أ- قال أبو بكر الجصاص ﵀ في تفسير آيات الأحكام: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (١) إلى قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢).
قال أبو بكر: أصل الربا في اللغة: هو الزيادة، ومنه الرابية لزيادتها على ما حواليها من الأرض، ومنه الربوة من الأرض، وهي المرتفعة، ومنه قولهم أربى فلان على فلان في القول أو الفعل إذا زاد عليه.
وهو في الشرع يقع على معان لم يكن الاسم موضوعا لها في اللغة، ويدل عليه أن النبي ﷺ سمى النساء ربا، في حديث أسامة بن زيد، فقال: «إنما الربا في النسيئة (٣)»، وقال عمر بن الخطاب: إن من الربا أبوابا لا تخفى منها السلم في السن. يعني الحيوان. وقال عمر أيضا: إن آية الربا من آخر ما نزل من القرآن، وإن النبي ﷺ قبض قبل أن يبينه لنا فدعوا الربا والريبة.
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٧٥
(٢) سورة البقرة الآية ٢٧٥
(٣) صحيح مسلم المساقاة (١٥٩٦)، سنن النسائي كتاب البيوع (٤٥٨١)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٥٧)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٨٠).
[ ٤٦ / ٢٣ ]
فثبت بذلك أن الربا قد صار اسما شرعيا؛ لأنه لو كان باقيا على حكمه في أصل اللغة لما خفي على عمر لأنه كان عالما بأسماء اللغة؛ لأنه من أهلها، ويدل عليه أن العرب لم تكن تعرف بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة نساء ربا، وهو ربا في الشرع، وإذا كان ذلك على ما وصفنا صار بمنزلة سائر الأسماء المجملة المفتقرة إلى البيان وهي الأسماء المنقولة من اللغة إلى الشرع لمعان لم يكن الاسم موضوعا لها في اللغة، نحو الصلاة والصوم والزكاة، فهو مفتقر إلى البيان ولا يصح الاستدلال بعمومه في تحريم شيء من العقود إلا فيما قامت دلالته أنه مسمى في الشرع بذلك، وقد بين النبي ﷺ كثيرا من مراد الله بالآية نصا وتوفيقا، ومنه ما بينه دليلا، فلم يخل مراد الله من أن يكون معلوما عند أهل العلم والاستدلال، والربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به، ولم يكونوا يعرفون البيع بالنقد وإذا كان متفاضلا من جنس واحد، هذا كان المتعارف المشهود بينهم؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ (١)، فأخبر سبحانه أن تلك الزيادة المشروطة إنما كانت ربا في المال العين؛ لأنه لا عوض لها من جهة المقرض؛ وقال تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ (٢) إخبارا عن الحال التي خرج عليها الكلام من شرط
_________________
(١) سورة الروم الآية ٣٩
(٢) سورة آل عمران الآية ١٣٠
[ ٤٦ / ٢٤ ]
الزيادة أضعافا مضاعفة، فأبطل الله تعالى الربا الذي كانوا يتعاملون به، وأبطل ضروبا أخبر من البياعات وسماها ربا، فانتظم قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١) تحريم جميعها؛ لشمول الاسم عليها من طريق الشرع، ولم يكن تعاملهم بالربا إلا على الوجه الذي ذكرنا من قرض دراهم أو دنانير إلى أجل مع شرط الزيادة، واسم الربا في الشرع يعتريه معان:
أحدها: الربا الذي كان عليه أهل الجاهلية.
والثاني: التفاضل في الجنس الواحد من المكيل والموزون على قول أصحابنا، ومالك بن أنس يعتبر مع الجنس أن يكون مقتاتا مدخرا، والشافعي يعتبر الأكل مع الجنس، فصار الجنس معتبرا عند الجميع فيما يتعلق به من تحريم التفاضل عند انضمام غيره إليه على ما قدمنا.
والثالث: النساء وهو على ضروب منها في الجنس الواحد من كل شيء لا يجوز بيع بعضه ببعض نساء سواء كان من المكيل، أو من الموزون، أو من غيره، فلا يجوز عندنا بيع ثوب مروي بثوب مروي نساء لوجود الجنس، ومنها وجود المعنى المضموم إليه الجنس في شرط تحريم التفاضل وهو الكيل والوزن في غير الأثمان التي هي الدراهم والدنانير، فلو باع حنطة بجص نساء لم يجز لوجود الكيل، ولو باع حديدا بصفر نساء لم يجز لوجود الوزن والله تعالى الموفق.
