ويشتمل هذا المبحث على الحديث عن حكم إخراج القيمة
[ ٧٥ / ٣٥٧ ]
في الزكاة والنفقات على الزيتون وبيع الثمار على الشجر وذلك على النحو الآتي:
المطلب الأول: حكم إخراج القيمة:
إذا أراد رب الزيتون أن يخرج القيمة سواء أكانت حبا أم زيتا فهل يجوز ذلك أم لا؟
لقد اختلف الفقهاء في ذلك على قولين (١):
الأول: يجوز إخراج القيمة والواجب إخراج العين، وإليه ذهب الشافعية والمالكية في قول والحنابلة في رواية.
الأدلة: استدل هؤلاء بأدلة لما ذهبوا إليه وهذه الأدلة هي:
أدلة القول الأول: استدلوا بأدلة من القرآن والسنة والآثار والمعقول منها ما يلي:
أ- من القرآن قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٢).
وجه الدلالة في الآية: تدل الآية على أن المأخوذ مال، والقيمة مال، فأشبهت المنصوص عليه.
٢ - من السنة: لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن لأخذ الصدقة قال: " ائتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم مكان الصدقة، فإنه
_________________
(١) ابن قدامة، المغني ٣/ ٨٧، النووي، المجموع ٦/ ١٤٤، الميداني، اللباب ١/ ١٦٠.
(٢) سورة التوبة الآية ١٠٣
[ ٧٥ / ٣٥٨ ]
أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة " (١)، والخميس هو: ثوب طوله خمسة أذرع. واللبيس: ما يلبس أي اللباس.
والدلالة في الحديث واضحة وهي جواز أخذ القيمة وذلك قول معاذ: أعطوني ثيابا تلبس بدل الواجب عليكم من الزروع.
٣ - الآثار: ما ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه " كان يأخذ العروض في الصدقة من الدراهم " أي بدل الدراهم (٢).
٤ - المعقول: إن قصد الشارع ﷿ من إخراج الزكاة دفع حاجة الفقير، ودفع الحاجة يحصل بالقيمة وبغيرها، وربما تكون القيمة للفقير أنفع؛ لأن الفقير يحتاج إلى طعام وشراب ولباس ودواء وعلاج وكل ذلك يتحقق بالقيمة، ومهما تنوعت حاجات الفقير فإن القيمة قادرة على تحقيق ذلك (٣).
أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني على عدم جواز إخراج القيمة في الزكاة بأدلة هي:
أ- من السنة: «قوله ﷺ لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير
_________________
(١) البيهقي، السنن ٤/ ١١٣.
(٢) ابن قدامة، المغني ٤/ ٨٧.
(٣) المصدر السابق ٣/ ٨٦.
[ ٧٥ / ٣٥٩ ]
من الإبل، والبقر من البقر (١)».
وجه الاستدلال في الحديث: الحديث نص في الموضوع فوجب الوقوف عنده، وهو إخراج العين وعدم تجاوزها إلى إخراج القيمة، لأن في هذه الحال سيأخذ من الحب شيئا غير الحب، ومن الغنم شيئا غير الشاة وهذا خلاف ما أمر به الرسول ﷺ أي أنه عدول عن المنصوص عليه ومن ثم لم يجزئه (٢).
٢ - من المعقول قالوا:
أ- إن الزكاة وجبت لدفع حاجة الفقير وشكرا لنعمة المال، والحاجات متنوعة فينبغي أن يتنوع الواجب ليصل إلى الفقير من كل نوع ما تندفع به حاجته، ويحصل شكر النعمة بالمواساة من جنس ما أنعم الله عليه به (٣).
٢ - السجود في الصلاة يكون على الجبهة والأنف ومن ثم لا يجوز أن يكون على الخد أو الذقن، لأن في هذا مخالفة للنص، فكذلك لا يجوز إخراج قيمة الشاة أو الحب المنصوص على وجوبه؛ لأن في هذا خروجا على النص، والزكاة أخت الصلاة (٤).
_________________
(١) البيهقي، السنن ٤/ ١١٣.
(٢) ابن قدامة، المغني ٣/ ٨٨.
(٣) ابن قدامة، المغني ٣/ ٨٨.
(٤) النووي المجموع ٥/ ٤٣٠.
[ ٧٥ / ٣٦٠ ]
منشأ الخلاف: ومنشأ الخلاف في إخراج القيمة في الزكاة يعود إلى هل الزكاة قربة لله تعالى أم حق مالي للفقراء في مال الأغنياء، فمن غلب جانب العبادة في الزكاة قال بعدم جواز إخراج القيمة كالمالكية والشافعية والحنابلة، ومن غلب جانب كون الزكاة حقا ماليا قصد منه سد حاجة الفقراء قال بجواز إخراج القيمة في الزكاة كالحنفية (١).
