكاد يتميز من الغيظ أي ينقطع (٣). هذا معنى التمييز في اللغة، فالمراد هنا تمييز المؤمن من الكافر، وقد ثبت ذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (٤). قال الطبري - رحمه الله تعالى -: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ (٥) منهم، في قولهم: آمنا، ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (٦) منهم في قولهم ذلك، والله عالم بذلك منهم قبل الاختبار، وفي حال الاختبار، وبعد الاختبار، ولكن معنى ذلك:
_________________
(١) صحيح البخاري: ٢/ ٨٣ كتاب الجنائز باب ما ينهى الحلق عند المصيبة (٣٨) صحيح مسلم: ١/ ١٠٠ كتاب الإيمان باب تحريم ضرب الخدود (٤٤). الصالقة: هي التي ترفع صوتها عند المصيبة. الحالقة: هي التي تحلق شعرها.
(٢) صحيح البخاري: ٢/ ٨٣ كتاب الجنائز باب ليس منا من ضرب الخدود (٣٩) صحيح مسلم: ١/ ٩٩ كتاب الإيمان باب تحريم ضرب الخدود (٤٤) ودعوى الجاهلية: هي النياحة وندبة الميت والدعاء بالويل وشبهه، النووي على مسلم: ٢/ ١١٠.
(٣) الصحاح للجوهري: ٣/ ٨٩٧.
(٤) سورة العنكبوت الآية ٣
(٥) سورة العنكبوت الآية ٣
(٦) سورة العنكبوت الآية ٣
[ ٤٥ / ٢٩٦ ]
وليظهرن الله الصادق منهم في قوله: آمنا بالله، من كذب الكاذب منهم، بابتلائه إياه؛ ليعلم صدقه من كذبه أولياؤه (١).
والله ﷿ بين في كتابه عن تمام حكمته، وأن حكمته لا تقضي أن كل من قال: أنه مؤمن، وادعى لنفسه الإيمان؛ أن يبقوا في حالة يسلمون فيها من الفتن والمحن، ولا يعرض لهم ما يشوش عليهم إيمانهم وفروعه، فإنهم لو كان الأمر كذلك لم يتميز الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل، ولكن سنته تعالى في الأولين وفي هذه الأمة أن يبتليهم بالسراء والضراء، والعسر واليسر، والمنشط والمكره، والغني والفقر، وإدالة الأعداء عليهم في بعض الأحيان، ومجاهدة الأعداء بالقول والعمل، ونحو ذلك من الفتن التي ترجع كلها إلى فتنة الشبهات المعارضة للعقيدة، والشهوات المعارضة للإرادة.
فمن كان عند ورد الشبهات يثبت إيمانه ولا يتزلزل، ويدفعها بما معه من الحق، وعند ورود الشهوات الموجبة والداعية إلى المعاصي والذنوب، أو الصارفة عن ما أمر الله به ورسوله، يعمل بمقتضى الإيمان، ويجاهد شهوته دل ذلك على صدق إيمانه وصحته، ومن كان عند ورود الشبهات تؤثر في قلبه شكا وريبا، وعند اعتراض الشهوات تصرفه إلى المعاصي أو تصدفه عن الواجبات، دل ذلك على عدم صحة إيمانه وصدقه (٢). فعلى هذا يكون الابتلاء تخليص الخير من الشر وتمييزه
_________________
(١) جامع البيان عن تأويل آي القرآن: ٢٠/ ١٢٩.
(٢) تيسير الكريم الرحمن: ٦/ ٦٦.
[ ٤٥ / ٢٩٧ ]
سواء في الدنيا الآخرة، كما قال تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (١)، وكما قال - ﷺ -: - ﷺ -: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا، لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه (٣)». وعلى هذا فهل يمكن تمييز الخبيث من الطيب بدون ابتلاء؟ إنه لا بد للتمييز من ابتلاء، فما يصيب المؤمن في هذه الدار من إدالة عدوه عليه، وأذاه له في بعض الأحيان أمر لازم لا بد منه، وهو كالحر الشديد والبرد الشديد، والأمراض والهموم والغموم، فهذا أمر لازم للطبيعة والنشأة الإنسانية في هذه الدار، حتى الأطفال والبهائم، لما اقتضته حكمة أحكم الحاكمين، فلو تجرد الخير في هذا العالم عن الشر والنفع من الضر واللذة عن الألم لكان عالما غير هذا ونشأة أخرى غير هذه النشأة (٤).
