قال النووي رحمه الله تعالى بعد سياقه للأحاديث المتقدمة: وفي
[ ٤٥ / ٢٨٢ ]
هذه الأحاديث بشارة عظيمة للمسلمين فإنه قلما ينفك الواحد منهم ساعة من شيء من هذه الأمور وفيه تكفير الخطايا بالأمراض والأسقام ومصائب الدنيا وهمومها وإن قلت مشقتها وفيه رفع الدرجات بهذه الأمور وزيادة الحسنات وهذا هو الصحيح الذي عليه جماهير العلماء وحكى القاضي عياض عن بعضهم أنها تكفر الخطايا فقط ولا ترفع درجة وتكتب حسنة قال: وروي نحوه عن ابن مسعود، وقال أيضا: والوجع لا يكتب به أجر لكن تكفر به الخطايا فقط. واعتمد على الأحاديث التي فيها تكفير الخطايا ولم تبلغه الأحاديث التي ذكرها مسلم المصرحة برفع الدرجات وكتب الحسنات (١).
وقال المنبجي ﵀. احتجت طائفة من العلماء إلى أنه يثاب على كل مصيبة بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢).
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي: ١٦/ ١٢٨.
(٢) سورة التوبة الآية ١٢٠
[ ٤٥ / ٢٨٣ ]
ثم ساق حديث أبي سعيد المتقدم وقال: وروى الحاكم في المستدرك أن النبي - ﷺ - قال: «المصاب من حرم الثواب (١)». وفي صحيح البخاري أن النبي - ﷺ - قال: «ما من الناس من مسلم يتوفى له ثلاث لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم (٢)» ثم ساق كلام النووي المتقدم وقال: ويؤيد ذلك قول عائشة - ﵂ -: «ما رأيت رجلا أشد عليه الوجع من رسول الله ﷺ (٣)»، وقوله - ﷺ -: «إني لأوعك مثل رجلين منكم (٤)» «وإنك لتوعك وعكا شديدا (٥)». وقوله - ﷺ -: «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل (٦)». قال جماعة من العلماء: والحكمة
_________________
(١) ذكره المنبجي ولم أجده في المستدرك.
(٢) صحيح البخاري: ٢/ ٧٢ كتاب الجنائز باب فضل من مات له ولد (٦) واللفظ له وبنحوه في صحيح مسلم: ٤/ ٢٠٢٨، كتاب البر باب فضل من يموت له ولد (٤٧) سنن الترمذي: ٣/ ٣٦٤، كتاب الجنائز باب ما جاء في ثواب من قدم ولدا.
(٣) مسند أحمد: ٦/ ١٧٣، سنن الترمذي: ٤/ ٦٠١. كتاب الزهد باب ما جاء في الصبر (٥٦) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٤) جزء من الحديث الذي قبله.
(٥) جزء من الحديث الذي قبله.
(٦) جزء من حيث تقدم تخريجه.
[ ٤٥ / ٢٨٤ ]
في كون الأنبياء أشد بلاء ثم الأمثل فالأمثل، أنهم مخصوصون بكمال الصبر وصحة الاحتساب، والأنبياء معصومون من الخطايا، ولهم الثواب والله أعلم.
وفي حديث المرأة التي كانت تصرع. دليل على أن الصرع يثاب عليه أكمل ثواب وفي صحيح مسلم قالت امرأة: «يا رسول الله دفنت ثلاثة قال: دفنت ثلاثة؟ قالت: نعم، قال: لقد احتظرت بحظار شديد من النار (١)».
قال بعض السلف: فقد الثواب على المصيبة أعظم من المصيبة فإنه قد ورد أن النبي - ﷺ - قال: «المصاب من حرم الثواب (٢)». واحتجت الطائفة الأخرى من العلماء ممن أطلق القول بأن المصائب لا يثاب عليها وإنما يثاب على الصبر عليها بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٣).