الترجيح: عندما نتأمل ما ذهب إليه الحنفية نجده أيسر على الناس وأهون، لأن أخذ الشاة يحتاج إلى نفقات مثل المبيت والإطعام ونقل من مكان إلى آخر وغير ذلك مما تحتاج إليه العين من أجل المحافظة عليها، بخلاف أخذ القيمة فإنه لا يحتاج مثلما تحتاج إليه العين، وهذا القول مروي عن عمر بن عبد العزيز والحسن البصري وسفيان الثوري، وإليه ذهب البخاري حيث عقد بابا في صحيحه " أخذ القيمة " مستدلا بما ورد عن معاذ الذي رواه عن طاووس، وما روي عن معاذ ليس فيه الإلزام بأخذ العين وإنما هو المطالب به أرباب الأموال، والقيمة إنما تؤخذ باختيارهم، وإنما عين تلك الأجناس في الزكاة تسهيلا على أرباب الأموال، لأن كل ذي مال إنما يسهل عليه الإخراج من نوع المال
_________________
(١) النووي، المجموع ٥/ ٣٤٠.
[ ٧٥ / ٣٦١ ]
الذي عنده. (١).
وقد ذهب ابن تيمية مذهبا وسطا حيث قال: إن إخراج القيمة لغير حاجة ولا مصلحة راجحة غير جائز، ولهذا قدر الرسول ﷺ الجبران بشاتين أو عشرين درهما ولم يعدل إلى القيمة، ولأنه متى جوز إخراج القيمة مطلقا، فقد يعدل المالك إلى أنواع رديئة، وقد يقع في التقويم ضرر، ولأن الزكاة مبناها على المواساة، وهذا معتبر في قدر المال وجنسه، وأما إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة، أو العدل فلا بأس به، مثل أن يبيع ثمر بستانه أو زرعه بدراهم، فهنا إخراج عشر الدراهم يجزئه، ولا يكلف أن يشتري ثمرا أو حنطة، إذا كان قد ساوى الفقراء بنفسه وقد نص أحمد على جواز ذلك.
ومثل أن يجب عليه شاة في خمسة من الإبل، وليس عنده من يبيعه شاة، فإخراج القيمة هنا كاف، ولا يكلف السفر إلى مدينة أخرى ليشتري شاة، ومثل أن يكون المستحقون للزكاة طلبوا منه إعطاء القيمة لكونها أنفع، فيعطيهم إياها أو يرى الساعي أن أخذها أنفع للفقراء، كما نقل عن معاذ بن جبل أنه كان يقول لأهل اليمن: ائتوني بخميس أو لبيس، آخذه منكم مكان الصدقة فإنه أهون
_________________
(١) القرضاوي، فقه الزكاة ٢/ ٨٠٥.
[ ٧٥ / ٣٦٢ ]
عليكم وخير لمن في المدينة من المهاجرين والأنصار (١).
هل تخرج الزكاة من الثمر أم من الزيت؟
اختلف الفقهاء في ذلك على النحو الآتي (٢).
أولا: ذهب أبو حنيفة إلى القول بأن تؤخذ الزكاة من حبه كغيره من الثمار، لأن الحالة التي تعتبر فيها الأوساق هي حالة الثمر لا الزيت، فكان إخراجه فيها كسائر الثمار.
ثانيا: ذهب الإمام مالك إلى القول بأن تؤخذ الزكاة من الزيت بعد العصر العشر وذلك إذا بلغ الزيتون خمسة أوسق، لأن الزيت أنفع للفقير من الثمر. أما إذا لم يخرج من الزيت أخرج منه ثمنه.
ثالثا: ذهب الشافعي في قوله القديم إلى أنه يجوز أن يخرج زيتا أو زيتونا أيهما شاء.
رابعا: ذهب الإمام أحمد إلى القول بالتفريق بين الزيتون الذي فيه زيت وما لا زيت فيه فقال: إذا لم يكن فيه زيت فإنه يخرج منه حبا، كما يخرص الرطب في حال رطوبته، وإن كان فيه زيت أخرج زيتا العشر، وذلك إذا بلغ الزيتون خمسة أوسق.
والراجح من هذه الأقوال هو أن تؤخذ الزكاة في الزيتون
_________________
(١) ابن تيمية، الفتاوى ٢٥/ ٨٢، ٨٣، البيهقي، السنن ٤/ ١١٣.
(٢) (مالك، المدونة الكبرى ١/ ٥٨٤)، (النووي، المجموع ٥/ ٤٥٢)، (ابن قدامة، المغني ٣/ ١٩).
[ ٧٥ / ٣٦٣ ]
العشر من الزيت وذلك إذا بلغ الثمر خمسة أوسق، لأن الزيت أنفع للفقراء، كما أنه لو خير الفقير بين ذلك لاختار الزيت، لأنه لا يحتاج إلى بذل الجهد والنفقة في عصر الثمر، بخلاف ما لو أخذه حبا فإنه يضطر إلى أن يدفع النفقات ويبذل الجهد من أجل عصر الثمر، وقد لا يجد مالا وإن وجد فقد لا يستطيع من الناحية الجسدية فالزيت أفضل.
[ ٧٥ / ٣٦٤ ]