وأما الخامس: في بيان الموزون (١). فروينا في صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري رضي الله تعالى عنه مرفوعا: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها (٢)».
وروينا عن أبي الدرداء رضي " الله تعالى عنه رفعه: «أثقل شيء يوضع في الميزان خلق حسن (٣)».
وعن غير واحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم مرفوعا:
_________________
(١) يعني ٠ هل توزن الأعمال أم الأشخاص أم الصحائف.
(٢) مسلم كتاب الطهارة باب (١) ١/ ٢٠٣ رقم ٢٢٣.
(٣) أخرجه أبو داود كتاب الأدب باب (٨) ٥/ ١٤٩ رقم ٤٧٩٩، والترمذي كتاب البر والصلة باب (٦٢) ٤/ ٣٦٢ رقم ٢٠٠٢، ٢٠٠٣، وأحمد ٦/ ٤٥١، والبخاري في الأدب المفرد ١٠٣ رقم ٤٧٠، والحميدي ١/ ١٦٤، وابن أبي عاصم في السنة رقم ٧٨٢، ٧٨٣، وعبد بن حميد ٢١٣ رقم ٢٠٤ وغيرهم، من طرق عن أم الدرداء عن أبي الدرداء ﵃، وهو حديث صحيح.
[ ٥٦ / ١٦٢ ]
«بخ بخ (٢)». إلى غيرها من الأحاديث التي منها حديث أبي هريرة مرفوعا: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان (٣)» وأثر إبراهيم النخعي - الماضي قريبا- (٤).
ولهذا كان الصحيح كما ذهب إليه أهل السنة- وهو الحق- أن الأعمال توزن، فتجسد أو تجعل في أجسام، فتصير أعمال الطائعين في صورة حسنة وأعمال المسيئين في صورة قبيحة ثم
_________________
(١) أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة رقم ١٦٧، وابن حبان (الإحسان) (٣/ ١١٤) رقم ٨٣٣، الحاكم ١/ ٥١١، وابن أبي عاصم في السنة رقم ٧٨١، وابن سعد في الطبقات ٧/ ٤٣٣، والدولابي في الكنى ١/ ٣٦، والطبراني في الكبير ٢٢/ ٣٤٨ وغيرهم من حديث أبي سلمى الراعي ﵁. وأخرجه الطبراني في الدعاء برقم ١٦٧٩، والبزار (كشف الأستار) ٤/ ٩ رقم ٣٠٧٢ من حديث ثوبان ﵁. وأخرجه الطبراني في الأوسط ٥/ ٢٢٥ رقم ٥١٥٢ من حديث سفينة ﵁. وابن أبي شيبة ١٠/ ٢٩٥ من حديث أبي الدرداء. والحديث صحيح.
(٢) (١) لخمس ما أثقلهن في الميزان: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، والولد الصالح يتوفى فيحتسبه والده
(٣) البخاري كتاب التوحيد باب (٥٨) ١٣/ ٥٣٧ رقم ٧٥٦٣، ومسلم كتاب الذكر والدعاء باب (١٠) ٤/ ٢٠٧٢ رقم ٢٦٩٤ وغيرهم.
(٤) ص١٦١.
[ ٥٦ / ١٦٣ ]
توزن. وبه صرح ابن عباس، فقال: " إن الله يخلق الأعراض أجساما " ولكن حديث البطاقة- الماضي- حيث قيل فيه: «فتوضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة (١)» يشهد لأن الموزون الصحائف، وأوردت في القول البديع (٢) - مما حديث البطاقة أولى منه- عن عبد الله بن عمرو في حديث طويل: «إدراك النبي ﷺ في القيامة شخصا من أمته وهو منطلق به إلى النار، فيخرج من حجزته بطاقة بيضاء كالأنملة، فيلقيها في كفة الميزان اليمنى قائلا: بسم الله، فترجح الحسنات على السيئات (٤)». وكذا قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: " توزن صحائف الأعمال " (٥). وصححه القرطبي.
بل في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ رفعه:
_________________
(١) سنن الترمذي الإيمان (٢٦٣٩)، سنن ابن ماجه الزهد (٤٣٠٠)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ٢٢٢).
(٢) القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع: ١١٨.
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله: ٩٣ رقم ٨٠ وفيه عبد الله بن واقد، متروك. وعزاه السخاوي للنميري وابن البنا قال: وسنده هالك. القول البديع: ١١٨.
(٤) الحجزة: موضع شد الإزار وهو وسط الرجل. انظر النهاية ١/ ٣٤٤، لسان العرب ٥/ ٣٣٢ (حجز). (٣)
(٥) ذكره القرطبي في التذكرة بلا سند ص ٣٦٤.
[ ٥٦ / ١٦٤ ]
«إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة " وقال: اقرءوا إن شئتم: (٢)». وفي قول: «يأتي الرجل الأكول والشروب العظيم فيوزن بحبة فلا يزنها (٣)».