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٧٥
[ ٤٦ / ٢٥ ]
ومن أبواب الربا الشرعي السلم في الحيوان:
قال عمر ﵁: إن من الربا أبوابا لا تخفى، منها السلم في السن، ولم تكن العرب تعرف ذلك ربا، فعلم أنه قال ذلك توقيفا، فجملة ما اشتمل عليه اسم الربا في الشرع النساء والتفاضل في شرائط قد تقرر معرفتها عند الفقهاء. والدليل على ذلك قول النبي ﷺ: «الحنطة بالحنطة مثلا بمثل، يدا بيد، والفضل ربا، والشعير بالشعير مثلا بمثل، يدا بيد، والفضل ربا (١)» وذكر اسم التمر والملح والذهب والفضة فسمى الفضل في الجنس الواحد من المكيل والموزون ربا، وقال ﷺ في حديث أسامة بن زيد الذي رواه عنه عبد الرحمن بن عباس: «إنما الربا في النسيئة (٢)» وفي بعض الألفاظ: «لا ربا إلا في النسيئة (٣)»، فثبت أن اسم الربا في الشمع يقر على التفاضل تارة وعلى النساء أخرى، وقد كان ابن عباس يقول: لا ربا إلا في النسيئة.
ويجوز بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة متفاضلا، ويذهب فيه إلى حديث أسامة بن زيد، ثم لما تواتر عنده الخبر عن النبي ﷺ بتحريم التفاضل في الأصناف الستة رجع عن قوله. قال جابر بن زيد: رجع ابن عباس عن قوله في الصرف، وعن قوله
_________________
(١) صحيح مسلم المساقاة (١٥٨٨)، سنن النسائي البيوع (٤٥٥٩)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٥٥)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ٢٣٢).
(٢) صحيح مسلم المساقاة (١٥٩٦)، سنن النسائي كتاب البيوع (٤٥٨١)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٥٧)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٨٠).
(٣) صحيح مسلم المساقاة (١٥٩٦)، سنن النسائي البيوع (٤٥٨٠)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٥٧)، مسند أحمد بن حنبل (٥/ ٢٠٩)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٨٠).
[ ٤٦ / ٢٦ ]
في المتعة، وإنما معنى حديث أسامة النساء في الجنسين، كما روي في حديث عبادة بن الصامت وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: «الحنطة بالحنطة مثلا بمثل يدا بيد (١)» وذكر الأصناف الستة ثم قال: «بيعوا الحنطة بالشعير كيف شئتم يدا بيد (٢)»، وفي بعض الأخبار: «وإذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد (٣)». فمنع النساء في الجنسين من المكيل والموزون وأباح التفاضل، فحديث أسامة بن زيد محمول على هذا، ومن الربا المراد بالآية شرى ما يباع بأقل من ثمنه قبل نقد الثمن، والدليل على أن ذلك ربا حديث يونس بن إسحاق عن أبيه عن أبي العالية قال: كنت عند عائشة فقالت لها امرأة: إني بعت زيد بن أرقم جارية لي إلى عطائه بثمانمائة درهم، وإنه أراد أن يبيعها فاشتريتها منه بستمائة، فقالت: بئسما شريت وبئسما اشتريت أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إن لم يتب فقالت: يا أم المؤمنين، أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي، فقالت: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٤) فدلت تلاوتها لآية الربا عند قولها: أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي، أن ذلك كان عندها من الربا، وهذه التسمية طريقها التوقيف، وقد روى ابن المبارك عن حكم بن زريق عن سعيد بن المسيب قال: سألته عن رجل باع طعاما من رجل إلى أجل فأراد الذي اشترى الطعام أن يبيعه بنقد من الذي باعه منه، فقال: هو ربا. ومعلوم أنه أراد
_________________
(١) صحيح مسلم المساقاة (١٥٨٨)، سنن النسائي البيوع (٤٥٥٩)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٥٥)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ٢٣٢).
(٢) صحيح مسلم المساقاة (١٥٨٧)، سنن الترمذي البيوع (١٢٤٠)، سنن النسائي كتاب البيوع (٤٥٦٣)، سنن أبو داود البيوع (٣٣٤٩)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٥٤)، مسند أحمد بن حنبل (٥/ ٣١٤)، سنن الدارمي كتاب البيوع (٢٥٧٩).
(٣) صحيح مسلم المساقاة (١٥٨٧)، سنن الترمذي البيوع (١٢٤٠)، سنن النسائي كتاب البيوع (٤٥٦٣)، سنن أبو داود البيوع (٣٣٤٩)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٥٤)، مسند أحمد بن حنبل (٥/ ٣٢٠).
(٤) سورة البقرة الآية ٢٧٥
[ ٤٦ / ٢٧ ]
شراءه بأقل من الثمن الأول، إذ لا خلاف أن شراءه بمثله أو أكثر منه جائز، فسمى سعيد بن المسيب ذلك ربا، وقد روي النهي عن ذلك عن ابن عباس والقاسم بن محمد ومجاهد وإبراهيم والشعبي. وقال: الحسن وابن سيرين في آخرين: إن باعه بنقد جاز أن يشتريه، فإن كان باعه بنسيئة لم يشتره بأقل منه إلا بعد أن يحل الأجل، وروي عن ابن عمر أنه إذا باعه ثم اشتراه بأقل من ثمنه جاز، ولم يذكر فيه قبض الثمن وجائز أن يكون مراده إذا قبض الثمن، فدل قول عائشة وسعيد بن المسيب أن ذلك ربا فعلمنا أنهما لم يسمياه ربا إلا توقيفا إذ لا يعرف ذلك اسما له من طريق اللغة فلا يسمى به إلا من طريق الشرع، وأسماء الشرع توقيف من النبي ﷺ، والله تعالى أعلم بالصواب.
