أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: - عن كثير بن زيد، عن ربيع بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ قال: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه (١)».
_________________
(١) رواه ابن ماجه، سنن ابن ماجه ١/ ١٣٩ - ١٤٠، كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في التسمية في الوضوء، واللفظ له. والدارمي، سنن الدارمي ١/ ١٧٦، كتاب الوضوء، باب التسمية في الوضوء. وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٢ - ٣، كتاب الطهارات، في التسمية في الوضوء. والحاكم في المستدرك ١/ ٢٤٦، كتاب الطهارة. والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٤٣، كتاب الطهارة، باب التسمية على الوضوء.
[ ٥٦ / ١٨٧ ]
الدليل الثاني: عن عبد الرحمن بن حرملة، عن أبي ثفال المري، قال: سمعت رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب، يقول: أخبرتني جدتي عن أبيها أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه، ولا يؤمن بالله من لم يؤمن بي، ولا يؤمن بي من لم يحب الأنصار (١)».
الدليل الثالث: قال الإمام أحمد: ثنا قتيبة، ثنا محمد بن موسى المخزومي، عن يعقوب بن سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه (٢)».
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في المسند ٤/ ٧٠. والترمذي، سنن الترمذي ١/ ٣٧ - ٣٨، أبواب الطهارة، باب ما جاء في التسمية عند الوضوء. ورواه ابن ماجه ١/ ١٤٠، كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في التسمية في الوضوء. ورواه الدارقطني، سنن الدارقطني ١/ ٧٢ - ٧٣، كتاب الطهارة، باب التسمية على الوضوء، واللفظ له. وابن أبي شيبة، المصنف لابن أبي شيبة ١/ ٣، كتاب الطهارات، في التسمية في الوضوء. والبيهقي، السنن الكبرى ١/ ٤٣، كتاب الطهارة، باب التسمية على الوضوء.
(٢) رواه الإمام أحمد في المسند ٢/ ٤١٨، واللفظ له. وأبو داود، سنن أبي داود ١/ ٧٥، كتاب الطهارة، باب في التسمية على الوضوء، وابن ماجه، سنن ابن ماجه ١/ ١٤٠، كتاب الطهارة، وسننها، باب ما جاء في التسمية في الوضوء.
[ ٥٦ / ١٨٨ ]
وجاء من طريق آخر عند الدارقطني: نا ابن صاعد، نا محمود بن محمد أبو يزيد الظفري، نا أيوب بن النجار، عن يحيى بن كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما توضأ من لم يذكر اسم الله، وما صلى من لم يتوضأ، وما آمن بي من لم يحبني، وما أحبني من لم يحب الأنصار (١)».
الدليل الرابع: عن سهل بن سعد الساعدي ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، ولا صلاة لمن لا يصلي على النبي، ولا صلاة لمن لا يحب الأنصار (٢)».
وجه الدلالة من الأحاديث السابقة: أن قوله ﷺ: " لا وضوء " نكرة في سياق النفي، فتفيد العموم، فيعم نفي الكمال والإجزاء، كما أن قوله في أول الحديث: «لا صلاة لمن لا وضوء له (٣)» يقتضي نفي الإجزاء والكمال (٤).
_________________
(١) رواه الدارقطني ١/ ٧١، كتاب الطهارة، باب التسمية على الوضوء، واللفظ له. والبيهقي، السنن الكبرى ١/ ٤٤، كتاب الطهارة، باب التسمية على الوضوء.
(٢) رواه ابن ماجه، سنن ابن ماجه ١/ ١٤٠، كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في التسمية في الوضوء، واللفظ له. والدارقطني، سنن الدارقطني ١/ ٣٥٥، كتاب الطهارة، باب ذكر وجوب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد واختلاف الروايات في ذلك.
(٣) سنن أبو داود الطهارة (١٠١)، سنن ابن ماجه الطهارة وسننها (٣٩٩).
(٤) انظر: الانتصار في المسائل الكبار ١/ ٢٥٢، المغني ١/ ١٤٥.
[ ٥٦ / ١٨٩ ]
نوقش: أن أسانيد هذه الأحاديث كلها ضعيفة (١).
