بناء على التقسيم السابق من حقوق لله تعالى وحقوق للعباد، فإن التوبة لا تدخل فيما هو من حقوق الآدميين وهو القصاص، أو حقه فيه الغالب على الراجح وهو القذف.
أما إذا كانت الجريمة اعتداء على حق لله تعالى فإن للعلماء تفصيلا في ذلك:
أ - أثر التوبة في جريمة الحرابة:
أجمع الفقهاء على سقوط العقاب في الحرابة بالتوبة بشرط أن يكون قبل القدرة عليه، كما نصت على ذلك الآية الكريمة: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١)، ولكن ما يحصل من اعتداء على حقوق الأفراد في جريمة الحرابة كالقتل وأخذ المال فلا يسقط بالتوبة،
_________________
(١) سورة المائدة الآية ٣٤
[ ٥٦ / ٢٢٥ ]
وإنما بالعفو إذا عفا صاحبه (١).
ب - أثر التوبة في غير جريمة الحرابة:
أما في غير جريمة الحرابة فإن التوبة ليست سببا للإعفاء من العقوبة وذلك بأن النص ورد في الحرابة فلا يتعداها.
ويدل لذلك حديث ماعز والغامدية، فقد طبق فيهما حد الرجم مع وجود التوبة من ماعز والغامدية. وقد قال ﷺ عن الغامدية: «لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى (٢)».
_________________
(١) الإفصاح لابن هبيرة ٢/ ٢٦٥، الجامع لأحكام القرآن ٦/ ١٥٨.
(٢) في حديث ماعز انظر: صحيح البخاري ٨/ ٢٤، وصحيح مسلم ٣/ ١٣١٨ - ١٣٢٢. وفي حديث الغامدية انظر: صحيح مسلم ٣/ ١٣٢٢ - ١٣٢٤، سنن أبي داود ٤/ ٥٨٨.
[ ٥٦ / ٢٢٦ ]
هذا وقد ذكر القرطبي قولا أرى أنه جدير بأن يؤخذ به، حيث قال: " فأما الشراب والزناة والسراق إذا تابوا وأصلحوا وعرف ذلك منهم ثم رفعوا إلى الإمام فلا ينبغي أن يحدهم، وإن رفعوا إليه فقالوا: تبنا، لم يتركوا، وهم في هذه الحال كالمحاربين إذا غلبوا " (١).
_________________
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٦/ ١٥٨.
[ ٥٦ / ٢٢٧ ]