أخرج مسلم بسنده من حديث أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله محليه وسلم: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن (أو تملأ) ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها (١)».
قال النووي: وأما قوله ﷺ: «الصلاة نور (٢)» فمعناه: أنها تمنع من المعاصي وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وتهدي إلى الصواب، كما أن النور يستضاء به.
وقيل معناه: إنه يكون أجرها نورا لصاحبها يوم القيامة.
وقيل: لأنها سبب لإشراق أنوار المعارف، وانشراح القلب، ومكاشفات الحقائق لفراغ القلب فيها، وإقباله إلى الله تعالى بظاهرة وباطنه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ (٣).
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء، ج ١ ص ٢٠٣ رقم ٢٢٣.
(٢) صحيح مسلم الطهارة (٢٢٣)، سنن الترمذي الدعوات (٣٥١٧)، سنن ابن ماجه الطهارة وسننها (٢٨٠)، مسند أحمد (٥/ ٣٤٤)، سنن الدارمي الطهارة (٦٥٣).
(٣) سورة البقرة الآية ٤٥
[ ٧٥ / ٢٨١ ]
وقيل: معناه أنها تكون نورا ظاهرا على وجهه يوم القيامة، ويكون في الدنيا أيضا على وجهه البهاء، بخلاف من لم يصل والله أعلم (١).
وأخرج أبو داود، والترمذي من حديث بريدة عن النبي ﷺ قال: «بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة (٢)» وقال الترمذي: حديث غريب.
قال المبارك فوري: " بالنور التام " الذي يحيط بهم من جميع جهاتهم، أي على الصراط، لما قاسوا مشقة المشي في ظلمة الليل جوزوا بنور يضيء لهم ويحيطهم (٣).
وأخرج الدارمي بسنده من حديث أبي الدرداء، عن النبي
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي ج ٣ ص ١٠١.
(٢) سنن الترمذي الصلاة (٢٢٣)، سنن أبي داود الصلاة (٥٦١).
(٣) تحفة الأحوذي ج ٢ ص ١٤ ط الثالثة.
[ ٧٥ / ٢٨٢ ]
ﷺ قال: «من مشى في ظلمة ليل إلى صلاة، آتاه الله نورا يوم القيامة (١)».
ثم قال المحقق: رواه أيضا: الطبراني في الكبير بإسناد حسن، وابن حبان في صحيحه بنحوه. (٢).
وأخرج الدارمي أيضا بسنده من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ أنه ذكر الصلاة يوما فقال: «من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة من النار يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورا ولا نجاة ولا برهانا، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأمية بن خلف (٣)».
ثم قال المحقق: رواه أيضا الطبراني في الكبير والأوسط، وأحمد، ورجاله ثقات (٤).
إن الصلاة أعظم شعائر الإسلام، بل هي الركن الركين، والصلة بين العبد وربه، ولذلك جعلها الله نورا يستضاء به في دياجير الظلم، تنير للمسلم الطريق المستقيم، وتهديه إلى سواء الصراط القويم، إنها تنهى المؤمن عن الفحشاء والمنكر لأنها نور، من قبلت منه الصلاة قبلت منه سائر العبادات، لأنها نور، النور يستضاء به، والصلاة
_________________
(١) سنن الدارمي الصلاة (١٤٢٢).
(٢) سنن الدارمي ج ١ ص ٢٧٠ رقم الحديث ١٤٢٩، كتاب الصلاة، باب فضل المشي إلى المساجد في الظلم.
(٣) مسند أحمد (٢/ ١٦٩)، سنن الدارمي الرقاق (٢٧٢١).
(٤) سنن الدارمي ج ٢ ص ٢١١ رقم الحديث ٢٧٢٤.
[ ٧٥ / ٢٨٣ ]
يستضاء بها لأنها نور، أجرها للمؤمن نور يوم القيامة، الصلاة تنور قلب صاحبها حتى يقبل على الله باطنا وظاهرا، الصلاة يستعين بها صاحبها على سلوك طريق الهدى، كما يستعين صاحب النور بالنور في الظلمات، من أقام الصلاة يظهر على وجهه نور، وتكون له يوم القيامة نورا، ومن يمشي إلى الصلاة في الظلم في الدنيا يعطى نورا تاما يوم القيامة يحيط به من كل جانب، ويضيء له طريقه إلى الجنة.
وفي الختام أسأل الله أن يمدنا بنور من نوره، الحمد لله نور السماوات والأرض الذي بنعمته تتم الصالحات، وأصلي وأسلم على خير البشرية الذي أنار الله به قلوب عباده؛ فساروا على نور من الله.
وفي الختام أسأل الله أن يجعل في قلوبنا نورا، وفي أبصارنا نورا، وفي أسماعنا نورا، وأن يجعل لنا نورا، وأن يعظم لنا نورا، وأن يجعلنا نورا. والحمد لله أولا وأخرا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٧٥ / ٢٨٤ ]