الرحمة مطلب ضروري للخلق، بدونها لا يسعدون، ولا يأمنون، بل يخسرون ويضلون ومن ثم تضرع الأنبياء لربهم سائلين الله تعالى رحمته.
قال تعالى حكاية عن آدم وحواء: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١)، وقال تعالى حكاية عن نوح: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٤) ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ (٥)، وقال تعالى حكاية عن موسى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٦).
وقال تعالى حكاية عن سليمان: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ (٧).
_________________
(١) سورة الأعراف الآية ٢٣
(٢) سورة هود الآية ٤٧
(٣) سورة الأعراف الآية ١٥٥
(٤) سورة الأنبياء الآية ٨٣
(٥) سورة الأنبياء الآية ٨٤
(٦) سورة الأعراف الآية ١٥١
(٧) سورة النمل الآية ١٩
[ ٤٥ / ٢٢٢ ]
وروى الإمام مسلم وغيره من حديث عائشة قالت: «قال رسول الله - ﷺ - في استغفاره لأهل البقيع: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون (١)»، وقال ﷺ: «يرحمنا الله وأخا عاد (٢)».
وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: «لن ينجي أحدا منكم عمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته، سددوا وقاربوا، واغدوا وروحوا وشيء من الدلجة والقصد القصد تبلغوا (٣)»، كما قال نبي الرحمة ﷺ: «دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت (٤)»، «وكان - ﷺ - إذا استسقى قال: اللهم اسق عبادك وبهائمك، وانشر رحمتك وأحيي بلدك الميت (٥)»، «وقال أبو بكر الصديق - ﵁ - لرسول الله ﷺ: علمني دعاء أدعو به
_________________
(١) صحيح مسلم ٢/ ٦٧١ رقم ١٠٣، والنسائي جنائز / ١٠٣، وأحمد ٦/ ٢٢١.
(٢) أخرجه ابن ماجه في السنن ٢/ ١٢٦٦ رقم ٣٨٥٢ ثم قال المحقق: في الزوائد إسناده صحيح، رجاله ثقات.
(٣) صحيح البخاري ١١/ ٢٩٤ رقم ٦٤٦٣، صحيح مسلم، منافقون / ٧٧، ابن ماجه، زهد / ٢٠، الدارمي، رقاق / ٢٤، أحمد ٢/ ٢٣٥.
(٤) أخرجه أحمد ٥/ ٤٢، وأبو داود - أدب / ١٠١ وذكره الألباني في صحيح الجامع رقم ٣٣٨٢ عن أبي بكرة ثم قال حسن.
(٥) أخرجه أبو داود ١/ ٣٠٥ رقم ١١٧٦، ومالك في استسقاء، وأحمد ٥/ ٦٠ من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه وعن جده.
[ ٤٥ / ٢٢٣ ]
به في صلاتي؟، قال: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم (١)»، وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة قال: قال ﷺ: «إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم يقول: باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين (٢)».
وما دامت الرحمة مطلبا ضروريا للخلق حتى رأينا الأنبياء أنفسهم يتضرعون في طلبها، فعلينا أن نكثر من طلب الرحمة من أرحم الراحمين لعل الله تعالى يستجيب لنا فنسعد في الدنيا والآخرة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في الصحيح ٢ رقم ١٣٤، مسلم، فضائل الصحابة / ٨٥، وأبو داود صلاة / ١٣٥، والترمذي، صلاة / ٩٥، والنسائي / ٥٩، وابن ماجه، إقامة / ٢٣، والموطأ، القرآن / ٢٨، وأحمد / ٤، ٢/ ٦٧، ٣/ ٤٧٢، ٤/ ٣٥٣، ٦/ ٣٠٣.
(٢) صحيح البخاري ١١/ ١٢٦ رقم ٦٣٢٠، أبو داود، أدب / ٩٨، الترمذي، دعوات / ٢٠، أحمد ٢/ ٢٤٦.
[ ٤٥ / ٢٢٤ ]