ومن أبواب الربا الدين بالدين:
وقد روى موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي ﷺ «أنه نهى عن الكالئ بالكالئ،» وفي بعض الألفاظ عن الدين بالدين وهما سواء، وقال في حديث أسامة بن زيد: «إنما الربا في النسيئة (١)» إلا أنه في العقد عن الدين بالدين، وأنه معفو عنه بمقدار المجلس؛ لأنه جائز له أن يسلم دراهم في كر حنطة، وهما دين بدين إلا أنهما إذا افترقا قبل قبض الدراهم بطل العقد، وكذلك بيع الدراهم بالدنانير جائز وهما دينان، وإن افترقا قبل التقابض بطل.
_________________
(١) صحيح مسلم المساقاة (١٥٩٦)، سنن النسائي كتاب البيوع (٤٥٨١)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٥٧)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٨٠).
[ ٤٦ / ٢٨ ]
ومن أبواب الربا الذي تضمنت الآية تحريمه:
الرجل يكون عليه ألف درهم دين مؤجل، فيصالحه منه على خمسمائة حالة فلا يجوز، وقد روى سفيان عن حميد عن ميسرة قال: سألت ابن عمر، يكون لي على الرجل الدين إلى أجل فأقول: عجل لي وأضع عنك، فقال: هو ربا.
وروي عن زيد بن ثابت أيضا النهي عن ذلك، وهو قول سعيد بن جبير والشعبي والحكم، وهو قول أصحابنا وعامة الفقهاء، وقال ابن عباس وإبراهيم النخعي: لا بأس بذلك.
والذي يدل على بطلان ذلك شيئان:
أحدهما: تسمية ابن عمر إياه ربا، وقد بينا أن أسماء الشرع توقيف، والثاني: أنه معلوم أن ربا الجاهلية إنما كان قرضا مؤجلا بزيادة مشروطة، فكانت الزيادة بدلا من الأجل فأبطله الله تعالى وحرمه، وقال: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ (٢) حظر أن يؤخذ للأجل عوض، فإذا كانت عليه ألف درهم مؤجلة فوضع عنه على أن يعجله فإنما جعل الحط بحذاء الأجل، فكان هذا هو معنى الربا الذي نص الله تعالى على تحريمه، ولا خلاف أنه لو كان عليه ألف درهم حالة فقال له: أجلني وأزيدك فيها مائة درهم، لا يجوز؛ لأن المائة عوض من الأجل، كذلك الحط في معنى
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٧٩
(٢) سورة البقرة الآية ٢٧٨
[ ٤٦ / ٢٩ ]
الزيادة إذ جعله عوضا من الأجل، هذا هو الأصل في امتناع جواز أخذ الأبدان عن الآجال، ولذلك قال أبو حنيفة فيمن دفع إلى خياط ثوبا فقال: إن خطته اليوم فلك درهم، وإن خطته غدا فلك نصف درهم، أن الشرط الثاني باطل، فإن خاطه غدا فله أجر مثله، لأنه جعل الحط بحذاء الأجل والعمل في الوقتين على صفة واحدة فلم يجزه؛ لأنه بمنزلة بيع الأجل على النحو الذي بيناه.
ومن أجاز من السلف إذا قال: عجل لي وأضع عنك، فجائز أن يكون أجازه إذا لم يجعله شرطا فيه، وذلك بأن يضع عنه بغير شرط ويعجل الآخر الباقي بغير شرط، وقد ذكرنا الدلالة على أن التفاضل قد يكون ربا على حسب ما قال النبي ﷺ في الأصناف الستة، وأن النساء قد يكون ربا في البيع بقوله ﷺ: «وإذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد (١)»، وقوله: «إنما الربا في النسيئة (٢)»، وأن السلم في الحيوان قد يكون ربا بقوله: «إنما الربا في النسيئة (٣)»، وقوله: «إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد (٤)»، وتسمية عمر إياه ربا وشراء ما بيع بأقل من ثمنه قبل نقد الثمن لما بينا وشرط التعجيل مع الحط، وقد اتفق الفقهاء على تحريم التفاضل في الأصناف الستة التي ورد بها الأثر عن النبي ﷺ من جهات كثيرة، وهو عندنا في حيز التواتر لكثرة رواته واتفاق الفقهاء على استعماله، واتفقوا أيضا في أن مضمون هذا النص معني به تعلق الحكم يجب اعتباره في غيره، واختلفوا فيه بعد اتفاقهم على اعتبار الجنس على الوجوه التي
_________________
(١) صحيح مسلم المساقاة (١٥٨٧)، سنن الترمذي البيوع (١٢٤٠)، سنن النسائي كتاب البيوع (٤٥٦٣)، سنن أبو داود البيوع (٣٣٤٩)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٥٤)، مسند أحمد بن حنبل (٥/ ٣٢٠).