_________________
(١) سورة الأنفال الآية ٣٧
(٢) صحيح مسلم: ١/ ١٢٨ كتاب الإيمان باب بيان أن الإسلام بدأ غريبا: ٦٥ واللفظ له، مسند أحمد: ٥/ ٣٨٦: ٤٠٥.
(٣) المرباد: هو شدة البياض في سواد (أو شبه البياض) والكوز مجخيا أي منكوسا: صحيح مسلم: ١/ ١٣٠. (٢)
(٤) إغاثة اللهفان: ٢/ ١٨٩.
[ ٤٥ / ٢٩٨ ]
إذا لا بد من الابتلاء، فلو كان المؤمنون دائما منصورين قاهرين غالبين لدخل معهم من ليس قصده الدين ومتابعة الرسول، فإنه إنما ينضاف إلى من له الغلبة والعزة، ولو كانوا مقهورين مغلوبين دائما لم يدخل معهم أحد، فاقتضت الحكمة الإلهية أن كانت لهم الدولة تارة وعليهم تارة، فيتميز بذلك بين من يريد الله ورسوله ومن ليس له مراد إلا الدنيا والجاه (١). وقد مرت حوادث على الأمة الإسلامية تميز فيها الصادق من المنافق، ومن أبرزها ما حصل في غزوة أحد حين خرج رسول الله - ﷺ - وأصحابه إلى أحد، قال ابن إسحاق حتى إذا كانوا بالشوط (٢) بين المدينة وأحد انخذل عنه عبد الله بن أبي سلول بثلث الناس وقال: (أطاعهم وعصاني، ما ندري علام نقتل هاهنا أيها الناس)، فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب (٣)، وقد ذكر ابن القيم من الحكم في غزوة أحد فقال: (ومنها أن يتميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب، فإن المسلمين لما أظهرهم الله على أعدائهم يوم بدر وطالهم الصيب، ودخل معهم في الإسلام ظاهرا من ليس معهم فيه
_________________
(١) انظر: إغاثة اللهفان: ٢/ ١٩٠.
(٢) اسم حائط يعني بستانا في المدينة بينها وبين أحد. معجم البلدان: ٣/ ٣٧٢.
(٣) السيرة النبوية لابن هشام: ٣/ ٦٨ وانظر المغازي للواقدي: ١/ ٢١٩.
[ ٤٥ / ٢٩٩ ]
باطنا، فاقتضت حكمة الله ﷿ أن سبب لعباده محنة ميزت بين المؤمن والمنافق، فأطلع المنافقون رءوسهم في هذه الغزوة وتكلموا بما كانوا يكتمونه، وظهرت مخبأتهم وعاد تلويحهم تصريحا، وانقسم الناس إلى كافر ومؤمن ومنافق انقساما ظاهرا) (١)، وكما في قصة الأقرع والأعمى والأبرص، التي ميز الله فيها بين الغني الشاكر والكافر، وقد ميز الله بين المؤمنين والمنافقين وقد بين سبحانه أن المنافقين لا يتحملون أي أذى يصيبهم في ادعائهم الإيمان، فهم لا يصبرون ويعدون أي أذى كأنه هو عذاب الله، الذي بين سبحانه أنه شديد. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ (٢).
_________________
(١) زاد المعاد: ٣/ ٢١٩.
(٢) سورة العنكبوت الآية ١٠
[ ٤٥ / ٣٠٠ ]
الناس في الابتلاء ينقسمون إلى قسمين:
القسم الأول: إذا ابتلى الله عبده بشيء من أنواع البلايا والمحن، فإن رده ذلك الابتلاء والامتحان إلى ربه، وجمعه عليه وطرحه ببابه، فهو علامة سعادته وإرادة الخير به، فمن حكمة الابتلاء بالنسبة للمؤمنين: تكميل العبودية لله في السراء والضراء، وفي حال العافية والبلاء، وفي حال إدالتهم والإدالة عليهم، فلله سبحانه على العباد في كلتا الحالتين عبودية، بمقتضى تلك الحال، لا تحصل إلا بها، ولا يستقيم
[ ٤٥ / ٣٠٠ ]
القلب بدونها، كما لا تستقيم الأبدان إلا بالحر والبرد والجوع والعطش والتعب والنصب وأضدادها، فتلك المحن والبلايا شرط في حصول الكمال الإنساني، والاستقامة المطلوبة منه، ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع (١). ومن العبودية أن يشكو العبد إلى ربه ويتضرع إليه ويدعوه، فالله يحب ذلك من العبد، (فهو سبحانه يرى عباده إذا نزل بهم ما يختبرهم به من المصائب وغيرها، ويعلم خائنة أعينهم وما تخفي صدورهم، فيثيب كل عبد على قصده ونيته، وقد ذم الله تعالى من لم يتضرع إليه، ولم يستكن له وقت البلاء) (٢). كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (٣). فالله ﷿ يذيق عبده ألم الحجاب عنه والبعد، وزوال ذلك الأنس والقرب ليمتحن عبده، فإن أقام على الرضى بهذه الحال، ولم يجد نفسه تطالبه بحالها الأولى مع الله، بل اطمأنت وسكنت إلى غيره، علم أنه لا يصلح فوضعه في مرتبته التي تليق به.
