ومن الآثار والنتائج التي تترتب على اعتبار الجريمة تمس حق الله أو حق الفرد، هو مدى إمكانية العفو وتأثيره على سقوط العقوبة عن الجاني. فكل جريمة غلب فيها جانب الاعتداء على حق الفرد على جانب الاعتداء على حق الجماعة، كان لذلك الفرد المجني عليه أو لأوليائه- في صورة قتل المجني عليه- حق بالعفو عن الجاني، وبذلك تسقط العقوبة المقدرة على الجاني (١)؛ بل إن العفو في هذه الجرائم أفضل من الاستيفاء، فقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (٢)، وقال: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ (٣)، وورد عن أنس بن مالك أنه قال: «ما رفع إلى رسول الله ﷺ
_________________
(١) إعلام الموقعين ١/ ١٠٨.
(٢) سورة البقرة الآية ١٧٨
(٣) سورة المائدة الآية ٤٥
[ ٥٦ / ٢٢٢ ]
أمر فيه القصاص إلا أمر فيه بالعفو (١)».
وهذه الجرائم التي يكون جانب الاعتداء على حق العبد غالبا هي كما بينا جرائم القصاص والدية وجريمة القذف.
أما الجرائم التي تقع ضد المجتمع وتمس مصالحه مساسا مباشرا، وليس فيها اعتداء على فرد معين، فلا مجال للعفو فيها (٢). فهذه الجرائم بما أنها لا تمس حق العبد فلا يؤثر العفو فيها مطلقا. وهي جرائم الزنى، والشرب، والحرابة.
أما جريمة السرقة وإن كان جانب الاعتداء على حقوق الجماعة فيها غالبا، إلا أن حكمها في هذا الباب يختلف عن
_________________
(١) مسند أحمد ٣/ ٢١٣، سنن ابن ماجه ٢/ ٨٩٨، السنن الكبرى للبيهقي ٨/ ٥٥. والحديث من طريق عبد الله بن بكر المزني. قال صاحب حاشية السلسبيل في معرفة الدليل: (قلت: عبد الله بن بكر، قال عنه ابن معين والنسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات ". انظر: حاشية السلسبيل ٤/ ١٣٠.
(٢) إعلام الموقعين ١/ ١٠٨.
[ ٥٦ / ٢٢٣ ]
الجرائم التي تمس حقوق الجماعة. فيجوز العفو في جريمة السرقة قبل رفعها إلى القاضي، يدل على ذلك ما روى مالك في الموطأ (١): " أن الزبير بن العوام لقي رجلا قد أخذ سارقا وهو يريد أن يذهب به إلى السلطان، فشفع له الزبير ليرسله، فقال: لا، حتى أبلغ به السلطان، فقال الزبير: إذا بلغت به السلطان فلعن الله الشافع والمشفع ".
ومن ذلك: «أن صفوان بن أمية كان نائما على رداء له في مسجد النبي ﷺ، فجاء لص فسرقه، فأخذه فأتى به النبي ﷺ فأمر بقطع يده، فقال صفوان: يا رسول الله، لم أرد هذا، ردائي عليه صدقة، فقال رسول الله ﷺ: " فهلا قبل أن تأتيني به (٢)».
فهذه الأحاديث تدل على جواز العفو في السرقة قبل رفع الجريمة إلى القضاء، كما تدل على عدم تأثيره بعد رفعها إلى الإمام، وهذا هو الحكم بالنسبة للشفاعة، فهي جائزة قبل رفعها إلى الإمام ومذمومة بعد الرفع، يدل عليه الذي سبق ذكره، ويدل عليه حديث المخزومية أيضا التي سرقت، وشفع المسلمون فيها أسامة بن زيد لدى الرسول ﷺ، فغضب الرسول ﷺ، وقال: «أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم خطب وقال: " يا أيها الناس، إنما ضل من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق
_________________
(١) كتاب الحدود، باب ترك الشفاعة للسارق إذا بلغ السلطان ص ٦٠٠.
(٢) سنن ابن ماجه ٢/ ٨٦٥، سنن النسائي ٨/ ٦٨، مستدرك الحاكم ٤/ ٩٥، وقال الحاكم: " صحيح الإسناد ولم يخرجاه " ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في إرواء الغليل ٧/ ٣٤٥.
[ ٥٦ / ٢٢٤ ]
الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها (١)».
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الحدود، باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان ٢١/ ٨٧ برقم ٦٧٨٨. ومسلم في كتاب الحدود، باب قطع السارق الشريف وغيره، والنهي عن الشفاعة في الحدود ٣/ ١٣١٥ برقم ١٦٨٨.
[ ٥٦ / ٢٢٥ ]