(٢) صحيح مسلم المساقاة (١٥٩٦)، سنن النسائي كتاب البيوع (٤٥٨١)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٥٧)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٨٠).
(٣) صحيح مسلم المساقاة (١٥٩٦)، سنن النسائي كتاب البيوع (٤٥٨١)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٥٧)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٨٠).
(٤) صحيح مسلم المساقاة (١٥٨٧)، سنن الترمذي البيوع (١٢٤٠)، سنن النسائي كتاب البيوع (٤٥٦٣)، سنن أبو داود البيوع (٣٣٤٩)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٥٤)، مسند أحمد بن حنبل (٥/ ٣٢٠).
[ ٤٦ / ٣٠ ]
ذكرنا فيما سلف من هذا الباب وأن حكم تحريم التفاضل غير مقصور على الأصناف الستة.
قد قال قوم هم شذوذ عندنا لا يعدون خلافا: أن حكم تحريم التفاضل مقصور على الأصناف التي ورد فيها التوقيف دون تحريم غيرها. ولما ذهب إليه أصحابنا في اعتبار الكيل والوزن دلائل من الأثر والنظر وقد ذكرناها في مواضع، ومما يدل عليه من فحوى الخبر قوله: «الذهب بالذهب مثلا بمثل وزنا بوزن، والحنطة بالحنطة مثلا بمثل كيلا بكيل (١)» فأوجب استيفاء المماثلة بالوزن في الموزون وبالكيل في المكيل، فدل ذلك على أن الاعتبار في التحريم الكيل والوزن مضموما إلى الجنس.
ومما يحتج به المخالف من الآية على اعتبار الأكل قوله ﷿. ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ (٣) فأطلق اسم الربا على المأكول، قالوا: فهذا عموم في إثبات الربا في المأكول. وهذا عندنا لا يدل على ما قالوا من وجوه:
أحدها: بما قدمنا من إجمال لفظ الربا في الشرع وافتقاره إلى البيان فلا يصح الاحتجاج بعمومه وإنما يحتاج إلى أن يثبت بدلالة أخرى أنه ربا حتى يحرمه بالآية ولا يأكله.
_________________
(١) صحيح البخاري البيوع (٢١٧٦)، صحيح مسلم المساقاة (١٥٨٤)، سنن الترمذي البيوع (١٢٤١)، سنن النسائي البيوع (٤٥٦٥)، موطأ مالك البيوع (١٣٢٤).
(٢) سورة البقرة الآية ٢٧٥
(٣) سورة آل عمران الآية ١٣٠
[ ٤٦ / ٣١ ]
والثاني: أن أكثر ما فيه إثبات الربا في مأكول وليس فيه أن جميع المأكولات فيها ربا ونحن قد أثبتنا الربا في كثير من المأكولات، وإذا فعلنا ذلك فقد قضينا عهدة الآية، ولما ثبت بما قدمنا من التوقيف والاتفاق على تحريم بيع ألف بألف ومائة، كما بطل بيع ألف بألف إلى أجل فجرى الأجل المشروط مجرى النقصان في المال، وكان بمنزلة بيع ألف بألف ومائة، وجب أن لا يصح الأجل في القرض، كما لا يجوز قرض ألف بألف ومائة، إذا كان نقصان الأجل كنقصان الوزن وكان الربا تارة من جهة نقصان الوزن وتارة من جهة نقصان الأجل، وجب أن يكون القرض كذلك، فإن قال قائل: ليس القرض في ذلك كالبيع؛ لأنه يجوز له مفارقته في القرض قبل قبض البدل ولا يجوز مثله في بيع ألف بألف. قيل له: إنما يكون الأجل نقصانا إذا كان مشروطا.
فأما إذا لم يكن مشروطا، فإن ترك القبض لا يوجب نقصا في أحد المالين وإنما بطل البيع لمعنى آخر غير نقصان أحدهما عن الآخر، ألا ترى أنه لا يختلف الصنفان والصنف الواحد في وجوب التقابض في المجلس، أعني الذهب بالفضة مع جواز التفاضل فيهما، فعلمنا أن الموجب لقبضهما ليس من جهة أن ترك القبض موجب للنقصان في غير المقبوض، ألا ترى أن رجلا لو باع من رجل عبدا بألف درهم ولم يقبض ثمنه سنين، جاز للمشتري بيعه مرابحة على ألف حالة، ولو كان باعه بألف إلى شهر ثم حل الأجل لم يكن للمشتري بيعه مرابحة بألف حالة حتى يبين أنه اشتراه بثمن مؤجل، فدل ذلك على أن الأجل
[ ٤٦ / ٣٢ ]
المشروط في العقد يوجب نقصا في الثمن، ويكون بمنزلة نقصان الوزن في الحكم، فإذا كان كذلك فالتشبيه بين القرض والبيع من الوجه الذي ذكرنا صحيح لا يعترض عليه هذا السؤال.
