فالأمية - إذن - مدلولاتها عديدة، وأكثر هذه المدلولات ذات دلالات حسنة ومعاني محمودة. ومن الغريب أن يتجاهل القائمون على إصدار (المعجم الوسيط) - وهو المعجم الذي قام على إعداده نخبة مختارة من أعضاء مجمع اللغة العربية بالقاهرة - هذه الدلالات كلها لمفهوم (الأمية)، ويذهبوا إلى حصر معناها، فيما هو نقص وسلب، غافلين عن إيراد كل ما هو مشرق وحميد.
قالوا: (الأمية: مؤنث الأمي، ومصدر صناعي، معناه: الغفلة أو الجهالة).
وعرفوا الأمي، بأنه: (من لا يقرأ ولا يكتب، نسبة إلى الأم أو الأمة، أو العيي الجافي) (١).
ولنا على هذا الكلام بعض الملاحظات:
١ - أنهم حصروا مفهوم (الأمية) بواحد فقط من مدلولاتها الكثيرة، التي وردت في كتاب الله ﷿ وفي سنة نبيه - ﷺ -، وهي معان وعاها المفسرون وأرباب اللغة، وأسهبوا في بيانها، وفصلوا الحديث عنها في أسفارهم.
فلماذا يختار أصحاب هذا المعجم هذا المدلول، ويصرون على ذكره دون غيره، ضاربين بجميع المدلولات الأخرى عرض الحائط؟
إنه انتقاء لا يستدعيه سبب وجيه، إضافة إلى أنه يساهم في تكريس الصورة البشعة لمفهوم (الأمية) في أذهان عامة الناس
_________________
(١) المعجم الوسيط ١/ ٢٧.
[ ٤٥ / ١٦٩ ]
ويشارك في إقصائهم عن تلمس وجه الحق والصواب فيه.
٢ - أنهم عرفوا (الأمي) بأنه: (من لا يقرأ ولا يكتب)، وفي هذا تعميم يبعث على التشويش. فالقراءة قراءتان: قراءة من الحفظ، وقراءة من الكتاب، وقد كان العرب - ومنهم النبي - ﷺ -، وجم غفير من صحابته الكرام - رضوان الله عليهم أجمعين -، إضافة إلى من كان فيهم من الشعراء والخطباء والنبهاء - لا يحسنون في غالبهم القراءة من كتاب، إلا أنهم كانوا يقرءون من حفظهم، وقد شملتهم عبارة (الأمية)، لا لكونهم لا يقرءون إطلاقا، وإنما لكونهم لا يحسنون القراءة من كتاب، ليس غير.
قال ابن تيمية في قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ (١): (هو أمي باعتبار أنه لا يكتب، ولا يقرأ ما في الكتب، لا باعتبار أنه لا يقرأ من حفظه، بل كان يحفظ القرآن أحسن حفظ).
وعليه وجب تحديد التعريف، بأن الأمي: (من لا يكتب، ولا يقرأ من كتاب)، ليكون أكثر دقة، وأبعد عن التعميم المفضي إلى التشويش.
٣ - ثم إذا كانت (الأمية) عند أصحاب المعجم الوسيط لا تعني إلا (الغفلة أو الجهالة)، وإذا كان (الأمي) - عندهم - لا يعني إلا (من لا يقرأ ولا يكتب) أو (العيي الجافي)، فهل يستطيع واحد منهم أن يتجرأ ويحصر تفسير أميته - ﷺ - أو أمية هذه الأمة المسلمة، بأحد هذه المعاني التي ذكروها؟!
_________________
(١) سورة الأعراف الآية ١٥٨
[ ٤٥ / ١٧٠ ]
لا أظن أن واحدا منهم يستطيع أن يتجرأ على شيء من ذلك أبدا.
لقد قصر المعجم في تحديد مفهوم (الأمية)، إذ تناسى جميع مدلولاتها، التي تعج بذكرها كتب التفسير وشروح الحديث واللغة، وألزم نفسه الوقوف عند واحد منها - وهو المدلول الشائع الذائع بين الناس اليوم - مكرسا له، ومؤكدا عليه، بدل المساهمة في جلاء صورة الحق، وإيضاح أوجه الصواب.
[ ٤٥ / ١٧١ ]