المسمى اليوم (الباروكة)
لسماحة الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فقد ثبت في الصحيحين: عن معاوية - ﵁ - «أنه خطب الناس على منبر رسول الله - ﷺ -، وتناول قصة من الشعر، كانت بيد حرسي، فقال: (أين علماؤكم يا أهل المدينة؟ سمعت رسول الله - ﷺ - ينهي عن مثل هذه ويقول: إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم (١)»، وفي لفظ لمسلم: «إنما عذب بنو إسرائيل لما اتخذ هذه نساؤهم (٢)».
وفي الصحيحين أيضا، واللفظ لمسلم، عن سعيد بن المسيب قال: «قدم معاوية المدينة فخطبنا، وأخرج كبة من شعر فقال: ما كنت أرى أن أحدا يفعله إلا اليهود، إن رسول الله - ﷺ - بلغه فسماه: الزور (٣)».
وفي لفظ آخر لمسلم: «أن معاوية - ﵁ - قال ذات يوم: إنكم قد أحدثتم زي سوء، وإن نبي الله - ﷺ - نهى عن الزور (٤)».
قال النووي - ﵀ - في شرح مسلم، عند كلامه على هذا
_________________
(١) صحيح البخاري أحاديث الأنبياء (٣٤٦٨)، صحيح مسلم اللباس والزينة (٢١٢٧)، سنن الترمذي الأدب (٢٧٨١)، سنن النسائي الزينة (٥٢٤٥)، سنن أبو داود الترجل (٤١٦٧)، مسند أحمد بن حنبل (٤/ ٩٥)، موطأ مالك الجامع (١٧٦٥).
(٢) صحيح البخاري أحاديث الأنبياء (٣٤٦٨)، صحيح مسلم اللباس والزينة (٢١٢٧)، سنن الترمذي الأدب (٢٧٨١)، سنن النسائي الزينة (٥٢٤٥)، سنن أبو داود الترجل (٤١٦٧)، مسند أحمد بن حنبل (٤/ ٩٥)، موطأ مالك الجامع (١٧٦٥).
(٣) صحيح البخاري أحاديث الأنبياء (٣٤٦٨)، صحيح مسلم اللباس والزينة (٢١٢٧)، سنن الترمذي الأدب (٢٧٨١)، سنن النسائي الزينة (٥٢٤٦)، سنن أبو داود الترجل (٤١٦٧)، مسند أحمد بن حنبل (٤/ ٩١)، موطأ مالك الجامع (١٧٦٥).
(٤) صحيح مسلم اللباس والزينة (٢١٢٧)، سنن النسائي الزينة (٥٢٤٨)، مسند أحمد بن حنبل (٤/ ٩١).
[ ٤٥ / ٣٣٧ ]
الحديث: (قوله: قصة من شعر، قال الأصمعي وغيره: هي شعر مقدم الرأس المقبل على الجبهة، وقيل: شعر الناصية)، قال: (وقوله أخرج كبة من شعر هي: بضم الكاف وتشديد الباء، وهي شعر مكفوف بعضه على بعض، وقال صاحب القاموس: القصة بالضم شعر الناصية).
وفي هذا الحديث الدلالة الصريحة على تحريم اتخاذ الرأس الصناعي، المسمى: (الباروكة)؛ لأن ما ذكره معاوية - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - في هذا الحديث الصحيح، في حكم القصة والكبة، ينطبق عليه، بل ما اتخذه الناس اليوم ما يسمى: (الباروكة)، أشد في التلبيس وأعظم في الزور، إن لم يكن هو عين ما ذكره النبي - ﷺ - عن بني إسرائيل فليس دونه، بل هو أشد منه في الفتنة والتلبيس والزور، ويترتب عليه من الفتنة ما يترتب على القصة والكبة، إن لم يكن هو عينها، ولا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى؛ لأن العلة تعمهما جميعا.
وبذلك يكون محرما من وجوه أربعة:
أحدها: أنه من جملة الأمور التي نهى عنها النبي - ﷺ -، والأصل في النهي التحريم؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١)
وقوله - ﷺ -: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم (٢)» الحديث متفق على صحته.
الثاني: أنه زور وخداع.
_________________
(١) سورة الحشر الآية ٧
(٢) صحيح البخاري الاعتصام بالكتاب والسنة (٧٢٨٨)، صحيح مسلم الفضائل (١٣٣٧)، سنن النسائي مناسك الحج (٢٦١٩)، سنن ابن ماجه المقدمة (٢)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ٥٠٨).
[ ٤٥ / ٣٣٨ ]
الثالث: أنه تشبه باليهود، وقد ثبت عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «من تشبه بقوم فهو منهم (١)».
الرابع: أنه من موجبات العذاب والهلاك؛ لقوله - ﷺ -: «إنما هلكت بنوا إسرائيل لما اتخذ مثل هذه نساؤهم (٢)».
ويؤيد ما ذكرنا من تحريم اتخاذ هذا الرأس: أنه أشد في التلبيس والزور والخداع من وصل الشعر بالشعر، وقد ثبت عن رسول الله - ﷺ - في الصحيحين وغيرهما: «أنه لعن الواصلة والمستوصلة (٣)».
والواصلة هي: التي تصل شعرها بشعر آخر، ولهذا ذكر البخاري - ﵀ - هذا الحديث، أعني حديث معاوية في باب وصل الشعر، تنبيها منه - ﵀ - أن اتخاذ مثل هذا الرأس الصناعي في حكم الواصل، وذلك يدل على فقهه - ﵀ - وسعة علمه ودقة فهمه، ووجه ذلك: أنه إذا كان وصل المرأة شعرها بما يطوله أو يكثره ويكبره حراما تستحق عليه اللعنة؛ لما في ذلك من الخداع والتدليس والزور، فاتخاذ رأس كامل مزور أشد في التدليس، وأعظم في الزور والخداع، وهذا بحمد الله واضح.
فالواجب على المسلمين محاربة هذا الحدث الشنيع، وإنكاره، وعدم استعماله، كما يجب على ولاة الأمور- وفقهم الله - منعه والتحذير منه؛ عملا بسنة الرسول - ﷺ -، وتنفيذا لمقتضاها، وحسما لمادة الفتنة، وحذرا من أسباب الهلاك والعذاب، وحماية المسلمين من مشابهة أعداء الله اليهود، وتحذيرا لهم مما يضرهم في العاجل والآجل.
_________________
(١) سنن أبو داود اللباس (٤٠٣١).
(٢) صحيح البخاري اللباس (٥٩٣٣)، صحيح مسلم اللباس والزينة (٢١٢٧)، سنن الترمذي الأدب (٢٧٨١)، سنن النسائي الزينة (٥٢٤٥)، سنن أبو داود الترجل (٤١٦٧)، مسند أحمد بن حنبل (٤/ ٩٥)، موطأ مالك الجامع (١٧٦٥).
(٣) صحيح البخاري اللباس (٥٩٣٣).
[ ٤٥ / ٣٣٩ ]
والله المسئول أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يفقههم في الدين، وأن يعيذهم من كل ما يخالفه، وأن يوفق ولاة أمرهم لكل ما فيه صلاح العباد والبلاد، في المعاش والمعاد، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
[ ٤٥ / ٣٤٠ ]