ويدل على بطلان التأجيل فيه قول النبي ﷺ: «إنما الربا في النسيئة (١)»، ولم يفرق بين البيع والقرض فهو على الجميع، ويدل عليه أن القرض لما كان تبرعا لا يصح إلا مقبوضا أشبه الهبة فلا يصح فيه التأجيل كما لا يصح في الهبة. وقد أبطل النبي ﷺ التأجيل فيها بقوله: «من أعمر عمرى فهي له ولورثته من بعده (٢)»، فأبطل التأجيل المشروط في الملك، وأيضا فإن قرض الدراهم عاريتها وعاريتها قرضها؛ لأنها تمليك المنافع إذ لا يصل إليها إلا باستهلاك عينها، ولذلك قال أصحابنا: إذا أعاره دراهم فإن ذلك قرض، ولذلك لم يجيزوا استيجار الدراهم لأنها قرض فكأنه استقرض دراهم على أن يرد عليه أكثر منها فلما لم يصح الأجل في العارية لم يصح في القرض، ومما يدل على أن قرض الدراهم عارية حديث إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «تدرون أي الصدقة خير؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " خير الصدقة المنحة أن تمنح أخاك الدراهم، أو ظهر الدابة، أو لبن الشاة (٣)»، والمنحة: هي العارية، فجعل قرض الدراهم عاريتها، ألا ترى إلى قوله في حديث آخر: «والمنحة مردودة (٤)»، فلما لم يصح التأجيل في العارية لم يصح في القرض. وأجاز الشافعي التأجيل في القرض. وبالله التوفيق ومنه الإعانة.
_________________
(١) صحيح مسلم المساقاة (١٥٩٦)، سنن النسائي كتاب البيوع (٤٥٨١)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٥٧)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٨٠).
(٢) صحيح مسلم الهبات (١٦٢٥)، سنن الترمذي الأحكام (١٣٥٠)، سنن النسائي العمرى (٣٧٤٧)، سنن أبو داود البيوع (٣٥٥١)، سنن ابن ماجه الأحكام (٢٣٨٠)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ٣٨٦)، موطأ مالك الأقضية (١٤٧٩).
(٣) مسند أحمد بن حنبل (١/ ٤٦٣).
(٤) سنن الترمذي الوصايا (٢١٢٠)، سنن أبو داود البيوع (٣٥٦٥)، سنن ابن ماجه الأحكام (٢٣٩٨).
[ ٤٦ / ٣٣ ]
باب البيع
قوله ﷿: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (١)، عموم في إباحته سائر البياعات؟ لأن لفظ البيع موضوع لمعنى معقول في اللغة وهو تمليك المال بمال بإيجاب وقبول عن تراض منهما، وهذا هو حقيقة البيع في مفهوم اللسان، ثم منه جائز ومنه فاسد إلا أن ذلك غير مانع من اعتبار عموم اللفظ متى اختلفنا في جواز بيع أو فساده، ولا خلاف بين أهل العلم أن هذه الآية، وإن كان مخرجها مخرج العموم فقد أريد به الخصوص؛ لأنهم متفقون على حظر كثير من البياعات، نحو بيع ما لم يقبض، وبيع ما ليس عند الإنسان، وبيع الغرر والمجاهيل وعقد البيع على المحرمات من الأشياء، وقد كان لفظ الآية يوجب جواز هذه البياعات، وإنما خصت منها بدلائل إلا أن تخصيصها غير مانع اعتبار عموم لفظ الآية فيما لم تقم الدلالة على تخصيصه، وجائز أن يستدل بعمومه على جواز البيع الموقوف؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٢) والبيع اسم للإيجاب والقبول، وليست حقيقته وقوع الملك به للعاقد، ألا ترى أن البيع المعقود على شرط خيار المتبايعين لم يوجب ملكا وهو بيع، والوكيلان يتعاقدان البيع ولا يملكان. وقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٣) حكمه ما قدمناه من الإجمال والوقف على ورود البيان، فمن الربا ما هو بيع ومنه ما ليس ببيع وهو ربا أهل الجاهلية، وهو القرض المشروط فيه
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٧٥
(٢) سورة البقرة الآية ٢٧٥
(٣) سورة البقرة الآية ٢٧٥
[ ٤٦ / ٣٤ ]
الأجل وزيادة مال على المستقرض وفي سياق الآية ما أوجب تخصيص ما هو ربا من البياعات من عموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (١) وظن الشافعي أن لفظ الربا لما كان مجملا أنه يوجب إجمال لفظ البيع وليس كذلك عندنا؛ لأن ما لا يسمى ربا من البياعات فحكم العموم جار فيه، وإنما يجب الوقوف فيما شككنا أنه ربا أو ليس بربا فأما ما تيقنا أنه ليس بربا فغير جائز الاعتراض عليه بآية تحريم الربا، وقد بينا ذلك في أصول الفقه، وأما قوله تعالى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ (٢)، حكاية عن المعتقدين لإباحته من الكفار فزعموا أنه لا فرق بين الزيادة المأخوذة على وجه الربا وبين سائر الأرباح المكتسبة بضروب البياعات وجهلوا ما وضع الله أمر الشريعة عليه من مصالح الدين والدنيا فذمهم الله على جهلهم، وأخبر عن حالهم يوم القيامة وما يحل بهم من عقابه.
قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٣) يحتج به في جواز بيع ما لم يره المشتري ويحتج فيمن اشترى حنطة بحنطة بعينها متساوية أنه لا يبطل بالافتراق قبل القبض؛ وذلك لأنه معلوم من ورود اللفظ لزوم أحكام البيع وحقوقه من القبض والتصرف والملك وما جرى مجرى ذلك، فاقتضى ذلك بقاء هذه الأحكام مع ترك التقابض، وهو كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (٤).
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٧٥
(٢) سورة البقرة الآية ٢٧٥
(٣) سورة البقرة الآية ٢٧٥
(٤) سورة النساء الآية ٢٣
[ ٤٦ / ٣٥ ]
المراد: تحريم الاستمتاع بهن.
ويحتج أيضا لذلك بقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١) من وجهين:
أحدهما: ما اقتضاه من إباحة الأكل قبل الافتراق وبعده من غير قبض.
والآخر: إباحة أكله لمشتريه قبل قبض الآخر بعد الفرقة.
وأما قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) فالمعنى فيه أن من انزجر بعد النهي فله ما سلف من المقبوض قبل نزول تحريم الربا ولم يرد به ما لم يقبض؛ لأنه قد ذكر في نسق التلاوة حظر ما لم يقبض منه وإبطاله بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٣)، فأبطل الله من الربا ما لم يكن مقبوضا وإن كان معقودا قبل نزول التحريم، ولم يتعقب بالفسخ ما كان منه مقبوضا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ (٤) وقد روي ذلك عن السدي وغيره من المفسرين، وقال تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٥) فأبطل منه ما بقي مما لم
_________________
(١) سورة النساء الآية ٢٩
(٢) سورة البقرة الآية ٢٧٥
(٣) سورة البقرة الآية ٢٧٨
(٤) سورة البقرة الآية ٢٧٥
(٥) سورة البقرة الآية ٢٧٨
[ ٤٦ / ٣٦ ]
يقبض ولم يبطل المقبوض ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (١)، وهو تأكيد لإبطال ما لم يقبض منه وأخذ رأس المال الذي لا ربا فيه ولا زيادة، وروي عن ابن عمر وجابر عن النبي ﷺ أنه قال في خطبته يوم حجة الوداع بمكة، وقال جابر بعرفات: «إن كل ربا كان في الجاهلية فهو موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب (٢)»، فكان فعله ﷺ مواطئا لمعنى الآية في إبطال الله تعالى من الربا ما لم يكن مقبوضا وإمضائه ما كان مقبوضا.
وفيما روي في خطبة النبي ﷺ ضروب من الأحكام:
أحدها: أن كل ما طرأ على عقد البيع قبل القبض مما يوجب تحريمه، فهو كالموجود في حال وقوعه، وما طرأ بعد القبض مما يوجب تحريم ذلك العقد لم يوجب فسخه، وذلك نحو النصرانيين إذا تبايعا عبدا بخمر فالبيع جائز عندنا، وإن أسلم أحدهما قبل قبض الخمر بطل العقد، وكذلك لو اشترى رجل مسلم صيدا ثم أحرم البائع أو المشتري بطل البيع؛ لأنه قد طرأ عليه ما يوجب تحريم العقد قبل القبض، كما أبطل الله تعالى من الربا ما لم يقبض؛ لأنه طرأ عليه ما يوجب تحريمه قبل القبض، وإن كانت الخمر مقبوضة ثم أسلما أو أحرما لم يبطل البيع كما لم يبطل الله الربا المقبوض حين أنزل التحريم، فهذا جائز في نظائره من المسائل ولا يلزم عليه أن يقبل العبد البيع
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٧٩
(٢) صحيح البخاري التمني (٧٢٣٠)، صحيح مسلم كتاب الحج (١٢١٨)، سنن الترمذي الحج (٨٥٦)، سنن النسائي مناسك الحج (٢٧٦٣)، سنن أبو داود كتاب المناسك (١٩٠٥)، سنن ابن ماجه المناسك (٣٠٧٤)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ٣٢١)، موطأ مالك الحج (٨٣٦)، سنن الدارمي كتاب المناسك (١٨٥٠).
