وأما السادس: فظاهر قول البخاري: وأن أعمال بني آدم وأقوالهم توزن (١) على العموم، ولكن استدل القرطبي (٢) لعدم الوزن للكفار بقوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ (٣) بل ربما قيل في السبعين ألفا الداخلين الجنة بغير
_________________
(١) صحيح البخاري كتاب التوحيد باب (٥٨) ١٣/ ٥٣٧ مع الفتح.
(٢) التذكرة: ٣٦١.
(٣) سورة الرحمن الآية ٤١
[ ٥٦ / ١٦٧ ]
حساب أنهم لا توزن أعمالهم، وكذا في الذين يقول الله ﷿ لنبيه ﷺ: «يا محمد، أدخل من أمتك من لا حساب عليه من هذا الباب الأيمن، وهم شركاء الناس فيما سواه (١)» ولكن لا يلزم من هذا أن لا توزن أعمالهم، فقد توزن أعمال السعداء وإن كانت راجحة؛ لإظهار شرفهم على رءوس الناس والتنويه بسعادتهم ونجاتهم، كما أن الكفار توزن أعمالهم وإن لم تكن لهم حسنات تنفعهم؛ لإظهار شقائهم وفضيحتهم على رءوس الخلائق. على أن القرطبي (٢) اختار أن الكافر قد يوافي بصدقة وصلة رحم وعتق فيخفف عنه بها العذاب، واستشهد لذلك بقصة أبي طالب حيث جعل في ضحضاح من نار يغلي منه دماغه، ولكن المعتمد اختصاص أبي طالب بما
_________________
(١) جزء من حديث طويل، أخرجه البخاري كتاب التفسير، سورة بني إسرائيل باب (٥) ٨/ ٣٩٥، ٣٩٦ رقم ٤٧١٢، ومسلم كتاب الإيمان باب (٨٤) ١/ ١٨٤، ١٨٥، رقم ١٩٤ من حديث أبي هريرة.
(٢) التذكرة: ٣٦٣.
[ ٥٦ / ١٦٨ ]
تقدم لأجل حياطته بالنبي ﷺ، كما يسقى أبو لهب في النقرة التي في ظهر الإبهام بسبب عتاقه لثويبة مولاته التي أرضعت النبي ﷺ حين بشرت مولاها بولادة النبي ﷺ، وما عداهما فيجازى في الدنيا بصحة ومال ونحوهما، وقد قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٢).
وأما ما يروى من «أن حاتما الطائي يكون في جهنم في بيت من زجاج يقيه وهج النار لكرمه (٣)»، فضعيف.
وقد «سئل النبي ﷺ عن عبد الله بن جدعان وقيل: إنه كان يقري الضيف ويصل الرحم ويعتق، أفينفعه
_________________
(١) سورة الفرقان الآية ٢٣
(٢) سورة النور الآية ٣٩
(٣) لم أقف عليه.
[ ٥٦ / ١٦٩ ]
ذلك؟ فقال: لا لأنه لم يقل يوما من الدهر لا إله إلا الله. وفي لفظ: إنه لم يقل يوما: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين (١)».
وقال في حاتم كما روي: «إنه أراد أمرا فبلغه (٢)». يعني الشهرة والذكر. نسأل الله تعالى السلامة.
_________________
(١) صحيح مسلم كتاب الإيمان باب (٩٢) ١/ ١٩٦ رقم ٢١٤، وأحمد ٦/ ٩٣، وعند الخرائطي في مكارم الأخلاق ١/ ٣٣٨ بسند ضعيف أنه قال: فإنه يهون عليه بما قلت.
(٢) أخرجه أحمد ٤/ ٢٥٨، والطبراني في الكبير ١٧/ ١٠٤ من طريق سماك بن حرب عن مري بن قطري عن عدي قلت: يا رسول الله إن أبي كان يصل الرحم ويفعل كذا وكذا فقال: " إن أباك أراد أمرا فأدركه ". وفيه مري قال فيه الذهبي: لا يعرف. الميزان ٤/ ٩٥.
[ ٥٦ / ١٧٠ ]