_________________
(١) صحيح مسلم: ٤/ ٢٠٣٠ كتاب البر باب فضل من يموت له ولد (٤٧) مسند أحمد: ٢/ ٤١٩.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) سورة الزمر الآية ١٠
[ ٤٥ / ٢٨٥ ]
قال ابن عبد السلام. في (قواعده): الثواب إنما يكون على فعل العبد لا على فعل الله فيه قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (١) ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٢)، فما حصل لهم من صلاة الله عليهم ورحمته لهم وهدايته إياهم بقولهم: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (٣) فالاسترجاع هو سبب في حصول ما ذكر (٤). وكذلك حديث الضحاك بن عبد الرحمن بن أبي موسى الأشعري - ﵁ -، أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يقول الله ﷿ لملك الموت يا ملك الموت قبضت ولد عبدي قبضت قرة عينيه وثمرة فؤاده، قال: نعم قال: فما قال: قال حمدك واسترجع قال: ابنوا له بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد (٥)». فحمده واسترجاعه هو سبب بناء البيت له في الجنة وتسمية البيت كافية (٦)، وقد تقدم نقل القاضي عياض (٧) ﵀ ولشيخ الإسلام
_________________
(١) سورة البقرة الآية ١٥٦
(٢) سورة البقرة الآية ١٥٧
(٣) سورة البقرة الآية ١٥٦
(٤) انظر قواعد الأحكام في مصالح الأنام: ١/ ١٢٦.
(٥) مسند أحمد: ٤/ ٤١٥، سنن الترمذي: ٣/ ٣٣٢ كتاب الجنائز باب فضل المصيبة إذا احتسب (٣٦) وقال: هذا حديث حسن غريب.
(٦) تسلية أهل المصائب: ٢٢٢.
(٧) تقدم ترجمته.
[ ٤٥ / ٢٨٦ ]
ابن تيمية تفصيل في المسألة، فبعد أن ذكر ما أصيب به الرسول والمؤمنون من المصائب بسبب اختيارهم طاعة الله فقال: (وإن كان صاحب المصائب يثاب على صبره ورضاه، وتكفر عنه الذنوب بمصائبه، فإن هذا (١) أصيب وأوذي باختياره طاعة الله، يثاب على نفس المصائب، ويكتب له بها عمل صالح قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢). بخلاف المصائب التي تجري بلا اختيار العبد، كالمرض وموت العزيز عليه، وأخذ اللصوص ماله، فإن تلك إنما يثاب على الصبر عليها، لا على نفس ما يحدث من المصيبة، وما يتولد عنها، والذين يؤذون على الإيمان وطاعة الله ورسوله، ويحدث لهم بسبب ذلك حرج أو مرض أو حبس أو فراق وطن وذهاب مال وأهل أو ضرب أو شتم أو نقص رياسة ومال، وهم في ذلك على طريقة الأنبياء وأتباعهم المهاجرين الأولين، فهؤلاء يثابون على ما يؤذون به ويكتب لهم به عمل صالح، كما يثاب المجاهد على ما يصيبه من الجوع والعطش والتعب وعلى غيظة الكفار، وإن
_________________
(١) هذا إشارة إلى ذكر متقدم وهو المؤمن الذي اختار الأذى بسبب طاعته لله وهو صاحب المصائب.
(٢) سورة التوبة الآية ١٢٠
[ ٤٥ / ٢٨٧ ]
كانت هذه الآثار ليست عملا فعله ويقوم به، لكنها متسببة عن فعله الاختياري وهي التي يقال لها متولدة (١) ا. هـ.
فتبين من كلام شيخ الإسلام أن المصائب مكفرات ومثيبات وإن كانت بسبب طاعة الله فإنه يثاب عليها وعلى ما يتولد منها، وهذا ما دلت عليه النصوص، فقد تقدم جملة من الأدلة على تكفير السيئات.
أما الأدلة العامة على رفع الدرجات فمنها: عن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «ما يصيب المؤمن من شوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه خطيئة (٢)». وفي لفظ: «ما من شيء يصيب المؤمن حتى الشوكة تصيبه إلا كتب الله له حسنة أو حطت عنه بها خطيئة (٣)». وعن أنس - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط (٤)». وعن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «من يرد الله به خيرا يصب منه (٥)». وعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «يقول الله تعالى: ما
_________________
(١) أمراض القلوب وشفاؤها: ٢٠.
(٢) صحيح مسلم: ٣/ ١٩٩١ كتاب البر ثواب المؤمن فيما يصيبه (١٤) واللفظ له.
(٣) صحيح مسلم: ٤/ ١٩٩٢ كتاب البر ثواب المؤمن فيما يصيبه (١٤).
(٤) سنن الترمذي: ٤/ ٦٠١ كتاب الزهد باب ما جاء في الصبر على البلاء: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، سنن ابن ماجه: ٢/ ١٣٣٨ كتاب الفتن باب الصبر على البلاء (٢٣) وحسنه الألباني في صحيح الجامع: ١/ ٢١٦، وسلسلة الأحاديث الصحيحة: ١/ ٢٢٧ رقم ١٤٦.