[ ٤٦ / ٣٧ ]
قبل القبض، ولا يبطل البيع، وللمشتري اتباع الجاني من قبل أنه لم يطرأ على العقد ما يوجب تحريم العقد؛ لأن العقد باق على هيئته التي كان عليها والقيمة قائمة مقام المبيع، وإنما يعتبر المبيع، وللمشتري الخيار فحسب. وفيها دلالة على أن هلاك المبيع في يد البائع وسقوط القبض فيه يوجب بطلان العقد، وهو قول أصحاب الشافعي، وقال مالك: لا يبطل، والثمن لازم للمشتري إذا لم يمنعه، ودلالة الآية ظاهرة في أن قبض المبيع من تمام البيع وأن سقوط القبض يوجب بطلان العقد، وذلك لأن الله تعالى لما أسقط قبض الربا أبطل العقد الذي عقداه وأمر بالاقتصار على رأس المال، فدل ذلك على أن قبض المبيع من شرائط صحة العقد بأنه متى طرأ على العقد ما يسقطه أوجب ذلك بطلانه، وفيها الدلالة على أن العقود الواقعة في دار الحرب إذا ظهر عليها الإمام لا يعترض عليها بالفسخ، وإن كانت معقودة على فساد؛ لأنه معلوم أنه قد كان بين نزول الآية وبين خطبة النبي ﷺ بمكة ووضعه الربا الذي لم يكن مقبوضا عقود من عقود الربا بمكة قبل الفتح ولم يتعقبها بالفسخ ولم يميز ما كان منها قبل نزول الآية مما كان منها بعد نزولها، فدل ذلك على أن العقود الواقعة في دار الحرب بينهم وبين المسلمين إذا ظهر عليها الإمام لا يفسخ منها ما كان مقبوضا وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ (١) يدل على ذلك أيضا؛ لأنه قد جعل له ما كان مقبوضا منه قبل الإسلام، وقد قيل: أن معنى قوله تعالى: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ (٢) من ذنوبه على معنى أن الله يغفرها
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٧٥
(٢) سورة البقرة الآية ٢٧٥
[ ٤٦ / ٣٨ ]
له، وليس هذا كذلك؛ لأن الله تعالى قد قال ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (١) يعني فيما يستحقه من عقاب أو ثواب، فلم يعلمنا حكمه في الآخرة، ومن جهة أخرى أنه لو كان هذا مرادا لم ينتف به ما ذكرنا فيكون على الأمرين جميعا لاحتماله لهما، فيغفر الله ذنوبه ويكون له المقبوض من ذلك قبل إسلامه، وذلك يدل على أن بياعات أهل الحرب كلها ماضية إذا أسلموا بعد التقابض فيها؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢).
قوله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٣) ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٤)، قال أبو بكر: يحتمل ذلك معنيين:
أحدهما: إن لم تقبلوا أمر الله تعالى ولم تنقادوا له.
والثاني: إن لم تذروا ما بقي من الربا بعد نزول الأمر كله بتركه فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن اعتقدوا تحريمه.
وقد روي عن ابن عباس، وقتادة، والربيع بن أنس، فيمن أربى: أن الإمام يستتيبه فإن تاب وإلا قتله، وهذا محمول على أن يفعله مستحلا له؛ لأنه لا خلاف بين أهل العلم أنه ليس بكافر إذا اعتقد تحريمه.
وقوله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٥) لا يوجب إكفارهم؛ لأن ذلك قد يطلق على ما دون الكفر من المعاصي،
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٧٥
(٢) سورة البقرة الآية ٢٧٥
(٣) سورة البقرة الآية ٢٧٨
(٤) سورة البقرة الآية ٢٧٩
(٥) سورة البقرة الآية ٢٧٩
[ ٤٦ / ٣٩ ]
قال زيد بن أسلم، عن أبيه: أن عمر رأى معاذا يبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اليسير من الرياء شرك، ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة (١)»، فأطلق اسم المحاربة عليه وإن لم يكفر، وروى أسباط، عن السدي، عن صبيح مولى أم سلمة، عن زيد بن أرقم أن النبي ﷺ قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين ﵃: «أنا حرب لمن حاربتم سلم لمن سالمتم (٢)»، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٣)، والفقهاء متفقون على أن ذلك حكم جار في أهل الملة، وأن هذه السمة تلحقهم بإظهارهم قطع الطريق، وقد دل على أنه جائز إطلاق اسم المحاربة لله ورسوله على من عظمت معصيته وفعلها مجاهرا بها، وإن كانت دون الكفر، وقوله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٤) إخبار منه بعظم معصيته وأنه يستحق بها المحاربة عليها، وإن لم يكن كافرا وكان ممتنعا على الإمام، فإن لم يكن ممتنعا عاقبه الإمام بمقدار ما يستحقه من التعزيز والردع، وكذلك ينبغي أن يكون حكم سائر المعاصي التي أوعد الله عليها العقاب إذا أصر الإنسان عليها وجاهر بها، وإن كان ممتنعا حورب عليها هو ومتبعوه وقوتلوا حتى ينتهوا، وإن كانوا غير
_________________
(١) سنن ابن ماجه كتاب الفتن (٣٩٨٩).
(٢) سنن الترمذي المناقب (٣٨٧٠)، سنن ابن ماجه المقدمة (١٤٥).
