اختلف الفقهاء في حكم التسمية عند الوضوء على أربعة
[ ٥٦ / ١٧٧ ]
أقوال، هي:
القول الأول: أنها سنة. وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية (١)، ورواية عند الحنابلة هي ظاهر المذهب عندهم، وهو مذهب الظاهرية (٢).
القول الثاني: أنها واجبة. وهو رواية عند الحنابلة هي المذهب، اختارها أبو بكر عبد العزيز بن جعفر، والقاضي أبو يعلى (٣)، وهو مذهب الحسن البصري، وإسحاق بن راهويه (٤).
القول الثالث: أنها ليست بمشروعة " منكرة ". وهو قول
_________________
(١) نهاية المحتاج ١/ ١٨٣، روضة الطالبين ١/ ١٥٧، المجموع ١/ ٣٤٥، حلية العلماء ١/ ١٣٦.
(٢) المحلى ١/ ٢٩٥.
(٣) انظر: المغني ١/ ١٤٥، الانتصار في المسائل الكبار ١/ ٢٥٠، المستوعب ١/ ١٤٣، الإنصاف ١/ ١٢٨.
(٤) المغني ١/ ١٤٥، الانتصار في المسائل الكبار ١/ ٢٥٠، الأوسط ١/ ٣٦٨، المجموع ١/ ١٤٦.
[ ٥٦ / ١٧٨ ]
عند المالكية (١).
القول الرابع: أنها مباحة. وهو قول عند المالكية (٢).
وقد استشكل بعضهم تصور الإباحة مع رجحان الذكر. وأجيب بأن المباح وقوع الذكر الخاص في أول العبادات الخاصة، أما نفس الفعل فراجح الفعل، فمحل الإباحة غير محل الندب (٣).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
الدليل الأولى: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٤).
الدليل الثاني: عن حمران مولى عثمان «أنه رأى عثمان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء، فمضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاث مرات ويديه إلى المرفقين ثلاث مرات، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرات، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: " من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه (٥)».
_________________
(١) انظر: الخرشي ١/ ١٣٩، تنوير المقالة ١/ ٤٧٨.
(٢) انظر: الخرشي ١/ ١٣٩، تنوير المقالة ١/ ٤٧٨.
(٣) الخرشي ١/ ١٣٩.
(٤) سورة المائدة الآية ٦
(٥) رواه البخاري ١/ ٤٨، كتاب الوضوء، باب الوضوء ثلاثا، ورواه مسلم ١/ ٢٠٥، كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، واللفظ له.
[ ٥٦ / ١٧٩ ]
وجه الدلالة من الدليلين: أن الله ﷾ بين واجبات الوضوء في الآية والحديث السابقين ولم يورد فيهما التسمية، مما يدل على عدم وجوبها؛ لأنها لو كانت واجبة لذكرها الله ﷾ مع بقية الواجبات (١).
ونوقش وجه الدلالة السابق من وجهين:
الوجه الأول: أن التسمية وإن لم تذكر في هذه الآية ولا في هذا الحديث فإنها ذكرت في أحاديث أخرى، مما يدل على وجوبها.
يجاب عنه: أن أسانيد هذه الأحاديث كلها ضعيفة، فلا يصح الاستدلال (٢) بها.
الوجه الثاني: أن النية لم تذكر في الآية ولا في الحديث من ضمن واجبات الوضوء ومع ذلك لم يقل أحد: إنها ليست واجبة فيه.
يجاب عنه: أن وجوب النية في الوضوء، وإن لم يرد في
_________________
(١) انظر: المبسوط ١/ ٥٥، أحكام القرآن للجصاص ٣/ ٣٦٥، الانتصار في المسائل الكبار ١/ ٢٥٧.
(٢) انظر: المجموع ١/ ٣٤٤، وانظر تفصيل ذلك في ص١٩٠ - ١٩٥ من هذا البحث.
[ ٥٦ / ١٨٠ ]
هذه الآية ولا في هذا الحديث، فإنه قد ثبت في حديث آخر بين وجوب النية في جميع الأعمال الشرعية. أما التسمية في الوضوء فلم تثبت بنص شرعي آخر مما يدل على عدم وجوبها.
الدليل الثالث: عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تطهر أحدكم فليذكر اسم الله، فإنه يطهر جسده كله، فإن لم يذكر أحدكم اسم الله على طهوره لم يطهر إلا ما مر عليه الماء، فإذا فرغ أحدكم من طهوره فليشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، ثم ليصل علي، فإذا قال ذلك فتحت له أبواب الرحمة (١)».
وجه الدلالة: أن هذا الحديث حكم بطهارة الأعضاء مع
_________________
(١) رواه الدارقطني، سنن الدارقطني ١/ ٧٣، ٧٤، باب التسمية على الوضوء واللفظ له. ورواه البيهقي، السنن الكبرى ١/ ٤٤، كتاب الطهارة، باب التسمية على الوضوء.
[ ٥٦ / ١٨١ ]
عدم التسمية، مما يدل صراحة على عدم وجوب التسمية عند الوضوء (١).
ونوقش من وجهين:
الوجه الأول: أن هذا الحديث ضعيف فلا يصح الاستدلال به.
الوجه الثاني: أنه حجة للقائلين بوجوب التسمية، حيث لم يحكم بطهارة بقية البدن مع عدم التسمية، والبدن جميعه محدث، بدليل أنه لا يجوز مس المصحف بصدره، ومع بقاء الحدث في بعض البدن لا تصح الصلاة (٢).