ونحوه في (مسند) (٤) أحمد عن ابن مسعود أنه كان يجني سواكا من أراك وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تلقيه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله ﷺ: «" مم تضحكون؟! قالوا: يا رسول الله من دقة ساقيه، فقال: والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد (٥)».
_________________
(١) البخاري كتاب التفسير باب (٦) ٨/ ٤٢٦ رقم ٤٧٢٩، ومسلم كتاب صفة القيامة باب (١) ٥/ ٢١٤٧ رقم ٢٧٨٥ وغيرهم.
(٢) سورة الكهف الآية ١٠٥ (١) ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم كما ذكر ابن كثير في النهاية ٢/ ٤٨. ونحو هذا اللفظ أخرجه ابن عدي في الكامل ٦/ ٢٣٠، والبيهقي في الشعب ٥/ ٣٤ رقم ٥٦٧٠، وعزا الحافظ ابن حجر نحوه لابن مردويه، الفتح ٨/ ٤٢٦. وانظر ألفاظا أخرى عند السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥٤.
(٤) في الأصل (مستدرك أحمد) والحديث فيهما- كما سيأتي- لكنه في المستدرك من حديث قرة بن إياس.
(٥) أخرجه أحمد في مسنده ١/ ٤٢٠، وفي فضائل الصحابة ٢/ ٨٤٣ رقم ١٥٥٢، والطبراني في الكبير ٩/ ٧٥ رقم ٨٤٥٢، وابن سعد في الطبقات ٣/ ١٥٥، وأبو نعيم في الحلية ١/ ١٢٧، والفسوي في التاريخ ٥٤٥، وغيرهم من حديث حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن ابن مسعود. وجاء عن غيره فأخرجه أحمد في مسنده ١/ ١١٤، والطبراني في الكبير ٩/ ٩٧ رقم ٨٥١٦، وابن سعد في الطبقات ٣/ ١٥٥، والفسوي في التاريخ ٢/ ٥٤٦ وغيرهم من حديث مغيرة عن أم موسى عن علي بن أبي طالب. وأخرجه الحاكم ٣/ ٣١٧ وصححه، والفسوي في التاريخ ٢/ ٥٤٦ من حديث شعبة عن معاوية بن قرة عن أبيه. وجاء عن غيرهم، وهو صحيح.
[ ٥٦ / ١٦٥ ]
وكلها دالة على أن الشخص هو الموزون، فيحتمل أن يوزن مع عمله، ويدل لذلك أنه في بعض طرق حديث البطاقة عند أحمد (١) من حديث ابن لهيعة عن عمرو بن يحيى عن الحبلي عن عبد الله بن عمرو رفعه: «يوضع الميزان يوم القيامة فيؤتى بالرجل فيوضع في كفة ويوضع ما أحصي عليه فتمايل به الميزان، قال: فيبعث به إلى النار، قال: فإذا أدبر إذا صائح من عند الرحمن يقول: لا تعجلوا لا تعجلوا، فإنه قد بقي له شيء، فيؤتى ببطاقة له فيها لا إله إلا الله، فتوضع مع الرجل في كفته حتى (يميل) به الميزان (٣)».
وبكل ذلك يرد على المعتزلة المنكرين للميزان متمسكين بأن الأعمال أعراض لا جرم لها فكيف توزن، ولا يساعدهم قول مجاهد وغيره:
_________________
(١) المسند ٢/ ٢٢١، ٢٢٢.
(٢) سنن الترمذي الإيمان (٢٦٣٩)، سنن ابن ماجه الزهد (٤٣٠٠)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ٢٢٢).
(٣) في الأصل (تثقل) وصحح في الحاشية، وهو كذلك في مصادر الحديث. (٢)
[ ٥٦ / ١٦٦ ]
" الميزان بمعنى العدل والإنصاف "، وذكر الوزن والميزان ضرب مثل، كما يقال: هذا الكلام في وزن هذا، فإن الظاهر أنهم [ل٤] إنما فسروا به قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ (١) ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ (٢) ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ (٣) فالميزان في قوله تعالى: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ (٤) أي العدل، فأمر عباده أن يتعاملوا به فيما بينهم (٥).
وقد قال الإمام أحمد ردا على من أنكره ما معناه قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٦) فمن رد على النبي ﷺ فقد رد على الله تعالى.
_________________
(١) سورة الرحمن الآية ٧
(٢) سورة الرحمن الآية ٨
(٣) سورة الرحمن الآية ٩
(٤) سورة الرحمن الآية ٧
(٥) ونحو ذلك قاله الحافظ ابن كثير في النهاية (٢/ ٥٣).
(٦) سورة الأنبياء الآية ٤٧
[ ٥٦ / ١٦٧ ]