ففي الحديث الأول كثير بن زيد. قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ليس بذاك. وكان أولا قال: ليس بشيء. وقال يعقوب بن شيبة: ليس بذاك الساقط وإلى الضعف ما هو. وقال النسائي: ضعيف. وقال أبو زرعة: صدوق فيه لين. وقال أبو حاتم: صالح ليس بالقوي يكتب حديثه (٢).
وكثير بن زيد حدث به عن ربيح بن عبد الرحمن. قال أبو زرعة عنه: شيخ. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. وقال أحمد بن حفص السعدي: سئل أحمد عن التسمية في الوضوء فقال: لا أعلم فيه حديثا يثبت، أقوى شيء فيه حديث كثير بن زيد عن ربيح، وربيح رجل ليس بمعروف (٣).
ونقل الترمذي عن البخاري قوله عن ربيح: منكر الحديث (٤).
_________________
(١) المجموع ١/ ٣٤٤.
(٢) انظر: تهذيب التهذيب ٨/ ٤١٤.
(٣) انظر: تهذيب التهذيب ٣/ ٢٣٨.
(٤) العلل للترمذي ص١٢.
[ ٥٦ / ١٩٠ ]
وأما الحديث الثاني ففيه عبد الرحمن بن حرملة عن أبي ثفال المري عن رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب.
قال العقيلي: " حدثني آدم بن موسى، قال: سمعت البخاري يقول: أبو ثفال المري عن رباح بن عبد الرحمن: في حديثه نظر.
وحدثنا إبراهيم بن عبد الوهاب الأبزاري، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن هانئ، قال: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: التسمية في الوضوء؟ فقال: أحسن شيء فيه حديث ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي سعيد الخدري. قلت: فحديث حدث عبد الرحمن بن حرملة؟ قال: لا يثبت " (١). ثم عقب العقيلي على ذلك قائلا: " الأسانيد في هذا الباب فيها لين " (٢).
ونقل الترمذي عن البخاري قوله: أحسن شيء في هذا الباب حديث رباح بن عبد الرحمن (٣).
ونقل ابن حجر عن ابن عبد البر قوله: " أبو بكر بن حويطب، يقال: اسمه رباح، ويقال: اسمه كنيته، روى عن جدته، يقال: حديثه مرسل " (٤).
_________________
(١) الضعفاء الكبير للعقيلي ١/ ١٧٧.
(٢) المرجع السابق، نفس الجزء والصفحة.
(٣) سنن الترمذي ١/ ٣٩.
(٤) تهذيب التهذيب ٣/ ٢٣.
[ ٥٦ / ١٩١ ]
قال أبو بكر الأثرم: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: " ليس في هذا حديث يثبت، وأحسنها حديث كثير بن زيد. وضعف حديث ابن حرملة. وقال: أنا لا آمر بالإعادة، وأرجو أن يجزيه الوضوء؛ لأنه ليس في هذا حديث أحكم به " (١).
وأما الحديث الثالث فرواه قتيبة عن محمد بن موسى المخزومي عن يعقوب بن سلمة عن أبيه. قال البخاري ﵀: لا يعرف لسلمة سماع من أبي هريرة، ولا ليعقوب من أبيه (٢).
وقال الدارقطني عن محمود بن محمد الظفري: ليس بالقوي، فيه نظر (٣).
وقال البيهقي: " هذا الحديث لا يعرف من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة إلا من هذا الوجه، وكان أيوب بن النجار يقول: لم أسمع من يحيى بن أبي كثير إلا حديثا واحدا وهو حديث «التقى آدم وموسى (٤)» ذكره يحيى بن معين فيما رواه عن ابن أبي مريم، فكان حديثه هذا منقطعا " (٥).
يجاب عن مناقشة هذا الحديث: أن الحاكم ﵀ قال عنه في المستدرك: " هذا حديث صحيح الإسناد، وقد احتج مسلم بيعقوب بن أبي سلمة الماجشون، واسم أبي سلمة دينار،
_________________
(١) تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق ١/ ٣٥٧، وانظر: المستدرك ١/ ٧، ونصب الراية ١/ ٤.
(٢) التاريخ الكبير ٤/ ٧٦.
(٣) لسان الميزان ٦/ ٥.