وإن استغاث به استغاثة الملهوف، وتعلق تعلق المكروب، ودعاء دعاء المضطر، وعلم أنه قد فاتته حياته حقا، فهو يهتف بربه أن يرد عليه حياته، ويعيد عليه ما لا حياة له بدونه، علم أنه موضع لما هو أهل له، فرد أحوج ما هو إليه، فعظمت به فرحته، وكملت به لذته، وتمت
_________________
(١) إغاثة اللهفان: ٢/ ١٩٠.
(٢) تسلية أهل المصائب: ٢١٧ - ٢١٨.
(٣) سورة المؤمنون الآية ٧٦
[ ٤٥ / ٣٠١ ]
به نعمته، واتصل به سروره، وعلم حينئذ مقداره، فعض عليه بالنواجذ، وثنى عليه الخناصر، وكان حاله كحال ذلك الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة إذ وجدها بعد معاينة الهلاك (١).
فما أعظم موقع ذلك الوجدان عنده، ولله أسرار وحكم ومنبهات وتعريفات لا تنالها عقول البشر.
القسم الثاني: إذا ابتلي الإنسان ولم يرده ذلك البلاء إلى الله، بل شرد قلبه عنه ورده إلى الخلق، وأنساه ذكر ربه، والضراعة إليه، والتذلل بين يديه والتوبة والرجوع إليه، فهو علامة شقاوته، وإرادة الشر به، فهذا إذا أقلع عنه البلاء رده إلى حكم طبيعته، وسلطان شهوته، ومرحه وفرحه، فجاءت طبيعته عند القدرة بأنواع من الشر والبطر، والإعراض عن شكر المنعم عليه بالسراء، كما أعرض عن ذكره والتضرع إليه في الضراء، فبلية هذا وبال عليه، وعقوبة ونقص في حقه (٢). ويرد على هذا:
مسألة: هل المصائب في الدنيا للمؤمنين فقط؟
وأقول: إنها ليست خاصة بالمؤمنين، فما يرى فيه الكافر والفاجر والمنافق من العز والنصر والجاه، فهو دون ما يحصل للمؤمنين بكثير، بل باطن ذلك ذل وكسر وهوان، وإن كان في الظاهر بخلافه. قال الحسن البصري ﵀: (أما والله لئن تدقدقت بهم الهماليح، ووطئت
_________________
(١) مفتاح دار السعادة: ١/ ٢٩٦.
(٢) طريق الهجرتين، ٩٦٤.
[ ٤٥ / ٣٠٢ ]
الرجال أعقابهم، إن ذل المعصية لفي قلوبهم، ولقد أبى الله أن يعصيه عبد إلا أذله) (١). وقد يشكل على بعض الناس حديث رسول الله - ﷺ - وهو: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر (٢)». ولكن يزول هذا الإشكال إذا علم أن المؤمن على ما هو فيه بالدنيا من العزة والنصر بالنسبة إلى ما يلاقيه عند الله في الجنة من النعيم المقيم كأنه كان في سجن، أما الكافر لما هو فيه في هذه الدنيا على أي حال بالنسبة لما أعده الله له من الجحيم والنكال العظيم فكأنه في جنة (٣).
_________________
(١) حلية الأولياء: ٢/ ١٤٩.
(٢) صحيح مسلم: ٤/ ٢٢٧٢ كتاب الزهد (١) سنن الترمذي: ٤/ ٥٦٢ كتاب الزهد باب ما جاء أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر سنن ابن ماجه: ٢/ ١٣٧٨ كتاب الزهد باب الهم بالدنيا (٣) مسند أحمد: ٢/ ٣٢٣ - ٣٨٩.
(٣) انظر النووي على مسلم: ١٨/ ٩٣.
[ ٤٥ / ٣٠٣ ]