(٣) سورة المائدة الآية ٣٣
(٤) سورة البقرة الآية ٢٧٩
[ ٤٦ / ٤٠ ]
ممتنعين عاقبهم الإمام بمقدار ما يرى من العقوبة، وكذلك حكم من يأخذ أموال الناس من المتسلطين الظلمة وآخذي الضرائب واجب على كل المسلمين قتالهم وقتلهم إذا كانوا ممتنعين، وهؤلاء أعظم جرما من آكلي الربا لانتهاكهم حرمة النهي وحرمة المسلمين جميعا، وآكل الربا إنما انتهك حرمة الله تعالى في أخذ الربا ولم ينتهك لمن يعطيه ذلك حرمة لأنه أعطاه بطيبة نفسه، وأخذوا الضرائب في معنى قطاع الطريق المنتهكين لحرمة نهي الله تعالى وحرمة المسلمين إذ كانوا يأخذونه جبرا وقهرا لا على تأويل ولا شبهة، فجائز لمن علم من المسلمين إصرار هؤلاء على ما هم عليه من أخذ أموال الناس على وجه الضريبة أن يقتلهم كيف أمكنه قتلهم، وكذلك أتباعهم وأعوانهم الذين بهم يقومون على أخذ الأموال، وقد كان أبو بكر ﵁ قاتل مانعي الزكاة لموافقة من الصحابة إياه على شيئين: أحدهما: الكفر، والآخر: منع الزكاة، وذلك لأنهم امتنعوا من قبول فرض الزكاة ومن أدائها، فانتظموا به معنيين:
أحدهما: الامتناع من قبول أمر الله تعالى وذلك كفر.
والآخر: الامتناع من أداء الصدقات المفروضة في أموالهم إلى الإمام، فكان قتاله إياهم للأمرين جميعا؛ ولذلك قال: (لو منعوني عقالا- وفي بعض الأخبار عناقا- مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه)، فإنما قلنا: إنهم كانوا كفارا ممتنعين من قبول فرض الزكاة؛ لأن الصحابة سموهم أهل
[ ٤٦ / ٤١ ]
الردة، وهذه السمة لازمة لهم إلى يومنا هذا، وكانوا سبوا نساءهم وذراريهم ولو لم يكونوا مرتدين لما سار فيهم هذه السيرة، وذلك شيء لم يختلف فيه الصدر الأول ولا من بعدهم من المسلمين؟ أعني في أن القوم الذين قاتلهم أبو بكر كانوا أهل ردة، فالمقيم علي أكل الربا إن كان مستحلا له فهو كافر، وإن كان ممتنعا بجماعة تعضده سار- فيهم الإمام بسيرته في أهل الردة إن كانوا قبل ذلك من جملة أهل الملة وإن اعترفوا بتحريمه وفعلوه غير مستحلين له قاتلهم الإمام إن كانوا ممتنعين حتى يتوبوا، وإن لم يكونوا ممتنعين ردعهم عن ذلك بالضرب والحبس حتى ينتهوا.
وقد روي أن النبي ﷺ كتب إلى أهل نجران، - وكانوا ذمة نصارى: «إما أن تذروا الربا وإما أن تأذنوا بحرب من الله ورسوله»، وروى أبو عبيد القاسم بن سلام قال: حدثني أيوب الدمشقي، قال: حدثني سعدان بن يحيى، عن عبد الله بن أبي حميد، عن أبي مليح الهذلي أن رسول الله ﷺ صالح أهل نجران فكتب إليهم كتابا في آخره: «على أن لا تأكلوا الربا، فمن أكل الربا فذمتي منه بريئة»، فقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١) عقيب قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ (٢)، هو عائد عليهما جميعا من رد الأمر
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٧٩
(٢) سورة البقرة الآية ٢٧٨
[ ٤٦ / ٤٢ ]
على حاله، ومن الإقامة على أكل الربا مع قبول الأمر، فمن رد الأمر قوتل على الردة، ومن قبل الأمر وفعله محرما له قوتل على تركه إن كان ممتنعا ولا يكون مرتدا، وإن لم يكن ممتنعا عزر بالحبس والضرب على ما يرى الإمام.
قوله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١) إعلام بأنهم إن لم يفعلوا ما أمروا به. في هذه الآية فهم محاربون لله ورسوله، وفي ذلك إخبار منه بمقدار عظم الجرم وأنهم يستحقون به هذه السمة وهي أن يسموا محاربين لله ورسوله وهذه السمة يعتريها معنيان:
أحدهما: الكفر إذا كان مستحلا.
والآخر: الإقامة على أكل الربا مع اعتقاد التحريم على ما بيناه، ومن الناس من يحمله على أنه إعلام منه بأن الله تعالى يأمر رسوله والمؤمنين بمحاربتهم ويكون إيذانا لهم بالحرب حتى لا يؤتوا على غرة قبل العلم بها، كقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (٢)، فإذا حمل على هذا الوجه كان الخطاب بذلك متوجها إليهم إذا كانوا ذوي منعة، وإذا حملناه على الوجه الأول دخل كل واحد من فاعلي ذلك في الخطاب وتناوله الحكم المذكور فيه فهو أولى.
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٧٩
(٢) سورة الأنفال الآية ٥٨
[ ٤٦ / ٤٣ ]