الدليل الرابع: أن التسمية مشروعة عند كثير من الأمور، سواء كانت عبادة، أو غيرها. فتشرع عند الأكل، وعند دخول
_________________
(١) انظر: تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق ١/ ٣٥٥، الانتصار ١/ ٢٥٣.
(٢) انظر: تنقيح التحقيق ١/ ٣٥٦، الانتصار ١/ ٢٥٣.
[ ٥٦ / ١٨٢ ]
المنزل، والخروج منه، وعند ركوب الدابة، وعند
[ ٥٦ / ١٨٣ ]
الوطء، وعند تغطية الإناء، وغيرها من المواضع التي تشرع فيها التسمية؛ فيكون الوضوء من الأشياء التي يسن أن تسبق بالتسمية، خاصة مع وجود الأحاديث المثبتة لذلك.
يناقش: إنكم ذكرتم أن الأحاديث المثبتة للتسمية عند الوضوء ضعيفة (١) ولا تصلح للاستدلال بها على وجوب التسمية، فما بالكم قد استدللتم بها الآن؟
_________________
(١) انظر: من ص ١٩٠ إلى ص ١٩٥ من هذا البحث.
[ ٥٦ / ١٨٤ ]
يجاب عنه: أننا لم نستدل بهذه الأحاديث فنثبت وجوب التسمية؛ لأن إثبات الوجوب يحتاج إلى دليل قوي مستقيم، ولكننا استأنسنا بهذه الأحاديث مع مشروعية التسمية عند كثير من الأمور المتعلقة بالعبادات وغيرها، الثابتة بالأحاديث الصحيحة، فقلنا: إن التسمية عند الوضوء سنة يستحب النطق بها عند البداءة به.
الدليل الخامس: أن التسمية معنى شرع عند الذبح؛ فلم يجب في الطهارة، كاستقبال القبلة (١).
نوقش: لم كان كذلك؟ ونحن نرى أن استقبال القبلة يشرع في الذبيحة والدعاء، ويجب قي الصلاة، وكذلك ذكر الله تعالى يشرع في الأذان وفي الصلاة وفي الخطبة، فليس إذا شرع الشيء في فعل لا يفعل في غيره (٢).
الدليل السادس: أن الوضوء طهارة فلا تفتقر إلى التسمية، كالطهارة من النجاسة، أو عبادة فلا تجب فيها التسمية، كسائر العبادات (٣).
الدليل السابع: أن التسمية عند الوضوء ذكر يسقط بالسهو فلم يكن واجبا كالتسبيح والصلاة على النبي ﷺ (٤).
_________________
(١) انظر: الانتصار ١/ ٢٥٩.
(٢) انظر: الانتصار ١/ ٢٥٩.
(٣) المغني ١/ ١٤٥.
(٤) انظر: الانتصار ١/ ٢٥٩.
[ ٥٦ / ١٨٥ ]
نوقش: أنا لا نسلم لكم أنه يسقط سهوا، ومن سلم قال: لا يمتنع أن يسقط بالسهو ما كان واجبا، كالإمساك في الصوم وكترك الكلام أثناء الصلاة والتسمية على الذبيحة ونحو ذلك، فأما الأصل فلم يشرع في الوضوء أصلا (١).
الدليل الثامن: أن الوضوء شرط من شرائط الصلاة فلم تشترط في صحته التسمية، كستر العورة وإزالة النجاسة واستقبال القبلة (٢).
نوقش: أنه " لا تأثير لقولكم: شرط. فإن الحج والصيام والزكاة ليس بشرط ولا تسمية فيه أيضا، ولا نسلم الأصل، فإنه إنما يكون شرطا إذا كان فعلها في الصلاة، وفي الصلاة تسمية والطهارة لا تفعل في الصلاة ودوام حكمها ليس بفعل؛ ولهذا لو حلف لا يتطهر وهو متطهر فاستدام لم يحنث، ولو حلف لا يستتر ولا يستقبل القبلة فاستدام حنث؛ ولهذا لا يشرع لتلك الشروط نية مفردة، بخلاف الطهارة. فأما النجاسة فهي نقل عين معينة كرد المغصوب والعواري، أو طريقها التروك فلم تفتقر إلى ذكر، كترك الزنى والربا والسرقة، ولأن الطهارة عبادة منفردة يتنفل بها وترجع إلى شطرها فكانت كالصلاة، بخلاف سائر الشروط " (٣).
_________________
(١) انظر: الانتصار ١/ ٢٥٩.
(٢) انظر: الانتصار ١/ ٢٥٨، شرح معاني الآثار ١/ ٢٩.
(٣) انظر: الانتصار ١/ ٢٥٨.
[ ٥٦ / ١٨٦ ]
الدليل التاسع: أن الوضوء عبادة لا يجب في آخرها ذكر فلا يجب في أولها، كالطواف (١).
ونوقش: لم كان كذلك؟ ونحن نعلم أنه يشرع في أولها الذكر ويستحب ولا يشرع في آخرها، وكذلك يجب إحضار النية في أولها ولا يجب في آخرها. . . وكذلك التسمية ينطق بها في أول الذبح دون آخره، وكذلك يجب التكبير في أول الصلاة ولا يجب في آخرها (٢).
الدليل العاشر: أن المطلوب من المتوضئ هو الطهارة، وترك التسمية لا يقدح فيها؛ لأن الماء خلق طهورا في الأصل فلا تقف طهوريته على صنع العبد (٣).
_________________
(١) انظر: المجموع ١/ ٣٤٧، الانتصار ١/ ٢٥٨.
(٢) انظر: الانتصار ١/ ٢٥٨.
(٣) بدائع الصنائع ١/ ٢٠.
[ ٥٦ / ١٨٧ ]