(٤) صحيح البخاري تفسير القرآن (٤٧٣٦)، صحيح مسلم القدر (٢٦٥٢)، سنن الترمذي القدر (٢١٣٤)، سنن أبو داود السنة (٤٧٠١)، سنن ابن ماجه المقدمة (٨٠)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ٣١٤)، موطأ مالك الجامع (١٦٦٠).
(٥) السنن الكبرى ١/ ٤٤.
[ ٥٦ / ١٩٢ ]
ولم يخرجاه (١).
يرد عليه: بما ذكره النووي في المجموع، حيث قال: أما قول الحاكم أبي عبد الله في المستدرك على الصحيحين في حديث أبي هريرة أنه حديث صحيح الإسناد فليس بصحيح؛ لأنه انقلب عليه إسناده واشتبه. كذا قال الحفاظ (٢).
قال ابن حجر في التلخيص الحبير بعد ذكره لهذا الحديث: " رواه الحاكم من هذا الوجه، فقال: يعقوب بن أبي سلمة وادعى أنه الماجشون وصححه لذلك، والصواب أنه الليثي. قال البخاري: لا يعرف له سماع من أبيه ولا لأبيه من أبي هريرة، وأبوه ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ. وهذه عبارة عن ضعفه، فإنه قليل الحديث جدا، ولم يرو عنه سوى ولده، فإذا كان يخطئ مع قلة ما روى فكيف يوصف بكونه ثقة؟
قال ابن الصلاح: انقلب إسناده على الحاكم، فلا يحتج لثبوته بتخريجه له. وتبعه النووي. وقال ابن دقيق العيد: لو سلم للحاكم أنه يعقوب بن أبي سلمة الماجشون - واسم أبي سلمة دينار - فيحتاج إلى معرفة حال أبي سلمة، وليس له ذكر في شيء من كتب الرجال، فلا يكون أيضا صحيحا (٣).
أما الحديث الرابع ففي إسناده عبد المهيمن. قال عنه
_________________
(١) المستدرك ١/ ٢٤٦.
(٢) المجموع ١/ ٣٤٤.
(٣) التلخيص الحبير ١/ ٣٨٦.
[ ٥٦ / ١٩٣ ]
الدارقطني: ليس بالقوي (١). وقال البوصيري: هذا إسناد ضعيف لاتفاقهم على ضعف عبد المهيمن. ثم قال: لكنه لم ينفرد به عبد المهيمن، فقد تابعه عليه أبي، أخو عبد المهيمن (٢). قال ابن حجر في التلخيص الحبير: أبي مختلف فيه (٣).
الدليل الخامس: عن عائشة ﵂، قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا مس طهوره يسمي الله (٤)».
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ كان إذا مس طهوره يسمي الله ﷿، وهذا يدل على وجوب التسمية عند الوضوء.
نوقش من وجهين:
الوجه الأول: أن هذا الحديث ضعيف؛ لأن في إسناده حارثة بن محمد،
فلا يصح الاستدلال به.
_________________
(١) انظر: سنن الدارقطني ١/ ٣٥٥.
(٢) مصباح الزجاج ١/ ٦٠.
(٣) التلخيص الحبير ١/ ٣٩٠.
(٤) رواه الدارقطني، سنن الدارقطني ١/ ٧٢، واللفظ له. والبزار، مسند البزار ١/ ١٣٧. وابن أبي شيبة، المصنف ١/ ٣.
[ ٥٦ / ١٩٤ ]
الوجه الثاني: لو سلمنا بصحته فإنا لا نسلم أن فعل النبي ﷺ للشيء دليل على وجوبه، بل قد يدل فعله ﷺ للشيء على سنيته وندبه.
الدليل السادس: " إنها عبادة يبطلها الحدث، فوجب في أولها نطق، كالصلاة " (١).
يجاب عنه من وجهين:
الوجه الأول: أنه منتقض بالطواف، فالطواف عبادة يبطلها الحدث ومع ذلك لم يجب في أوله نطق.
الوجه الثاني: أنه يمكن قلب الدليل على المستدلين به، فيقال: إن الوضوء عبادة يبطلها الحدث؛ فلم تجب التسمية في أولها، كالصلاة (٢).
_________________
(١) انظر: المجموع ١/ ٣٤٦.
(٢) انظر: المجموع ١/ ٣٤٧.
[ ٥٦ / ١٩٥ ]