قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١) ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ (٢) ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (٣) ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٤).
_________________
(١) سورة الحديد الآية ١٢
(٢) سورة الحديد الآية ١٣
(٣) سورة الحديد الآية ١٤
(٤) سورة الحديد الآية ١٥
[ ٧٥ / ٢٦٦ ]
قال ابن كثير: يقول تعالى مخبرا عن المؤمنين المتصدين: أنهم يوم القيامة يسعى نورهم بين أيديهم في عرصات القيامة، بحسب أعمالهم، كما قال عبد الله بن مسعود في قوله: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ (١) قال: على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، ومنهم من نوره مثل الرجل القائم، وأدناهم نورا من نوره في إبهامه يتقد مرة ويطفأ مرة).
وقال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول:
«من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن أبين وصنعاء فدون ذلك، حتى إن من المؤمنين من يضيء نوره موضع قدميه (٢)».
وقال الضحاك: ليس أحد إلا يعطى نورا يوم القيامة، فإذا انتهوا إلى الصراط طفئ نور المنافقين، فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا أن يطفأ نورهم كما طفئ نور المنافقين، فقالوا: ربنا أتمم لنا نورنا.
_________________
(١) سورة الحديد الآية ١٢
(٢) تفسير الطبري ج ٢٧ ص ١٢٨.
[ ٧٥ / ٢٦٧ ]
وقوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ (١) وهذا إخبار منه تعالى عما يقع يوم القيامة في العرصات من الأهوال المزعجة، والزلازل العظيمة، والأمور الفظيعة، وإنه لا ينجو يومئذ إلا من آمن بالله ورسوله، وعمل بما أمر الله، وترك ما عنه زجر. (٢).
وقاك القرطبي: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ (٣).
أي: نستضيء من نوركم .. قال المفسرون: يعطي الله المؤمنين نورا يوم القيامة على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط، ويعطي المنافقين أيضا نورا خديعة لهم؛ دليله: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ (٤)، وقيل: إنما يعطون النور؛ لأن جميعهم أهل دعوة دون الكافر، ثم يسلب المنافق نوره لنفاقه، قاله ابن عباس. (٥).
وقال تعالى: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ (٦).
قال ابن كثير: أي: لهم عند ربهم أجر جزيل، ونور عظيم يسعى بين أيديهم، وهم في ذلك يتفاوتون بحسب ما كانوا في الدنيا من الأعمال. (٧).
_________________
(١) سورة الحديد الآية ١٣
(٢) تفسير ابن كثير ج ٨ ص ٤١، ٤٢.
(٣) سورة الحديد الآية ١٣
(٤) سورة النساء الآية ١٤٢
(٥) تفسير القرطبي ج ١٧ ص ٢٤٥.
(٦) سورة الحديد الآية ١٩
(٧) تفسير ابن كثير ج ٨ ص ٤٩.
[ ٧٥ / ٢٦٨ ]
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (٢).
قال ابن كثير: أي: من لم يهده الله فهو هالك جاهل حائر بائر كافر، كما قال تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ (٣)، وهذا مقابلة ما قال في مثل المؤمنين: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٤)، فنسأل الله العظيم أن يجعل في قلوبنا نورا، وعن أيماننا نورا، وعن شمائلنا نورا، وأن يعظم لنا نورا. (٥).
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٦).
_________________
(١) سورة التحريم الآية ٨
(٢) سورة النور الآية ٤٠
(٣) سورة الأعراف الآية ١٨٦
(٤) سورة النور الآية ٣٥
(٥) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٧٧.
(٦) سورة النور الآية ٣٥
[ ٧٥ / ٢٦٩ ]
قال ابن كثير: قال أبي بن كعب: هو المؤمن الذي قد جعل الله الإيمان والقرآن في صدره، فضرب الله مثله فقال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١)، فبدأ بنور نفسه، ثم ذكر نور المؤمن فقال: مثل نور من آمن به، قال: فكان أبي بن كعب يقرؤها: " مثل نور من آمن به "، فهو المؤمن جعل الإيمان والقرآن في صدره، ثم قال الطبري: وهو مثل ضربه الله لطاعته، فسمى الله طاعته نورا، ثم سماها أنوارا شتى، قال أبي بن كعب: المصباح: النور، وهو القرآن والإيمان الذي في صدره (٢).
وقوله: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٣) أي: يرشد الله إلى هدايته من يختاره، كما جاء في الحديث الذي رواه أحمد عن عبد الله بن عمرو، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم نوره يومئذ، فمن أصاب يومئذ من نوره اهتدى، ومن أخطأه ضل، فلذلك أقول: جف القلم على علم الله ﷿ (٤)».
وقال تعالى:
_________________
(١) سورة النور الآية ٣٥
(٢) تفسير الطبري ج ١٨ ص ١٠٣ - ١٠٧، البحر المحيط ج ٦ ص ٤٥٥.
(٣) سورة النور الآية ٣٥
(٤) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٦٠، أحمد ٢/ ١٧٦.
[ ٧٥ / ٢٧٠ ]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١)
قال ابن كثير: قال سعيد بن جبير: لما افتخر أهل الكتاب بأنهم يؤتون أجرهم مرتين أنزل الله هذه الآية في حق هذه الأمة، و﴿كِفْلَيْنِ﴾ (٢) أي: ضعفين، وزادهم: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ (٣) يعني: هدى يتبصر به من العمى والجهالة، ويغفر لكم، ففضلهم بالنور والمغفرة. (٤).
وأخرج مسلم من حديث جابر بن عبد الله، وكعب بن مالك قال: «يحشر الناس يوم القيامة على تل، فأكون أنا وأمتي على تل، فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد، الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك فيقول: من تنظرون؟ فيقولون: ننظر ربنا. فيقول: أنا ربكم. فيقولون: حتى ننظر إليك. فيتجلى لهم يضحك. قال: فينطلق بهم ويتبعونه. ويعطى كل إنسان منهم، منافق أو مؤمن، نورا ثم يتبعونه. وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك، تأخذ من شاء الله، ثم يطفأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون (٥)» " (٦) الحديث.
_________________
(١) سورة الحديد الآية ٢٨
(٢) سورة الحديد الآية ٢٨
(٣) سورة الحديد الآية ٢٨
(٤) تفسير ابن كثير ج ٨ ص ٥٧، وعزاه إلى الطبري في تفسيره ج ٢٧ ص ١٤٠، ١٤١.
(٥) صحيح مسلم الإيمان (١٩١)، مسند أحمد (٣/ ٣٨٤).
(٦) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة، ج ١ ص ١٧٨ رقم ٣١٦.
[ ٧٥ / ٢٧١ ]