اختلف الفقهاء في حكم ترك التسمية عمدا، ونسيانها سهوا، على أربعة أقوال، هي:
القول الأول: أن من نسي التسمية في أول الوضوء ثم ذكرها في أثنائه، فإنه يسن له أن يأتي بها؛ حتى لا يخلو الوضوء من اسم الله ﷿، وإن تركها عمدا فإنه يجزئه وضوءه. وهذا مذهب الشافعية (١)، ورواية عند الحنابلة (٢). .
قال الشافعي: " وأحب للرجل أن يسمي الله ﷿ في ابتداء وضوئه، فإن سها سمى متى ذكر وإن كان قبل أن يكمل الوضوء، وإن ترك التسمية ناسيا أو عامدا لم يفسد وضوءه إن شاء الله تعالى " (٣).
_________________
(١) المجموع ١/ ٣٤٤، ٣٤٥، ٣٤٦، فتح العزيز ١/ ٣٩٢، نهاية المحتاج ١/ ١٨٤، الأم ١/ ٣١.
(٢) الانتصار ١/ ٢٥٠، الإنصاف ١/ ١٢٩، التحقيق في أحاديث الخلاف ١/ ١٣٧، المغني ١/ ١٤٥
(٣) الأم ١/ ١٤٥.
[ ٥٦ / ١٩٩ ]
قال ابن قدامة: " ظاهر مذهب أحمد ﵁ أن التسمية مسنونة في طهارات الحدث كلها. رواه عنه جماعة من أصحابه.
وقال الخلال: الذي استقرت الروايات عنه أنه لا بأس به، يعني إذا ترك التسمية " (١).
القول الثاني: أن من ترك التسمية أو نسيها عند الوضوء فلا شيء عليه، فإن ذكرها أثناء الوضوء فسمى فإنه لا يحصل السنة، بخلاف نحوه في الأكل؛ وذلك لأن الوضوء عمل واحد، بخلاف الأكل، فإن كل لقمة فعل مستقل. والتسمية في أثناء الأكل تحصيل للسنة في الباقي وليست استدراكا لما فات، وبالتالي فإنه لا يحصل السنة في الوضوء؛ لأنه عمل واحد لا تحصل السنة في أثنائه.
ومعنى هذا أنه إذا نسي التسمية عند ابتداء الوضوء فإن إتياته بها في أثنائه وعدم إتيانه بها سواء. وهذا مذهب الحنفية.
جاء في البحر الرائق: " ولو نسي التسمية في ابتداء الوضوء، ثم ذكرها خلاله فسمى لا تحصل السنة، بخلاف نحوه في الأكل " (٢).
القول الثالث: أن من ترك التسمية أو نسيها عند الوضوء
_________________
(١) المغني ١/ ١٤٥.
(٢) البحر الرائق ١/ ٢٠.
[ ٥٦ / ٢٠٠ ]
فذكرها في أثنائه فإنه يقول: بسم الله في أوله وآخره، وإن لم يقل فلا شيء عليه. وهو مذهب المالكية (١).
جاء في شرح الخرشي على مختصر خليل عن نسيان التسمية قوله: " وإن نسيها في أوله قال في أثنائه: بسم الله في أوله وآخره " (٢).
القول الرابع: أنه لا يجوز ترك التسمية عموما، وإذا تركت عمدا لم تصح الطهارة، وإن تركت سهوا صحت الطهارة. نص على ذلك الإمام أحمد في رواية أبي داود (٣).
قال ابن قدامة: " وإن قلنا بوجوبها فتركها عمدا لم تصح طهارته؛ لأنه ترك واجبا في الطهارة أشبه ما لو ترك النية، وإن تركها سهوا صحت طهارته. نص عليه أحمد في رواية أبي داود، فإنه قال: سألت أحمد بن حنبل: إذا نسي التسمية في الوضوء؟ قال: أرجو أن لا يكون عليه شيء " (٤).
الترجيح: الترجيح في هذه المسألة مبني على الترجيح في المسألة السابقة، وهي مسألة حكم التسمية عند الوضوء، وبما أننا قلنا في المسألة السابقة: إن القول الراجح هو القول الأولى، وهو أن
_________________
(١) الخرشي ١/ ١٣٩.
(٢) الخرشي ١/ ١٣٩.
(٣) المغني ١/ ١٤٦، الانتصار في المسائل الكبار ١/ ٢٥٠، الإنصاف ١/ ١٢٩، المبدع ١/ ١٠٧.
(٤) المغني ١/ ١٤٦.
[ ٥٦ / ٢٠١ ]
التسمية سنة عند الوضوء وليست بواجبة، فإننا نقول هنا: إن الراجح هو القول الأول، وهو أن ترك التسمية عمدا أو سهوا لا يؤثر في الطهارة وتصح بدونها، ولكن الأفضل للإنسان ألا يخلي هذه العبادة- وهي الطهارة- من ذكر الله، وهي هنا التسمية عند الوضوء، ولا بأس أن يذكرها في أي جزء من أجزاء الطهارة.
[ ٥٦ / ٢٠٢ ]