فتوى رقم ٣٣٧
س١: ما مدى صحة حديث: «من عشق فعف وكتم مات شهيدا»، وهل يقصد بالعشق الحلال (زوجة الإنسان أو يقصد به خلاف ذلك)؟
س ٢: أن تقويم أم القرى كتب هذا الحديث في التقويم فهل هو مستند على صحة هذا الحديث أو يريد تعبئة الأوراق فقط؟
س ٣: أن هذا الحديث يضل به بعض الناس حيث يستبيح لغة العشق فيقع في الحرام فما رأيك؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وبعد:
ج: هذا الحديث روي من عدة طرق بألفاظ مختلفة لكن لا يصح شيء منها. فروي من طريق سويد بن سعيد عن علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس -﵁- عن النبي -ﷺ-، ومن طريق سويد عن علي بن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة -﵄- عن النبي -ﷺ-، وقد أنكر على سويد رواية هذا الحديث جماعة من أئمة الحديث منهم أبو أحمد ابن عدي والبيهقي والحاكم وابن طاهر ويحيى بن معين وقال: هو ساقط كذاب،
[ ٥٦ / ٩٦ ]
وذكر ابن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات، وقال الإمام أحمد في سويد بن سعيد: إنه متروك الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال البخاري: كان قد عمي فتلقن ما ليس من حديثه، وقال ابن حبان: يأتي بالمعضلات عن الثقات، يجب اجتناب ما روى، وقال أبو حاتم الرازي: صدوق كثير التدليس، واعتذر مسلم عن إخراجه حديثه في صحيحه بأنه لم يأخذ عنه إلا ما كان عاليا وتوبع عليه؛ ولأجل هذا أعرض عن رواية هذا الحديث في صحيحه. وقد روى هذا الحديث الحاكم من طريق محمد بن داود بن علي الطاهري عن أبيه عن سويد وتعجب منه، وأخرجه ابن الجوزي من طريق محمد بن المرزبان عن أبي بكر الأزرق عن سويد، وما تقدم من الطعن في سويد كاف في رد هذا الحديث من طريقه، وقد روي هذا الحديث من غير طريق سويد فرواه ابن الجوزي في العلل من طريق ابن عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس، وضعف أحمد بن حنبل يعقوب، ورواه الخطيب من طريق الزبير بن بكار عن عبد الملك ابن الماجشون عن عبد العزيز بن أبي حازم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس، وعبد الملك هو ابن عبد العزيز الماجشون، كان فقيها لكنه ضعيف في الحديث، قال أبو داود: كان لا يعقل الحديث، وقال الساجي: ضعيف الحديث صاحب رأي، وقال مصعب الزبيري: كان يفتي وكان ضعيفا في الحديث، قال ابن حجر في التلخيص الحبير: وهذه الطريق غلط فيها بعض الرواة فأدخل إسنادا في إسناد، وقد قوى بعضهم هذا الخبر حتى يقال
[ ٥٦ / ٩٧ ]
إن أبا الوليد الباجي نظم في ذلك:
إذا مات المحب جوى وعشقا فتلك شهادة يا صاح حقا
رواه لنا ثقات عن ثقات إلى الحبر ابن عباس ترقا
ولكن ما تقدم من الجرح المبين في سويد بقبوله التلقين بعد أن عمي وبتدليسه وقد عنعن في روايته عمن فوقه، ورواية المناكير كاف في الحكم بعدم صحة هذا الحديث على كل الطرق التي تدور عليه، كما تقدم أنه غير صحيح من طريق يعقوب بن عيسى وطريق الزبير بن بكار لضعف يعقوب وعبد الملك بن الماجشون، يضاف إلى هذا ما ذكره ابن قيم الجوزية وابن معين والحاكم وغيرهم من نكارة متنه حتى قال أبو عبد الله ابن القيم: إن نكارة متنه كافية في رده.
