نستطيع أن نلخص خلاف المالكية مع الجمهور في موضوع البئر، بأن المالكية يهتمون أكثر من غيرهم بالقصد غير ناظرين إلى غيره في الغالب، ولذلك نجد عبارات المالكية تحدد القصد من العمل وتجعل الحكم مقصورا عليه وجودا وعدما. قال العدوي: اعلم أن حاصل مسألة البئر أنه إن لم يقصد بحفرها ضررا، فإن حفرها في محل لا يجوز له كالطريق ضمن ما تلف بها؛ لأن فعلها في الطريق يحمل على قصد الضرر، وإن كان في محل يجوز له، فلا ضمان عليه، وإن حفرها بقصد الضرر، ولو في محل يجوز له، فإن حفرها لإهلاك شخص غير معين فإنه يضمن ما هلك فيها غير آدمي، وإن حفرها لإهلاك سارق غير معين، وهلك فيها غير آدمي، فالظاهر الضمان، وإن حفرها لإهلاك شخص بعينه، فإن هلك ذلك الشخص، اقتص منه، وإن هلك غيره ضمن ديته. وإن حفرها لمن يجوز قتله، كحفرها في بيته أو حائطه لنحو سبع فلا يضمن ما هلك فيها من
[ ٥٦ / ٢٤٢ ]
آدمي سارق أو غيره.
وإن حفر بئرا حول زرعه لمنع الدواب عنه خشية أن تفسده فلا ضمان عليه. وإن حفرها لإتلاف دواب الناس ضمن (١). ا. هـ.
وفي المدونة: قال مالك: من حفر شيئا مما يجوز له في طريق المسلمين أو في غير ذلك أو في داره، فعطب فيها إنسان فلا ضمان عليه.
قال مالك: وإن حفر رجل في دار حفيرا لسارق يرصده ليقع فيه. . . فهو ضامن.
(قلت) لم، وإنما وضعه حيث يجوز له؟ قال: لأنه تعمد بما وضع حتف السارق، قلت: فإن عطب به غير السارق؟ قال: كذلك يضمن. قلت: أسمعته من مالك؟ قال: هو قوله (٢).
وقال الشيخ الدردير في الشرح الصغير (٣): وأما الجناية بالتسبب فأشار له بقوله أو تسبب الجاني في الإتلاف كحفر بئر وإن حفرها ببيته فوقع فيها المقصود - أي الذي قصد قتله - وهلك المعين المقصود بالبئر وما بعده فالقود من المتسبب، وإلا يهلك
_________________
(١) عليش، فتح العلي المالك ٢/ ٣٣٩، وانظر حاشية الشيخ عدوي على الخرشي ٨/ ٨.
(٢) ابن القاسم، المدونة ٤/ ٥٠٦.
(٣) مع الحاشية بلغة السالك ٢/ ٣٨٤.
[ ٥٦ / ٢٤٣ ]
المقصود بل غيره، أو لم يكن لمعين بل قصد مطلق الضرر؛ فهلك بها إنسان، فالدية في الحر المعصوم، والقيمة في غيره.
ومفهوم قصد مطلق الضرر أنه إن لم يقصد ضررا بالحفر وما بعده فلا شيء عليه ويكون هدرا.
فهذه النصوص كما هو ملاحظ تدندن حول نقطة واحدة، وهي أنه إن حصل عدوان بحفر البئر، بأن حفرت فيما لا يجوز الحفر فيه ففيه الضمان ولو لم يقصد، فإن حفر فيما يجوز له الحفر فيه فعليه الضمان إذا قصد الضرر مع أن جميع الفقهاء الباقين لم ينظروا إلى القصد، وإنما نظروا إلى العمل نفسه.
ولذلك إذا ردى إنسان آخر في بئر حفرت تعديا فالفقهاء الثلاثة متفقون على أن الضمان على المردي لا على الحافر؛ لأن الحافر متسبب والمردي مباشر، والحكم يضاف إلى المباشر.
وقال المالكية: ينظر إلى القصد لذلك، نص الشيخ الدردير، على أنه يقتل المتسبب مع المباشر، فإذا حفر إنسان بئرا ليقع فيها إنسان معين فجاء ذلك الإنسان فرداه ثالث في البئر أن الضمان على الحافر وعلى المردي، ولو لم يجتمعا وقت الهلاك، ولو من غير تمالؤ من الحافر والمردي (١). ا. هـ.
هذا كله يدلك على أن للقصد الأهمية العظمى عند المالكية، وأما إذا كان هناك تعد وحصل ضرر فالضمان واجب من غير نظر إلى القصد.
_________________
(١) الدردير، الشرح الكبير ٤/ ٢٤٦، وانظر الزرقاني، شرح المختصر ٨/ ٩.
[ ٥٦ / ٢٤٤ ]
قال ابن جزي: الباب العاشر في التعدي. . . أو حفر بئرا - بحيث يكون حفره تعديا - فسقط فيه إنسان أو بهيمة، فهو ضامن لما استهلكه أو أتلفه أو تسبب في إتلافه، سواء فعل ذلك كله عمدا أو خطأ.
وفي تبصرة الحكام: وأما من عمل ما يجوز له: كبئر يحفرها للمطر أو مرحاض يحفره إلى جانب حائطه. قال أشهب: ما لم يضر البئر والمرحاض بالطريق. ا. هـ. أو يحفر بئرا في داره ولا يقصد بها ضررا لأحد، فلا يضمن ما نشأ عن ذلك في هذه الوجوه (١).
(قلت) وكل هذا ينطبق على ما إذا حفر إنسان حفرة لزرع شجر أو نخل أو حفر لمد أسلاك الكهرباء وغير ذلك.
_________________
(١) ابن فرحون، تبصرة الحكام ٢/ ٣٤٦.
[ ٥٦ / ٢٤٥ ]