إن الرحمة صفة لنبينا محمد - ﷺ - أيضا فهو رحيم بالمؤمنين يعز عليه ما يشق عليهم، بل إنه - ﷺ - نبي الرحمة - جاء في القرآن الكريم:
١ - ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١).
٢ - وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢).
وجاء في السنة:
١ - أخرج مسلم في الصحيح من حديث جبير بن مطعم أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن لي أسماء، أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد (٣)».
_________________
(١) سورة التوبة الآية ١٢٨
(٢) سورة التوبة الآية ٦١
(٣) صحيح مسلم ٤/ ١٨٢٨ رقم ١٢٥.
[ ٤٥ / ٢١٦ ]
٢ - أخرج مسلم وغيره من حديث أبي موسى الأشعري قال: «كان رسول الله - ﷺ - يسمي لنا نفسه أسماء، فقال: أنا أحمد، والمقفى، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة (١)».
٣ - أخرج مسلم أيضا من حديث عمران بن الحصين قال: «كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله - ﷺ - وأسر أصحاب رسول الله - ﷺ - رجلا من بني عقيل وأصابوا معه العضباء، فأتى عليه رسول الله - ﷺ - وهو في الوثاق قال: يا محمد، فأتاه، فقال: ما شأنك؟ فقال: بم أخذتني، وبم أخذت سابقة الحاج؟ فقال: إعظاما لذلك؛ أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف ثم انصرف عنه فناداه، فقال: يا محمد، يا محمد، وكان رسول الله - ﷺ - رحيما رقيقا. . . (٢)» الحديث.
وكان النبي - ﷺ - رحيما في كل المواطن، وكانت عيناه تفيضان بالدموع عندما يفيض قلبه بالرحمة، وقد يسمع صوت بكائه ﵊ ولم يفقد، بل لم تفارقه الرحمة حتى في المواقف التي يضطهد فيها، يضيق عليه أهل مكة الخناق هو وأصحابه، بل يؤذونه ويعذبون أصحابه فيقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون (٣)».
_________________
(١) صحيح مسلم ٤/ ١٨٢٩ رقم ٢٣٥٥. وأخرجه الترمذي في جامعه كتاب الدعوات / ١١٨، وابن ماجه في كتاب الإقامة ٢٥، وأحمد ٤/ ١٣٨، وذكره الألباني في صحيح الجامع رقم ١٤٨٦.
(٢) أخرجه مسلم في الصحيح ٣/ ١٢٦٢ رقم ١٦٤١، والبخاري في كتاب الأذان ١٧/ ١٨ وأبو داود في كتاب الإيمان / ٢١، والنسائي في الأذان / ٨ وأحمد ٣/ ٤٣٦، ٤/ ٤٣٣، ٥/ ٥٣.
(٣) صحيح البخاري أحاديث الأنبياء (٣٤٧٧)، صحيح مسلم الجهاد والسير (١٧٩٢)، سنن ابن ماجه الفتن (٤٠٢٥)، مسند أحمد بن حنبل (١/ ٤٥٣).
[ ٤٥ / ٢١٧ ]
وفي يوم الفتح صنع بمن حاربه السنين الطويلة ووقف في وجه الدعوة وقتل أصحابه فعل بهم كما فعل يوسف بإخوته عندما قال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (١). وكانت رحمته - ﷺ - تسع جميع الناس، ويحس بها كل الناس الضعفاء والأقوياء على حد سواء.
٤ - كان رحيما بالأمهات وأطفالهن: أخرج الشيخان من حديث أنس بن مالك أن النبي - ﷺ - قال: «إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه (٢)».
٥ - وذكر يوما رجلا أسود أو امرأة سوداء، أو فقده، فسأل عنه أو عنها، رحمة به أو بها، فقالوا: مات.
أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة «أن رجلا أسود - أو امرأة سوداء - كان يقم المسجد، فمات، فسأل النبي - ﷺ - عنه فقالوا: مات قال: أفلا كنتم آذنتموني به، دلوني على قبره - أو قال: قبرها - فأتى قبره فصلى عليه (٣)».
٦ - إن الذي سماه " رحيما " هو " الرحيم " الذي أنزل الرحمة في قلب عبده ومصطفاه حتى بلغت رحمته الحيوان.
روى الإمام أحمد من حديث عبد الرحمن بن عبد الله قال:
_________________
(١) سورة يوسف الآية ٩٢
(٢) أخرجه البخاري في الصحيح ٢/ ٢٠٢ رقم ٧١٠، ومسلم في الصلاة / ١٩١، وأبو داود في الصلاة / ١٣٣، والترمذي في الصلاة / ١٥٩، والنسائي في الإقامة / ٣٥، وابن ماجه في الإقامة / ٤٩، وأحمد ٣/ ١٠٩.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ١/ ٥٥٢ رقم ٤٥٨، ومسلم، وجنائز / ٧١ وغيرها.
[ ٤٥ / ٢١٨ ]
«نزل رسول الله - ﷺ - منزلا فانطلق إنسان إلى غيضة فأخرج منها بيض حمر، فجاءت الحمرة ترف على رأس رسول الله - ﷺ - ورءوس أصحابه، فقال: أيكم فجع هذه؟ فقال رجل من القوم: أنا أصبت لها بيضا. قال رسول الله - ﷺ - أردده (١)».