ج ٢: مما تقدم في الجواب عن الفقرة الأولى من السؤال يتبين أن الحديث غير صحيح لضعف أسانيده ونكارة متنه، وأما كتابة من يتولى تقويم أم القرى لهذا الحديث في أوراق التقويم فربما كان لعدم معرفته لضعف هذا الحديث، ولعلهم إذا تبين لهم ضعفه أو وضعه وكذبه تركوه حماية لأنفسهم من الكذب على رسول الله -ﷺ- ومن التغرير بالناس لذريعة الشر، فإن الناس في حاجة إلى ما يفطمهم عن الشر ويعصمهم منه لا إلى ما يغريهم به ويوقعهم فيه.
[ ٥٦ / ٩٨ ]
ج٣: ما ذكره السائل من أن نشر هذا الحديث يفتح على الناس باب الفتنة ويغريهم بالشر وارتكاب المنكرات، كلام صحيح يؤيده الواقع، فيجب القضاء على ذلك قدر المستطاع؛ لقول النبي -ﷺ-: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (١)» رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن من طريق أبي سعيد الخدري ﵁.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو نائب رئيس اللجنة الرئيس
عبد الله بن سليمان بن منيع عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان وعبد الرزاق عفيفي
_________________
(١) صحيح مسلم الإيمان (٤٩)، سنن الترمذي الفتن (٢١٧٢)، سنن النسائي الإيمان وشرائعه (٥٠٠٩)، سنن أبو داود الصلاة (١١٤٠)، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (١٢٧٥)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ٥٤).
[ ٥٦ / ٩٩ ]
فتوى رقم ٥٧٧٣
س: هناك تقويم توزعه وكالة سيكو للساعات للحصيني وشركاه يوزع مجانا، دعاية لتجارتهم في هذا النوع من التجارة والحاصل أن في تاريخ ٢٣ من المحرم ١٤٠٣هـ في نفس الورقة التي بالتقويم والتي تحمل التاريخ المذكور في الخلف منها مكتوب فيه بالخط العريض ما يلي: من أقوال الرسول الكريم: «من عشق فعف وكتم مات شهيدا»، وهذا الحديث
[ ٥٦ / ٩٩ ]
في ظاهره أنه غير صحيح والله أعلم، " قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (١) وقد كتبت هذا الخطاب إلى سماحتكم براءة للذمة، لما أعلم مما ورد في الوعيد الشديد في الكذب على رسوله -ﷺ-، فمثل هذه التقاويم والصحف والنشرات والكتيبات يجب على وزارة الإعلام الانتباه فيما يكتبونه من الآيات والأحاديث، والتأكيد من صحة ذلك، وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، ونرجو من سماحتكم الأمر على من يهمه الأمر بما ترونه صالحا وترون فيه خيرا؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وبعد:
ج: هذا الحديث رواه الخطيب في ترجمة عطية بن الفضل لكن بلفظ: «من عشق فعف ثم مات مات شهيدا» وفي سنده أحمد بن محمد بن مسروق، ذكره الذهبي في الضعفاء، وقال: لينه الدارقطني، وفيه أيضا سويد بن سعيد الدقاق وهو منكر الحديث، وإن كان قد أخرج له مسلم في المتابعات فقد قال فيه الإمام أحمد: متروك. وفيه أيضا أبو يحيى القتات ضعفه غير واحد، وقال فيه ابن حبان: فحش غلطه وكثر وهمه حتى سلك مسلك غير العدول في الروايات، ورواه الخطيب أيضا في ترجمة عثمان المروزي بلفظ: «من عشق فكتم وعف ومات مات شهيدا» وفي سنده سويد بن سعيد، وقد قال ابن معين: لو كان لي فرس ورمح لغزوته، وقال ابن الجوزي: دار الحديث عليه فهو لا
_________________
(١) سورة يوسف الآية ٧٦
[ ٥٦ / ١٠٠ ]
يصح من أجله، ورواه الحاكم من طرق كلها هذا الطريق أمثلها، وقال ابن القيم: هذا الحديث والذي قبله كل منهما موضوع.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو عضو نائب رئيس اللجنة الرئيس
عبد الله بن قعود عبد الله بن غديان وعبد الرزاق عفيفي عبد العزيز بن عبد الله بن باز
[ ٥٦ / ١٠١ ]