الله تعالى ذو رحمة واسعة فقد وسعت رحمته - سبحانه - كل شيء ووسع - جل شأنه - كل شيء رحمة وعلما.
قال سبحانه: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ (١)، وقال جل شأنه: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ (٢)، وقال تبارك اسمه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣)، وقال عز من قائل: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٤)،
_________________
(١) سورة الأعراف الآية ١٥٦
(٢) سورة غافر الآية ٧
(٣) سورة الحديد الآية ٢٨
(٤) سورة الأنعام الآية ١٢
[ ٤٥ / ٢٠٧ ]
وقال تبارك اسمه: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١)، وقال ﵎: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٣)، وقال أحكم الحاكمين: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ (٤)، وقال عز اسمه: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٥).
وقال سبحانه: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ (٦)، وقال رسول الله ﷺ: «جعل الله الرحمة في مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا، وأنزل في الأرض جزءا واحدا، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلق، حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه (٧)»، وفي رواية أخرى قال رسول الله ﷺ: «إن لله
_________________
(١) سورة الأنعام الآية ٥٤
(٢) سورة الأنعام الآية ١٣٣
(٣) سورة الأنعام الآية ١٤٧
(٤) سورة الإسراء الآية ١٠٠
(٥) سورة فاطر الآية ٢
(٦) سورة ص الآية ٩
(٧) صحيح البخاري ١٠/ ٤٣١ رقم ٦٠٠٠، مسند أحمد ٥/ ٤٣٩، ٢/ ٣٣٤، ٣/ ٥٥، صحيح مسلم توبة ص ١٧، جامع الترمذي دعوات / ٩٩، سنن ابن ماجه ٢/ ١٤٣٥ رقم ٤٢٩٣، سنن الدارمي رقاق / ٦٩.
[ ٤٥ / ٢٠٨ ]
مائة رحمة قسم منها رحمة بين جميع الخلائق فبها يتراحمون، وبها يتعاطفون، وبها تعطف الوحش على أولادها، وأخر تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة (١)»، وعند مسلم من حديث سلمان قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة (٢)»، وفي رواية أخرى قال رسول الله ﷺ: «إن لله مائة رحمة فمنها رحمة بها يتراحم الخلق بينهم، وتسعة وتسعون ليوم القيامة (٣)».
وروى مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد (٤)»، وفي رواية قال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة فأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة، فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بالذي عند الله من العذاب لم يأمن
_________________
(١) صحيح مسلم ٤/ ٢١٠٨ رقم ١٩ من حديث أبي هريرة، سنن ابن ماجه ٢/ ١٤٣٥، رقم ٤٢٩٣، صحيح الجامع رقم ٢١٦٨.
(٢) صحيح مسلم ٤/ ٢١٠٩ رقم ٢١.
(٣) صحيح مسلم ٤/ ٢١٠٨ رقم ٢٧٥٣.
(٤) الصحيح ٤/ ٢١٠٩ رقم ٢٧٥٥.
[ ٤٥ / ٢٠٩ ]
النار (١)»، وروى ابن ماجه من حديث هشام بن عمار ثنا الوليد بن مسلم، ثنا إسحاق بن عبيد الله المدني قال: سمعت عبد الله بن أبي مليكة يقول: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: قال رسول الله ﷺ: «إن للصائم عند فطره لدعوة ما ترد»، قال ابن أبي مليكة: (سمعت عبد الله بن عمرو يقول إذا أفطر: اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي) (٢).
هذا وعلى المسلم ألا يغتر بسعة رحمة الله تعالى فيعصي اتكالا على ذلك، بل عليه أن يتذكر قول الله - عز شأنه -: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣)، وقوله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ (٤)، فرحمته قريب لكن من المحسنين فقط، وهو يكتبها لكن للمتقين.
_________________
(١) صحيح الجامع رقم ١٧٥٩ ثم قال عنه الألباني: صحيح.
(٢) سنن ابن ماجه ١/ ٥٥٧ رقم ١٧٥٣ ثم علق المحقق فقال: في الزوائد: إسناده صحيح.
(٣) سورة الأعراف الآية ٥٦
(٤) سورة الأعراف الآية ١٥٦
[ ٤٥ / ٢١٠ ]