٧ - وصح أنه - ﷺ - «نهى عن قتل الصبر (٢)»، وفي رواية صحيحة أنه ﷺ: «نهى أن يقتل شيء من الدواب صبرا (٣)».
٨ - وكان يقبل الصبيان رحمة بهم، روى مسلم من حديث عائشة قالت: «قدم ناس من الأعراب على رسول الله - ﷺ - فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ فقالوا: نعم. فقالوا: لكنا والله ما نقبل.
فقال رسول الله ﷺ: أو أملك إن كان الله نزع منكم الرحمة (٤)».
٩ - وثبت أنه قال ﷺ: «من لا يرحم لا يرحمه الله ﷿ (٥)».
١٠ - وروى الإمام أحمد من حديث ابن عباس قال: «قالت قريش للنبي - ﷺ - ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبا ونؤمن بك. قال: وتفعلون؟ قالوا: نعم. قال: فدعا، فأتاه جبريل، فقال: إن ربك ﷿ يقرأ عليك السلام، ويقول: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبا، فمن كفر بعد ذلك منهم عذبته عذابا لا أعذبه
_________________
(١) مسند الإمام أحمد ١/ ٤٠٤ ورجاله ثقات عدا المسعودي صدوق.
(٢) صحيح الجامع رقم ٦٨٤٦ ثم قال: صحيح.
(٣) صحيح الجامع رقم ٦٧١٦ ثم قال: صحيح
(٤) صحيح مسلم ٤/ ١٨٠٨ رقم ٢٣١٧.
(٥) أخرجه البخاري في الصحيح ١٠/ ٢٣٨ رقم ٦٠١٣، صحيح مسلم ٤/ ١٨٠٩ رقم ٢٣١٩.
[ ٤٥ / ٢١٩ ]
أحدا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة. قال: بل باب التوبة والرحمة (١)».
١١ - وروى البخاري من حديث أسامة بن زيد - ﵄ - «قال: أرسلت ابنة النبي - ﷺ - إليه: أن ابنا لي قبض فأتنا، فأرسل يقرئ السلام ويقول: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب، فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينا، فقام ومعه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ورجال. فرفع إلى رسول الله - ﷺ - الصبي ونفسه تتقعقع - قال: حسبته أنه قال: كأنها شن - ففاضت عيناه، فقال سعد: يا رسول الله، ما هذا؟ فقال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء (٢)».
١٢ - وأخرج الإمام مسلم من حديث أبي هريرة قال: «قيل: يا رسول الله، ادع على المشركين قال: إني لم أبعث لعانا، وإنما بعثت رحمة (٣)».
١٣ - وروى الإمام البخاري من حديث عائشة قالت: «نهى رسول الله - ﷺ - عن الوصال في الصوم رحمة لهم - (٤)» الحديث.
١٤ - وعن أسامة بن زيد - ﵄ - قال: «كان رسول
_________________
(١) مسند الإمام أحمد ١/ ٢٤٢ ورجاله ثقات.
(٢) صحيح البخاري ٣/ ١٥١ رقم ١٢٨٤، ومسلم، جنائز / ١١، وأبو داود، جنائز / ٢٤، والنسائي، جنائز / ١٣، وابن ماجه، جنائز / ٥٣، وأحمد ١/ ٢٦٨، ٥/ ٢٠٤، ٦/ ٣
(٣) صحيح مسلم ٤/ ٢٠٠٧ رقم ٢٥٩٩ وأبو داود، سنة / ١٠، رقم ٥/ ٨١، ٦/ ٦٤.
(٤) صحيح البخاري ٤/ ٢٠٢ رقم ١٩٦٤ ومسلم، صيام / ٦١.
[ ٤٥ / ٢٢٠ ]
الله - ﷺ - يأخذني فيقعدني على فخذه، ويقعد الحسن بن علي على فخذه الآخر ثم يضمهما ثم يقول: اللهم ارحمهما فإني أرحمهما (١)».
من خلال هذه الأمثلة المتقدمة تتضح الصورة، وتصح التسمية ويتأسى به - ﷺ - في رحمته بأمته، ورحمته بالضعفاء، ورحمته بالنساء، ورحمته بالصغار، وبالحيوان، والرحمة بالأمة مطلب مهم، وصفة المؤمنين، وصف الله ﷾ المؤمنين بأنهم رحماء بينهم.
قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ (٣)، وقال رسول الله ﷺ: «ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو تداعى سائر جسده بالسهر والحمى (٤)».
_________________
(١) صحيح البخاري ١٠/ ٤٣٤ رقم ٦٠٠٣، وأحمد في المسند ٥/ ٢٠٥.
(٢) سورة الفتح الآية ٢٩
(٣) سورة البلد الآية ١٧
(٤) أخرجه البخاري في الصحيح ١٠/ ٤٣٨ رقم ٦٠١١ من حديث النعمان بن بشير، ومسلم في البر / ٦٦، وأحمد ٤/ ٢٧٠.
[ ٤٥ / ٢٢١ ]