(٥) تقدم.
[ ٤٥ / ٢٨٨ ]
لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة (١)». ومع هذا الأجر العظيم الذي دلت عليه الأحاديث فإنها تدل كذلك على التعويض من الله، سواء في الدنيا أو الآخرة، لدلالة الأحاديث المتقدمة والآيات الواردة في ذلك منها قوله سبحانه: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢). وقوله ﷾: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣). فهذه الآية كما تقدم في تكفير السيئات أن المؤمن لا بد له من ابتلاء حتى عمله ابتلاء من الله هل يصبر ويعمله باحتساب أم لا، فإن كان عمله أشغله عن لذة من لذات الدنيا فإن العوض من الله خير، كما قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله قال إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة (٤)» يريد عينيه. والمتتبع لسير المرسلين وأتباعهم، وما أصيبوا به من أذى، يرى أن العاقبة كانت لهم، سواء في العاجل أو الآجل.
فهذا إبراهيم - ﵇ - لما صبر على بلاء قومه عوضه الله بذرية
_________________
(١) صحيح البخاري: ٧/ ١٧٢ كتاب الرقاق باب العمل الذي يبتغي به وجه الله تعالى، مسند أحمد: ٢/ ٤١٧.
(٢) سورة العنكبوت الآية ٥
(٣) سورة العنكبوت الآية ٧
(٤) صحيح البخاري: ٧/ ٤ كتاب المرضى باب فضل من ذهب بصره واللفظ له، مسند أحمد: ٣/ ١٤٤ سنن الترمذي: ٤/ ٦٠٣ كتاب الزهد باب ما جاء في ذهاب البصر ٧/ ٤٥٧.
[ ٤٥ / ٢٨٩ ]
بارة مطيعة كما قال سبحانه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (١). ولما ترك المهاجرون ديارهم لله وأوطانهم التي هي أحب شيء إليهم حيث أمرهم الله قال: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ (٢). أعاضهم الله أن فتح عليهم الدنيا، وملكهم شرق الأرض وغربها، فمن اتقى الله ﷿ وترك الشيء له لأجله سبحانه، عوضه الله خيرا عظيما، كما قال - ﷺ -: «ما ترك عبد شيئا لله لا يتركه إلا له عوضه الله منه ما هو خير له منه في دينه ودنياه (٣)». ويقول ﷾: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٤) ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (٥). وكما ترك يوسف الصديق امرأة العزيز لله، واختار السجن على الفاحشة، عوضه الله أن مكنه في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء.
وقد بين الله ﷾ أن المجاهد في الله يهديه الله سبله
_________________
(١) سورة العنكبوت الآية ٢٧
(٢) سورة العنكبوت الآية ٥٦
(٣) كشف الخفا: ٢/ ٢٣٩ - ٣١٢ الرقم ٢١١٩ - ٢٤٢٨ واللفظ له مسند أحمد: ٥/ ٧٨.
(٤) سورة الطلاق الآية ٢
(٥) سورة الطلاق الآية ٣
[ ٤٥ / ٢٩٠ ]
ومعلوم أن المجاهد لله لا بد أن يترك كثيرا من الملذات والشهوات ويقبل على الله فعوضه الله أن هداه سبيله وكان معه خاصة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١). وقد عزى الله المؤمنين حين اختاروا الألم المنقطع على الألم العظيم المستمر بقوله: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢). فضرب لمدة هذا الألم لا بد أن يأتي وهو يوم لقائه، فيلتذ العبد أعظم اللذة بما تحمل من الألم من أجله وفي مرضاته، وتكون لذته وسروره وابتهاجه بقدر ما تحمل من الألم في الله ولله، وأكد هذا العزاء والتسلية برجاء لقائه؛ ليحمل العبد اشتياقه إلى لقاء ربه ووليه على تحمل مشقة الألم العاجل، كما عزاهم تعالى بعزاء آخر وهو أن جهادهم فيه إنما هو لأنفسهم، وثمرته عائدة عليهم، وأنه غني عن العالمين. .، ثم أخبر أنه يدخلهم بجهادهم وإيمانهم في زمرة الصالحين (٣) كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ (٤).
_________________
(١) سورة العنكبوت الآية ٦٩
(٢) سورة العنكبوت الآية ٥
(٣) زاد المعاد: ٣/ ١٦.
(٤) سورة العنكبوت الآية ٩
[ ٤٥ / ٢٩١ ]