يجب على كل مسلم الإيمان بالله جل وعلا، وبأسماه وصفاته وأنه
[ ٤٥ / ٣١٨ ]
يجب الإيمان بها من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولكن هناك من انحرف عن هذا الطريق واتبع ما تشابه، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١)، وسبب نزول هذه الآية: أن وفدا من نصارى نجران تخاصموا إلى النبي - ﷺ - فقالوا: ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه؟ (٢)، قال: بلى، قالوا: فحسبنا ما أنزل الله - ﷿ - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ﴾ (٣)، ثم إن الله جل ثناؤه أنزل: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ (٤) (٥)، وقيل غير ذلك. وقال آخرون: بل عنى الله - ﷿ - بذلك كل مبتدع في دينه بدعة مخالفة لما ابتعث به رسوله محمدا - ﷺ - يتأوله من بعض آي القرآن المختلفة التأويلات، وإن كان الله قد أحكم بيان ذلك، إما في كتابه أو على لسان رسوله - ﷺ - (٦).
وهذا ما يدل عليه عموم الآية وإن كانت نزلت بسبب خاص فأهل
_________________
(١) سورة آل عمران الآية ٧
(٢) يقصدون عيسى بن مريم انظر أسباب النزول ص: ١٢٨.
(٣) سورة آل عمران الآية ٧
(٤) سورة آل عمران الآية ٥٩
(٥) جامع البيان عن تأويل القرآن ٣/ ١٧٧، وانظر أسباب النزول للواحدي ١٢٨.
(٦) جامع البيان عن تأويل القرآن ٣/ ١٧٧.
[ ٤٥ / ٣١٩ ]
الضلال الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا هم كما قال مجاهد: أهل البدع والشبهات يتمسكون بما هو بدعة في الشرع ومشتبه في العقل، كما قال فيهم الإمام أحمد: هم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب يحتجون بالمتشابه من الكلام ويضللون الناس بما يشبهون عليهم (١).
قال ابن تيمية: (المتشابه الموجود في القرآن تشابه نسبي فقد يتشابه عند هذا ما لا يتشابه عند غيره) (٢). يؤيد هذا قول المصطفى - ﷺ -: «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب (٣)». ومن قال من السلف أن المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله فقد أصاب أيضا ومراده بالتأويل ما استأثر الله بعلمه مثل وقت الساعة ومجيء
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام: ١٣/ ١٤٢.
(٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام: ١٣/ ١٤٤.
(٣) صحيح البخاري: ١/ ١٩ كتاب الإيمان باب فضل من استبرأ لدينه واللفظ له، صحيح مسلم: ٣/ ١٢١٩ كتاب المساقاة باب أخذ الحلال وترك الشبهات، كما أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي وأحمد: ٤/ ٢٦٩.
[ ٤٥ / ٣٢٠ ]
أشراطها ومثل كيفية نفسه وما أعده في الجنة لأوليائه (١). أما الذين في قلوبهم زيغ يدعون المحكم الذي لا اشتباه فيه مثل: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (٢). ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٣). وغير هذه الآيات ويتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة؛ ليفتنوا به الناس إذا وضعوه على غير مواضعه وابتغاء تأويله وهو الحقيقة التي أخبر عنها (٤). فمن الفتنة بالمتشابه ما أحدثه أهل الكلام في أسماء الله وصفاته حيث أولوا وحرفوا الكلم عن مواضعه فمما أنكروا السمع فقالوا: إنه لم يجئ خبر عن رسول الله - ﷺ -: (إن الله يسمع بسمع ويبصر ببصر) (٥). كما أنكروا العلم والقدر.
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: ١٣/ ١٤٤.
(٢) سورة البقرة الآية ١٦٣
(٣) سورة طه الآية ١٤
(٤) انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام: ١٣/ ٢٧٧.
(٥) رد الإمام الدارمي على بشر المريسي: ٤٦.
[ ٤٥ / ٣٢١ ]